قوات الاحتلال تعتمد التخويف أسلوباً لتركيع العراقيين / روبرت فيسك

قوات الاحتلال تعتمد التخويف أسلوباً لتركيع العراقيين / روبرت فيسك

هناك امر سيء للغاية ينتشر في العراق حالياً، فقد اعترف احد قادة الفرقة الأولى مشاة الاميركية العاملة في شمال العراق، مؤخراً، بأنه من اجل جمع معلومات عن الجماعات التي تقوم بقتل القوات الاميركية في العراق فإن الامر يستلزم «اشاعة الخوف» في صفوف القرويين المحليين.وحدث ان قام احد المترجمين العراقيين الذين يعملون مع الاميركيين بانتزاع عجوز من بيتها لاخافة بناتها وحفيداتها بدفعهن الى الاعتقاد بأنه تم اعتقالها.
وقام قائد كتيبة من المنطقة نفسها بالاعتراف بالامر بشكل اكثر صراحة وجرأة عندما قال: «من خلال بث مزيد من الخوف والعنف وانفاق الاموال لبناء المشروعات، اتصور اننا يمكننا اقناع هؤلاء الناس بأننا هنا من اجل مساعدتهم». وقد كان هذا القائد يتحدث عن قرية كان يحيطها رجاله بأسلاك شائكة كتبت عليها عبارة مفادها: «هذا السور موجود هنا من اجل حمايتكم، فلا تقتربوا منه او تحاولوا عبوره، ومن يفعل ذلك فسوف يجري اطلاق النار عليه!».

وعندما تحاول ايضاح ان مثل تلك المعاملة وتلك الكلمات من شأنها ان تهين وتجرح مشاعر شعب يدّعي الاميركيون انهم اتوا من اجل «تحريره»، يُرد عليك بقول واحد في بغداد كلها، الا وهو ان هؤلاء البقية الباقية من المقاتلين هم من اتباع صدام حسين المعتقل حالياً وانه ينبغي الفصل بينهم وبين المدنيين الذين يقوم هؤلاء المقاتلون بـ «ترهيبهم».

فلا جدوى من ايضاح ان الجزء الأكبر من هذا الترهيب يأتي على يد قوة الاحتلال الاميركي، هو الأمر الذي يتسبب كذلك في ترويع البريطانيين في جنوب العراق الذين يفهم عنهم خشيتهم من ان يطالهم انتقام العراقيين كما طال الايطاليين والاسبان من قبل.

وبدلاً من ذلك يقال لنا ان القوات الاميركية تكسب القلوب والالباب بروح عيد الميلاد. ولقد اوردت وكالة الاسوشيتدبرس مثالاً محزناً على العنصرية التي انطوى عليها احتفال الاميركيين بهذا العيد.
فلدى وصفه كيف قام جندي اميركي، كان يعتمر غطاء رأس نوبل، بتوزيع دمى على شكل حيوانات على الاطفال، كتب مراسل الوكالة جيسون كيسر قائلاً: ان احد الاطفال ـ 11 عاماً ـ بدا مرتبكاً ومتحيراً ثم ابتسم، عندما اعطى له الجندي دمية على شكل معزة صغيرة. وواصل المراسل قوله: «وقام اخرون من هذا الحشد من الناس، الذي كان معظمه من المسلمين، بالامساك بصندوق الدمى بطريقة تنم عن الجشع والطمع". ثم تابع بالقول ان الجندي علق على هذا التصرف بالقول: انهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع الكرم.
لست اشك في رغبة هذا الجندي في فعل الخير. ولكن ماذا عن تلك العبارات مثل «معظمهم من المسلمين» الذين «امسكوا بالصندوق بشكل ينم عن الجشع والطمع»؟ وماذا عن تعليق الجندي الذي لا ينم عن اي قدر من الحساسية والتعاطف بشأن الكرم؟ لقد افردت الصحف العراقية في صفحاتها الأولى بطاقة تهنئة بعيد الميلاد اصدرتها القوات الاميركية في بغداد تقول فيها: «الكتيبة الأولى، الفرقة 22 مشاة تتمنى لكم عيد ميلاد سعيد جداً».
الا ان صورة البطاقة هي لصدام حسين بلحيته القذرة بعد اعتقاله وقد وضعت على رأسه قبعة بابا نويل. لا شك ان الامر يبدو مضحكاً بالنسبة لنا جميعاً، ولكنه في الوقت نفسه يعتبر اهانة للسنّة من العرب الذين على الرغم من بغضهم الشديد لصدام، سوف ينظرون للأمر على انه محاولة متعمدة لإهانة المسلمين في العراق. فالعراقيون هم الذين لهم الحق في التحقير من شأن رئيسهم السابق، وليس للمحتلين الاميركيين الحق في ذلك.
ويبدو الامر وكأن القوى المحتلة تريد ان تنظر من خلال مرآة أليس وتصدق أكاذيبها. فمؤخراً سمعنا ذلك التصريح الغريب الذي ادلى به الجنرال البريطاني غرايم لامب، والذي جاء فيه ان صدام حسين يمكن ان يقارن بالامبراطور الروماني كاليغولا. ويبدو ان هذا الجنرال في اغلب الاحوال يعتمد على كتاب "القياصرة الاثنا عشر"للكاتب سويتونيوس ويبني عليه وجهه نظره في كاليغولا. ولكن على اي حال فإن هذا الامبراطور الروماني كان اكثر جنوناً من صدام، وربما كان اقل اهتماماً بالحياة الانسانية من الرئيس العراقي السابق.
وعدي صدام حسين، نجل صدام، ربما يكون اكثر شبهاً بكاليغولا. ولكن ما هو المفترض ان يحققه كل هذا؟ ان محكمة جرائم حرب حقيقية، يفضل ان تعقد خارج العراق بعيداً عن قضاة ذلك البلد الفاسدين، هي الوسيلة لتحديد طبيعة نظام صدام حسين الكريه وتعريفه.

