قررارات مرتجلة ومتعرجة في حرب لبنان الثانية

قررارات مرتجلة ومتعرجة في حرب لبنان الثانية

في 16 يوليو/ تموز، في اليوم الرابع للحرب، أرسل أولمرت رسالة إلى البيت الأبيض في واشنطن جاء فيها: أن إسرائيل بحاجة إلى ستة حتى ثمانية أسابيع لتدمير حزب الله وتحطيم قوته. وفي هذه الفترة هي بحاجة إلى تغطية سياسية تفشل المبادرات الدولية لوقف إطلاق النار. ونقل الملحق العسكري في السفارة في واشنطن، الجنرال دان هرئيل، رسالة مشابهة للبنتاغون. وبعد مشاورات أجراها الرئيس مع مستشاري الأمن القومي ومع كبار وزارة الدفاع، وافق الرئيس الأمريكي. وجاء في الرسالة السرية التي وصلت القدس: منحت إسرائيل الوقت الذي طلبته؛ الجيش لديه عدة أسابيع بل شهور لإنهاء العمل". الأمريكيون طلبوا فقط عدم المس في البنية التحتية اللبنانية، من أجل عدم إضعاف حكومة السنيورة.

وقد التزمت الإدارة بتعهداتها. ولكن من لم ينجز المتوقع منه كانا حكومة إسرائيل والجيش. وقال خبراء في العلاقة الإستراتيجية بيت إسرائيل وواشنطن، أن خطوة أولمرت التي أدت إلى توقعات عالية لدى الإدارة الأمريكية، سببت تآكلا كبيرا في مكانة إسرائيل وفي أهميتها الإستراتيجية في عيون حليفتها الأكبر والأهم.

هذا فقط أحد الأمثلة للخطوات المرتجلة والمتعرجة التي اتخذها المستوى السياسي في إسرائيل خلال حرب لبنان الثانية. فقبل أربعة أيام من تلك الرسالة الواثقة إلى واشنطن، في يوم الاختطاف على الحدود الشمالية، قررت الحكومة تنفيذ عملية رد جوي محدودة تستمر ما بين 72-96 ساعة فقط. كيف حدث أنه خلال أربعة أيام قرر القادة الانتقال من حملة محدودة إلى معركة من شأنها أن تستمر بين شهر ونصف إلى شهرين؟ يتضح أن نجاح الحملة الجوية قلبت رؤوسهم. سلاح الجو دمر خلال يومين معظم الصواريخ متوسطة المدى وبعيدة المدى من طراز فجر وزلزال، وأوحى رئيس هيئة الأركان للسياسيين وجعلهم يفهمون أنه إذا حصل على عدة أسابيع إضافية للعملية الجوية، يمكنه إتمام تحقيق الأهداف الضبابية الأخرى التي حددت. وذلك رغم أن رئيس شعبة الدراسات لـ "أمان" حذر من أن القصف الجوي لن يحل مشكلة المخطوفين ولن يشل حزب الله.

العنوان على البيوت المهدمة

في ذات اليوم الذي أرسلت فيه الرسالة إلى واشنطن، قتل ثمانية عمال من مصلحة القطارات في حيفا جراء سقوط صاروخ سوري ثقيل. وسقطت عشرات صواريخ الكاتيوشا على بلدات الشمال. العنوان كان مكتوبا على المنازل المهدمة. ولكن رئيس الحكومة ووزير الأمن ومثلهم باقي أعضاء المجلس الوزاري الأمني السياسي المصغر، لم يصعبوا الأمور على رئيس الأركان. لم يسألوه ماذا سيحصل إذا لم ينجح القصف الجوي في تحقيق النتائج المأمولة، وتستمر الجبهة الداخلية في تلقي الضربات.

