صعود صورة الجينات وفكرة "الطفل النابغة" في مطلع القرن 21

صعود صورة الجينات وفكرة "الطفل النابغة" في مطلع القرن 21

قبل أيام قليلة، عرضت قناة «سي أن أن» الاميركية برنامجاً خاصاً عن ظاهرة النبوغ. ولفتت الى المساعي الحثيثة للتوصل الى تعريف علمي للظاهرة، وخصوصاً لـ «الحصول» على عباقرة. وبرزت في الحلقة السيطرة الكبيرة لأفكار الوراثة والجينات راهناً، على الخيال العام، وهيمنت عليها صور من نوع بنوك الحيوانات المنوية، التي تبذل جهوداً خارقة للحصول على سوائل الخصوبة ممن يفوزون بجوائز «نوبل»، وكذلك ممن يبرزون في مجالات مختلفة مثل الرياضة والرياضيات وعلوم الفضاء والدراسات الاكاديمية وغيرها.

وفي سياق التفكير بالمتفوق، رصدت «سي أن أن» بداية التحوّل في النظام التعليمي الاميركي من استجابة الحاجات الاجتماعية العامة الى التركيز على النابهين ومن تظهر عليهم علامات التفوّق المبكر في الأداء الدراسي. انه عالم ما بعد الجينوم، حيث باتت المخيلات مملوءة بالجينات التي تُصور وكأنها كلية القدرة، إضافة الى الانبعاث القوي لصورة «الانسان المتفوق» التي باتت تسير من دون نقد في المجتمعات الغربية! هل نرغب في جيل متفوق علمياً؟ لنبحث عن الحل في الجينات. هل نريد المزيد من أمثال آينشتاين وشرودنغر ونيلز بور وغيرهم، لنلجأ الى بنوك الحيوانات المنوية والبويضات.

ولم تعد المدارس التي تفرض مستوى معيناً من معدل الذكاء للالتحاق بها، خيالاً علمياً ولا سينمائياً. فقد شرعت تلك المدارس في الانتشار في اميركا، ومن دون أن يُثار حولها نقاش عام كبير.

يفوح هذا المزيج من بيولوجيا الجينات وصورة الانسان المتفوق، برائحة مألوفة! فقد سبق أن ظهر المزيج نفسه في اوروبا، في ثلاثينات الـــقرن العشرين، مرفوعاً بالأيدي المــمــدودة للنازيين في المـــانيا. وحينها، اعتــنــت الـنـازيــة ببحوث قـــادها فيليهام داروين، حفيد تشارلز داروين، للتوصل الى أجيال من «الانسان المتفوق». وبدعوى التفوق البــيولوجي، سار الحزب النازي، وخصـــوصاً بعد وصوله الى السلطة، في برنامج لـ «التخلص» ممن اعتبروا «أدنى»، وبالتالي لمكاثرة «الانسان المتفوق». عُرف ذلك السعي باسم «اليوجينيا» Eugenia.

والمفارقة أن مقولاته لاقت قبولاً واسعاً خارج النازية، وخصوصاً في الولايات المتحدة (تبنت بعض الولايات التعقيم الاجباري و «اليوجينيا») والبلدان الاسكندنافية التي استمرت بعض برامج التعقيم الاجباري فيها الى سبعينات القرن الماضي!


في عشرينات القرن الماضي، كتبت مجلة «مراقبة النسل» العلمية تقول: «الهدف الرئيس من مراقبة الولادات هو إلغاء، أو تحديد الولادات في أوساط العائلات المتخلفة وغير القادرة وراثياً وتشجيع الولادات لدى العائلات المعروفة بقدراتها الذهنية الفائقة. إن الهدف من مراقبة الولادات هو خلق جنس صاف». وفي عام 1940 كتب الدكتور سترودارد، المتخرج في جامعة هارفارد ومدير «جمعية مراقبة النسل»: «إن قانون التعقيم الذي وضعه النازيون يمكّن من التخلّص من الصفات الجينية السيّئة للجنس الجرماني بطرق علمية وإنسانية»!ّ ودعا هذا العالم إلى تهيئة أماكن مخصصة وأراض فلاحية ومساكن لأصحاب الجينات الضعيفة لعزلهم وإجبارهم على العمل وتسخيرهم لمصلحة بقية المجتمع.

