"ثمن باهظ للتعليم"..

"ثمن باهظ للتعليم"..

لقد خاب ظن كل من انتظر أن تعيين أفيغدور ليبرمان وزيرا للخارجية سيضفي على أنغامه الفظة لطفا دبلوماسيا وذلك منذ ظهوره الأول. فقد ألغى ليبرمان، في خطابه عند تسلمه لوظيفته (وزيرا للخارجية) أول من أمس، بجرة قلم، جميع الخطوات السلمية التي بحثتها إسرائيل مع جيرانها في العقود الأخيرة، وأعلن أن عملية أنابوليس لا تلزم الحكومة الجديدة، وعرض على سوريا "سلاما في مقابل سلام"، وأنهى رؤيته السياسية باعلان أن "من يبغي سلاما – فليتهيّأ للحرب".

لكن الذين بحثوا عن نقطة اعتدال في أقوال ليبرمان، لاحظوا أنه يقبل بـ "خارطة الطريق"، التي تؤدي، تحت جميع الإشتراطات والتحفظات، إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. لكن كان من الصعب الإقتناع بأن ليبرمان، تحت كومة تصريحاته عن اعتماد القوة، وعلى رأسها معارضته الشديدة التي أبداها لأي تنازل، إنما يصبو حقا إلى تسوية مع الفلسطينيين. ويبدو تأكيده على تنفيذ التزامات إسرائيل في خارطة الطريق، وعلى رأسها تفكيك مستوطنات وتجميد الإستيطان، ليس مقنعا إزاء طلبه بالـ "تبادلية".

لقد تناقضت تصريحات ليبرمان مع خطاب القسم لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي التزم بالمضي في العملية السياسية مع السلطة الفلسطينية في قنوات ثلاث – إقتصادية، أمنية، وفي التفاوض السياسي حول تسوية دائمة – تماما بحسب الصيغة التي تمّ تحديدها في مؤتمر أنابوليس في نوفمبر/ تشرين الثاني العام 2007.

لم تتأخر ردود الفعل العالمية على أقوال ليبرمان: فقد كرر البيت الأبيض التزام الولايات المتحدة بحل الدولتين، فيما قال الرئيس السوري والسلطة الفلسطينية بأن ذلك يثبت أن إسرائيل لا تريد السلام. ردود الفعل هذه تعني أن على الحكومة الجديدة أن تبذل جهدا من أجل إقناع حكومات غريبة بأنها (إسرائيل) شريك في العملية السياسية.

ليبرمان هو رجل سياسة ومن حقه إبداء آرائه. كما أن تعيينه الجديد في الحكومة لا يلزمه بالتنكر للأيديولوجية التي انتخب على أساسها. لكن عليه أن يدرك أن وزير الخارجية الذي يطوّق رئيس الحكومة من اليمين، يفقد فاعليته، ويعتبره العالم مجرد صارخ لا أهمية له، وليست هناك جدوى في التحدث معه. بحسب جميع أشكال الحكم، فإن مهمة وزير الخارجية هي تمثيل الناحية الدولية في اتخاذ القرارات وطرح الحلول الدبلوماسية. لا حاجة لوزير آخر أمني أو "إستراتيجي"، كالذين تعجّ حكومة نتنياهو بأمثالهم.

إن مشكلة الدولة هي أكبر كثيرا من مشكلة ليبرمان. إذا ما اعتبرت الحكومة رافضة للسلام، وأنها تتملّص من المبادئ الأساسية للعملية السلمية المدعومة بموافقة دولية عامة، فإن إسرائيل ستجد نفسها وحيدة. وسيصعب على الدولة تجنيد دعم وتفهم لأهدافها الهامة، وعلى رأسها مواجهة البرنامج النووي الإيراني. ولن تستطيع إسرائيل أن تسمح لنفسها بدفع هذا الثمن الباهظ ثمنا لتعليم ليبرمان في وزارة الخارجية.

لقد تهرّب رئيس الحكومة من الرد على تصريحات شريكه السياسي، لكنه لن يستطيع الهروب من مسؤوليته العليا عن السياسة الخارجية لإسرائيل. وعلى نتنياهو أن يبدي زعامته وأن يوضح، إذا ما كانت حكومته تلتزم بدفع التسويات السياسية، أو أنها فقط "تستعد للحرب".