ويسأل هنا: على أي أساس تقرر إطالة القصف الجوي، دون اتخاذ وسائل الحذر ودراسة خطط بديلة في حالة تعثر أي خطوة؟ أولمرت وبيرتس عرفا في تلك الساعة من ضباط كبار ورؤساء أركان سابقين، أن الجيش توصل إلى نتيجة منذ فترة أن حملة برية واسعة بمشاركة ثلاث فرق يمكنها أن تشل إطلاق الصواريخ قصيرة المدى. خطة العمليات "مي ماروم" كانت جاهزة وتم التدريب عليها. كان يتوجب استدعاء الاحتياط وإعداد القوات، ما كان يمكن فعله خلال أسبوع إلى عشرة أيام ولكنهم لم يطلبوا من رئيس الأركان اتخاذ خطوات تمكّن من تنفيذ "مي مروم" إذا فشلت المفهوم الجوي. ولم يصدروا التعليمات اللازمة للجبهة الداخلية للاستعداد، الشيء الذي من شأنه أن يقلص من الخسائر البشرية بين السكان في الشمال.

سؤال بيرس بقي في الجو..

قرار إطالة القتال والتوجه إلى واشنطن بطلب مظلة سياسية في اليوم الرابع للقتال، هي فقط واحدة من مفارق القرار التي أبدى فيها المستوى السياسي التسرع. وسبقها القرار الأول حول الحملة الجوية المحدودة التي اتخذت دون أن يفحص رئيس الوزراء ووزير الأمن ويسألون رئيس الأركان ما هي خطته لاستمرار الحرب، وكيف ينوي التعامل مع الصواريخ قصيرة المدى. في الواقع الوزير شمعون بيرس سأل في تلك الجلسة حول ما يمكن أن يحدث لاحقا، ولكنه حصل على إجابة ضبابية.

وزراء وضباط ورجال أمن كبار أدلوا بشهاداتهم في لجنة فينوغراد، تحدثوا عن نمط اتخاذ قرارات مرتجل ومتعرج: المستوى العسكري عرض مرة بعد الأخرى بدائل للمجلس الوزاري الأمني المصغر دون أن يجري رئيس الأركان فحصا جديا ومعمقا لما ينطوي على كل واحدة منها. ودون تخطيط بعض الخطوات المستقبلية؛ أولمرت وبيرتس اختارا كل مرة البديل المناسب لهما، دون أن يجهدا نفسيهما بإدراك أبعاد قرارهما وما يمكنه أن يحقق. وقد تصاعدت الحرب من ارتجال إلى ارتجال من قرار حول حملة جوية محدودة إلى قرار حول حملة جوية مدمرة ومتواصلة ومن هناك لتوغلات برية دون خطط مع استمرار سقوط الصواريخ، ووصولا إلى قرار الحملة التي لا أهداف عسكرية واضحة لها بالاقتراب من الليطاني لتحسين بنود قرار مجلس الأمن.

القيادة السياسية والأمنية أدارت الحرب دون أن تدرك – حتى وقف إطلاق النار تقريبا-أنها في حرب. حرب أبعادها واسعة على وضعنا الاستراتيجي-الأمني، وتلزم اتخاذ خطوات مرتبة وكبيرة تؤدي إلى حسم واضح. على الأقل تقليص جدي في إطلاق الصواريخ. الضبابية في التفكير لدى المستوى السياسي والعسكري تغلغلت إلى الأسفل، وسببت في أن يحصل الضباط والجنود في الميدان على تعليمات متناقضة وعلى الأغلب لم يعرفوا ولم يفهموا ما هي المهمة المطلوب منهم تنفيذها. ونتيجة لذالك انتهت الحرب دون حسم عسكري واضح.

مهمة لجنة فينوغراد ليس فقط استيضاح من في المستوى العسكري ومن في المستوى السياسي مسؤولون عن إخفاقات الحرب؛ المهمة لن تكون كاملة دون أن تُسمع أقوال واضحة حول الطريقة التي يجب أن تتخذ فيها القرارات في الأزمات، وبالتحديد في نقطة الالتقاء بين الجيش والقادة السياسيين، وأين بالتحديد يمر الخط الفاصل بين مسؤولية كل طرف منهما.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018