وجميع تلك التشبيهات التي تعقد مقارنة بين صدام وطغاة سابقين من امثال هتلر وستالين وكاليغولا، وكذلك تلك التلميحات التي يتم فيها تشبيه توني بلير او جورج بوش بونستون تشرشل، كل تلك التشبيهات هي امور صبيانية لا تفضي الى شيء، وسوف تؤدي مرة اخرى الى اهانة المسلمين السُنّة في العراق، وهم الطائفة،التي يجب على الاميركيين بذل جهود شاقة لكسب تأييدها وذلك لأنهم يقودون الجانب الاكبر من عمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال.غير ان تأثير المرآة هذا يبدو انه سيطر على الحاكم الاميركي المدني للعراق بول بريمر. فشأن الرئيس جورج بوش، يقوم بريمر الان بتكرار ذلك السخف الذي يفيد بأنه كلما ازداد نجاح الغرب في العراق، تزايدت الهجمات على القوات الاميركية.
وقال بريمر مؤخراً: انني شخصياً اشعر بأننا سنواجه قدراً اكبر من العنف خلال الاشهر الستة المقبلة، وذلك لاننا بالفعل نحقق خطوات كبيرة نحو النجاح. وبعبارة اخرى يريد بريمر ان يقول انه كلما تحسنت الاوضاع، كلما ازدادت سوءاً، وان ازدياد العنف يعني اننا نؤدي بشكل أفضل.
ولم أكن لاهتم بهذا الهراء لولا انه يظهر بوضوح في العراق حالياً. فلنأخذ على سبيل المثال الادعاء الاميركي ـ الذي ينظر اليه الآن على انه مجرد سخف ـ بأنهم قتلوا «54 متمرداً» في مدينة سامراء منذ شهر، غير ان الحقيقة تشير الى انهم قتلوا على الاقل 8 مدنيين، وليس هناك اي دليل على انهم قتلوا اي عناصر اخرى. ولكنهم لايزالون يصرون على التمسك بالرواية التي تعكس النجاح العظيم الذي حققوه.
ومؤخراً، أوردوا رواية مشابهة للرواية السابقة. وقالوا انهم قتلوا 11 «متمرداً» في سامراء. ولكن عندما تحرت صحيفة «الاندبندنت» عن الامر، لم تجد ما يدل إلا على مقتل اربعة مدنيين وعدد كبير من الجرحى. ولم تتم زيارة اي من المصابين، المفترض ان يكونوا من «المتمردين» ـ اذا كان الاميركيون يصدقون كذبتهم ـ لم تتم زيارتهم في المستشفى من قبل القوات الاميركية؟ اذا لم تكن قد قامت باستجوابها فلكي يجري على الاقل تقديم الاعتذار لما حدث.

وهناك عادة اكثر غرابة ظهرت بوضوح بين المتحدثين باسم سلطات الاحتلال. فعندما حدث وان دهست احدى دبابات الاحتلال احد المراجع الشيعية في مدينة الصدر منذ عدة اسابيع، ادعى هؤلاء، بأن الامر عبارة عن «حادثة مرورية»، وكأن مرور دبابة من فئة «إم ـ 1 إيه ـ 1» فوق سيارة وتحطيمها امر عادي يمكن ان يحدث في شوارع وسط البلد.
وبعد ذلك بعدة ايام، وبعد ان اصطدمت شاحنة ملغومة بسيارة وقتلت 17 مدنياً كرر رجال الاحتلال الهراء نفسه، وقالوا ان الامر عبارة عن «حادثة مرورية» لناقلة وقود. غير انه لم تكن هناك ناقلة بترول ملحقة بالشاحنة.

وبالامس القريب وقع حادث اكثر غرابة،فقد قيل ان طائرات نفاثة من طراز «سي ـ 130» محملة بأسلحة ثقيلة في طريقها لمهاجمة قواعد لرجال المقاومة في الجنوب في اطار عملية اطلق عليها اسم «المطرقة الحديدية» غير ان التحريات اثبتت ان الاهداف التي اطلقت النيران عليها، كانت مجرد حقول خالية من أي اشخاص أو اسلحة، وان مدافع الطائرات كانت تطلق نيرانها على الفراغ، في اطار اطلاق نيران جماعي روتيني.

إذن دعنا نضع الامور في اطارها الصحيح ونسمي الاشياء باسمائها ف«المتمردون» هم المدنيون. والدبابات وحاملات القنابل التي تدهس المدنيين هي حوادث مرورية.والمدنيون «المحررون» الذين يعيشون في قرى محاطة بأسلاك شائكة عليهم ان يتحملوا جرعة مفرطة من الخوف والعنف كي يسيروا على الصراط المستقيم.وفي منطقة ما على هذا الصراط سوف يجري في اغلب الظن الحديث مع هؤلاء حول الديمقراطية.
_____________________________________________

(عن «اندبندنت»)