"نهر من دم حتى غزة"

"نهر من دم حتى غزة"

تقول الأسطورة، أو ربما هي قصة حقيقية، عن الرياضي البرفيسور حاييم حناني، الذي طلب إلى طلابه في "التخنيون" أن يبنوا أنبوبا من الدم من حيفا وحتى إيلات. وقد فعل الطلاب المطيعون ما طلبه معلمهم: فقد خططوا بواسطة مساطر اللوغريثمات أنبوبا مطوّرا. حيث حافظوا على التخطيط، وأخذوا التضاريس والتآكل بالحسبان، والقطر والإنسياب الصحيح.

لكن البروفيسور قطع بمجرد أن عرضوا عليه عملهم: لقد فشلتم. حيث أن أيا منكم لم يسأل لماذا أنبوب دم، ودم من ولماذا يسفك.

سواء كانت أسطورة أم واقعا، لقد فشلت إسرائيل في امتحان انبوبها الدموي. فعلى مدى أسبوع اشتغلت في وضعه بين إسرائيل وغزة، لكن أحدا لم يسأل دم من هذا ولأي غرض يسفك. كل شيء مباح، شرعي وعلى حق. لقد تم تحرير الرسن الأخلاقي، إن وجد. حتى لو أن إسرائيل محت غزة من على وجه البسيطة وقتلت عشرات الآلاف، مثلما اقترح عليّ عامل من الشيشان في سديروت، فيمكننا الأفتراض بأنه لن يكون هنالك احتجاج.

نقتل نزار ريان؟ لن يعدّ أحد العشرين الذين قتلوا من النساء والأولاد. مذبحة لعشرات من أفراد الشرطة في طابور الإحتفال بالإنهاء؟ "ماشي". خمس شقيقات صغيرات؟ مسموح. يحتضرون في المشافي دون معدات طبيّة؟ تفاهات. إين هي أيام صلاح شحادة غير السعيدة: عندما قتلناه في يوليو 2002، وقتلنا 15 ولدا وامرأة، حيث برزت هنا مسائل أخلاقية.

ها هي جثثهم ممدّدة صفوفا صفوفا، بعضها صغيرة جدا. قلوبنا وعيوننا شاحبة. إسرائيل كلها لبست البزّات، بزات مغلقة وملطخة بالدم، حيث متاح تحت غطائها تنفيذ أية جريمة. لم ينبس رجالات الأدب أيضا ببنت شفة عمّا ارتكبناه. يناشد عاموس عوز لـ "وقف النار حالا": ويكتب دافيد غروسمان "لنتوقف، ولنلجم الرصاص": ويرغب مئير شلف بـ "عملية قصاص" – لكنّهم لم ينطقوا بأية كلمة عن صورتنا الأخلاقية التي تشوّهت إلى حدّ التوحّش. آلام الجنوب تسهّل كلّ أمر، لكأنّ آلام غزة تبسّطها. ألجميع يطمح للإنتقام ويتذرّعون بأن هنالك حاجة للـ "ردع"، وذلك بعد أن ثبت أن القتل والتدمير في لبنان لم يجلباه.

نعم، أدرك أنّه في الحرب كما في الحرب. لقد جلبوا ذلك على أنفسهم: هم منظمة إرهابية أما نحن فلا: هم يبغون إبادتنا أما نحن فطالبو سلام. مع ذلك، ألا يوجد شيء بإمكانه أن يوقف أنبوب الدم؟ علما أن غليظي القلوب ايضا يضطرون في لحظة من "التجمّل الأخلاقي" لإيقاف آلة القصف وسؤال أنفسهم: أية إسرائيل هذه؟ ماذا سيحصل لمكانتنا العالمية، حيث أن العالم يراقبنا الآن في غزة؟ ماذا نفعل لأنظمة الحكم العربية المعتدلة؟ وماذا عن الكراهية الشعبية الملتهبة التي نزرعها نحن من شرق الدنيا إلى غربها؟ أي خير سنجني من هذا القتل وهذا التدمير؟

من المشكوك فيه أن يتم محق حماس في هذه الحرب اللعينة: لكن وجه الدولة قد تمّ محقه. محقت النخبة المدنية، فهي غير مبالية ومرعوبة، محق "معسكر السلام"، إذا ما كان قائما. لقد أباح المستشار ميني مزوز اغتيال ريان، مهما كلّف الأمر، بينما أيّد حاييم أورون، زعيم "حركة اليسار الجديدة"، هذه الحرب الغبية. لم يقم أحد لإنقاذ – لا غزة، ولا حتى مخلفات الإنسانية والديمقراطية الإسرائيلية. ألسياسيون، القانونيون، ألشعراء، الكتّاب، والأكايميا والإعلام، ظلام دامس على وجه الكرة الأرضية. عندما يحين وقت الحساب، يجدر تذكر ما فعلته هذه الحرب أيضا لإسرائيل. لقد اكتمل انبوب الدم الذي وضعت.