صبّ «مشروع السود» الذي أُعدَّ سنة 1939 في الولايات المتحدة في النهج نفسه، وجاء فيه: «إنّ جموع السود خصوصاً في الجنوب تتوالد بوصفة مفجعة ومن دون كابح أو قيد. فزيادة السكان السود تنبع أساساً من القسم الأكثر تخلّفاً فكرياً وأقلّ ذكاء ومقدرة مقارنة بالجنس الأبيض». وتعزى الحماسة لتحسين النسل في الولايات المتحدة إلى المشاعر المعادية للمهاجرين. كان هناك خوف من أن السلالة الأنكلو - سكسونية «الأفضل» آخذة في الاضمحلال. ووفرت حجج تحسين النسل غطاء ملائماً للداعين إلى تقييد الهجرة لأسباب عرقية. وفي سبعينات القرن الماضي، بعد سقوط النازية بعقود، كُشف النقاب عن استمرار البلدان الاسكندنافية، التي تعتبر رمز الديموقراطية والجنة الافتراضية لحقوق المرأة، بسياسة اليوجينيا. وتبيّن أن السويد عقمت 60 ألف شخص بدعوى اصابتهم بأنواع من التخلف الذهني.

وراهناً، لا تتردد الصين الشعبية في الاعلان عن تبنيها سياسة الانتفاء الإرادي للصفات الوراثية، وتفرضه على خُمس نساء الأرض، بموجب تشريعات قانونية! وبررت الحكومة الصينية اعتمادها هذا القانون، بوجود قرابة 51 مليون معوق ومتخلف عقلياً فيها.

يكمن أحد المخاوف الأساسية في صدد «مشروع الجينوم البشري» في أنه ربما أعطى الأساس المطلوب لإجراء مسوح جينية على مستوى الجموعPopulation Genetic Screening ، وخصوصاً الاختبارات الجينية في مرحلة ما قبل الولادة Prenatal Screening التي تمثّل أحد المواضيع الأشد سخونة في نقاشات الحركة النسوية عالمياً.

لكن الفحوص الجينية في مرحلة ما قبل الولادة لا تشتمل الى الآن، الا على التعرف الى الأمراض الوراثية وجنس الجنين. وحتى في هذا النطاق الضيّق، تبدو الأمور مُرعبة. فقد كُشف أخيراً عن التخلص من عشرين مليون وليدة في الهند، في العقدين الأخيرين، لمجرد كونهن إناثاً! ويزيد في قتامة الصورة، ان انتشار التصوير الصوتي للأجنّة «ايكوغرافي» ترافق مع ارتفاع صاروخي في معدلات الاجهاض الارادي في ذلك البلد.

تلك هي فعلية الأمور في الممارسة الطبية، خصوصاً في الغرب حيث أضحت الاستشارة الجينية Genetic Counselling خدمة طبية أساسية. على ان الترجمة العملية لما تكون الوقاية الجينية هو ان تؤدي اختبارات ما قبل الولادة الى التعرّف الى القابليات المرضية في الأجنّة أو في الأمهات والآباء، وبالتالي ربما يعمد البعض الى التخلّص منها.

والمفارقة ان الانتقال الى الفحوص الجينية لمرحلة ما قبل الولادة، يترافق مع دخول الحركة النسوية مرحلة «الجندر» Gender . ولعل أقصر تلخيص للجندر هو انه توجّه فكري - ثقافي لتدقيق المعطيات الحضارية التي تستند الى التمييز بين الجنسين ونقدها، بمعنى القول ان الفارق بين الرجل والمرأة يأتي مما ترسخ في سياق العلاقة التاريخية بين الجنسين، وخصوصاً التمييز ضد المرأة، في اللغة والسلوك والقيم والوظيفة وغيرها.

إذن، أحاط التقدم العلمي الراهن الجينات بهالة سحرية. وتُهدّد الوراثة بتبديد جهد الحركة النسوية، إذ لا يعود لسعيها أي معنى طالما ان كل الأمور هي حصراً في الجينات! الانسان لا يمكن تقليصه الى مجرد جينات وبيولوجيا: هذا أساسي في نظرة الجندر.


الارجح ان التناقض بين الجندر والجينات ولّد حالاً من التشوّش في المفاهيم واختلاط الأمور بين تطرف في التفاؤل حيال العلم، وشدة من التحفظ حيال وجود تنظيم قوي للتحكم في المرأة وانه يستمد من العلم أساساً لهذا التحكم.

وفي شباط (فبراير) 1997 تمكّن العالم البيولوجي الاسكتلندي د. ايان ويلموث، من استيلاد حيوان ثَدييّ (النعجة «دوللي») من طريق غير مألوف، بل لم يشهد له تاريخ التكاثر البيولوجي مثيلاً في الثدييات بل وفي الكائنات البيولوجية العليا كافة. استُنسخت «دوللي» من خلايا الجلد، وباستعمال بويضة الأُنثى، ومن دون اتصال جنسي. ودفع الاستنساخ النقاش في الانسان، وهويته وجسده، الى أُفق لم يكن متوقعاً؛ وخصوصاً النقاش في المرأة، جسداً وكينونة وأمومة. فبعد الحرب العالمية الثانية، كان كثير من الرجال يتوقعون عودة المرأة الى ما كانته قبلها. لكن الأثر العميق والمتأخر للحرب العالمية الثانية؛ وخصوصاً دخول العصر الذري، تضافر مع تطور تقني في العلم البيولوجي: اختراع حبة تنظيم النسل. فكما الاستنساخ لاحقاً، فصلت تلك الحبة بين الجنس والتكاثر. وباتت النساء أكثر تحكماً بأجسادهن، وبالتالي في خياراتهن الحياتية المرتبطة بوظائف جسدية مثل الحمل والانجاب والارضاع. واكب هذا التاريخ تحوّل قضية المرأة صوب مرحلة النسوية التي أساسها المساواة التامة والفعلية مع الرجل. ولم تعد كل امرأة لا شأن لها سوى ان تُعِدّ نفسها لزمن تغدو فيه مُكَرّسَة للإنجاب وحفظ العائلة والمنزل. وكان الحق في الاجهاض معلماً فارقاً في هذه المرحلة ومعاكساً للأمومة المفروضة من الذكور. فقد امتلكت المرأة بعض زمام جسدها وقُدرات إنجابها، فصار دورها الاجتماعي الى التغيّر. ربما الجديد هو ضخامة التطور بل والقفزة الهائلة الحاصلة فيه، وحدوث متغيرات في السياسة والفلسفة، ودخول التطور العلمي مرحلة المعلوماتية، واتجاه القضية النسوية الى مفهوم الجندر. تلك صورة متشابكة تثير الحذر والمخاوف «كمثل انبعاث اليوجينيا تحت مسميات جديدة وتحويل أجساد النساء الى سوق توظيف واستثمار». كما تبعث على التفاؤل اذ تُعطي المرأة مزيداً من التحكّم في جسدها وقدراتها وخياراتها الاجتماعية كمثل حفظ الأجنّة والبويضات. لعل الأثر المتزايد الوطأة للتقدم التقني يفرض نفسه على الحركة النسوية، في معنى ضرورة الغوص في التعرف الى مستجداته وتقنياته وآلياته. حتى لو حَفَز العلم قضية المرأة صوب أفق جديد، فإن شيئاً أو أحداً لن يستطيع الحلول محل نهوض المرأة نفسها في قضيتها، وإلا فستساق الى الكارثي الأسوأ.

يبقى القول ان الإنسان المحوّر جينيّاً بات مشروع القرن الحادي والعشرين ولكن الاستنساخ يعدنا بالحياة الدائمة وقد داعبت هذه الفكرة الكثير من الجبابرة الذين يخافون الموت وهم الذين زرعوه ونشروه حولهم. إنّ وهم الإنسان المُحوَّر جينيّاً بحسب الطلب هو إعلان لسقوط الإنسان كما يبين الكثير من الكتاب.


رؤى الحجيري
"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018