في "ظلّ الظلّ" لبشار خلف، ظلّ

تبدو لك في الوهلة الأولى اللوحات أحجية، متناثرة مواضيعها يربطها خطّ وطن واهٍ. فيها انعاكاس لحالة التّشظّي التي نعيشها الآن. تبدو ربما جزر مشتتة كخريطة أوسلو، غير أنك تدرك جليًا بعد ملاحظة "مفاتيح" الأعمال في جولة مقتضبة أن ما تراه في المعرض، وإن كان تقنيًّا عالي المستوى، ما هو إلا تناصّ وإعادة إنتاج أعمال الفنان سليمان منصور برؤية تكاد تكون تفصيليّة وتحليليّة ضمن نطاق الواقع الحالي.

الاختزالات التي أجراها الفنان بشار خلف في معرضه "ظلّ الظلّ" في جاليري 1 برام الله، أهملت التّكوين الكلاسيكيّ للسطح وجاء بشكل عام تركيزًا للكتلة في الفراغ، قد يكون أسلوبه نحتيّ بسيطرته القوية على الكتلة وتفصيلات الظلّ والنور، وهذا ما ظهر جليًّا في ظلّ عمل سليمان للرجل الطّينيّ. فعلى الرغم من حجم أعمال بشار وقوة تقنيّته، إلا أنها ليست إلا ظلّ لنصّ بصري سابق. فمكان وجود هذا العمل في المعرض، بيّن وكأنّ سليمان يجلس على عرشه يراقب مريده ويحكم عليه، كالحارس جالسًا في خلفية سوداء ينتظر من بشار تقديم الولاء. وإن كانت معالجته البصريّة عالية التّقنيّة والاحتراف التّشريحيّ؛ كان محالًا أن نرى من هو "بشار خلف" الفنان، ولكن نؤكد بالقطع أنه صاحب مهارة عالية وعين دارسة لنظريّات التّشكيل وناقلة مصوّرة بحرفية عالية.

رحلة إلى مراحل سلمان منصور الفنّيّة

ينتقل فينا خلف بترجماته وظلاله لمنصور لمختلف مراحله الفنّيّة، فنرى أنه، وبجانب كلّ لوحة أو مجموعة، قد وضع صورة للوحة معلّمه التي ألقى ظلّها أمامنا بطريقته المتقنة. نرى أن لينا النابلسي قد تلاشت بشخصها وبقي زيّها المدرسيّ حاضرًا ليؤكد أن ما حصل في ذات لوحة، لا يزال يتكرر، بذات الألوان وباختلاف الأسماء. ونراه أيضًا قد شرّح العلم الفلسطينيّ كما حاله الآن من صورة لوحة منصور "طقوس تحت الاحتلال" لنرى نسيجه قد استحال أوشحة لفصائل اتفقت على الهدف العام ونسيت كيف تتفق عليه، فأضاعت الوطن ولا تزال تحاول التّمسك بالبلد ومقاليد حكمها وحصتها من الكعكة الوطنيّة. وضع كلّ لون في خلفية سوداء ساعدت جدًا في إبراز المحتوى وفصله عن محيطه مع المحافظة على الثّيمة للسواد المحيط، ظهر ذكاؤه في تأطير كلّ وشاح بعناصر لتحدده على الزّوايا الأربعة وكأنه يلتقط للفصائل صورًا شخصيّة وزعت ألوان الطقس الوطنيّ في ظلّ احتلال، فآثر الحجم والتّفاصيل للإبهار على حساب المحتوى الذي لم يلمسه ولم يعالج به شيئًا.

حاز الفنان على جائزة الفنان الشاب "اليايا" في العام 2014، وقد غرّه ذلك بإكمال التّجربة وتوسيعها لتصبح معرضًا ناضج الشكل والتّقنيّة. لكنه قزّم نفسه بوضع الفنان فيه كظلّ، خاشعًا مسلّمًا فكره، مؤديًا ما أملاه عليه معلمه باحتراف عالٍ، ما سيجعله يعمل جاهدًا لإثبات ذاته وهويّته الشّخصيّة إن أراد أن يخرج من حيّز "المؤدي" إلى حيّز "المبدع".
 

محتوى قديم بصورٍ جديدة

وخلال مشاركتنا سيجارة أمام مدخل الجاليري مع سليمان منصور، كان تعقيبه على الإنتاج مختزلًا وكثيفًا ملمّحًا بالرضى الذي كان على وجهه ومشيدًا بالإنتاج وطاقة الفنان بشار. فهو رأى بأن هذه الطّريقة قد توصل محتوى أعماله لجيل تربّى على قصص رآها بمحتوى قديم بصورة جديدة، لربما كان هذا مردّه احتفاء شاب بمحاولته إعادة إحياء بعض الأعمال، كأنه يرى في بشار ينبوع الشّباب، ليتجدد فيه لجيل قادم.

لم تكن الأعمال سهلة التّناول بالمجمل دون قراءة النصّ المكتوب لغير مرتادي دور العرض والمتذوقين، لكن من رآها بعين متذوقة وذات خبرة، يرى أن المعرض كان مباشرًا بطروحه، حتى أن بعضًا من اختزاله تجنّى على النّصّ الأصليّ وكان لا يمكن تناول أعمال بشار دون دليل توضيحيّ من اللوحات الأصليّة، فمثلًا رائعة سليمان "جمل المحامل"، التي أصبحت أيقونة للشعب الفلسطينيّ، تلخّص وترسم ما مرّ به هذا الشّعب من عبء تنوء تحته الجبال. جاء بشار تاركًا تفاصيل ما وراء التّشكيل وانقضّ على المزج البصريّ، واختزله برباعيّة حديثة، كان بها محاولة لتغيير "حامل التعب"، فأهمله تمامًا في إحدى اللوحات وترك حذاءً صيفيًا به تجاه حركة جمل منصور.

بامتلاكه تقنياته وألوانه، اختار بشار الطّريق الأسرع للانتشار والتمدّد. فبمشروعه الذي حاز على الجائزة وتاليًا المعرض الفرديّ الذي أنجزه، ربط اسمه كفنان شاب بأحد سدنة الفن التشكيليّ الفلسطينيّ، ممن صوّروا النّضلات كما وقعت وكما لها أن تكون، فعمّد ريشته الغضّة بألوان لها كيانها الكامل المكتمل لأيقونات فلسطينيّة استمرت بالبقاء وتخضّبت بعرق ودم. فبدا وكأن من يرى أعمال بشار دون أن يأخذ بعين اعتباره السّياق الذي أخرج المعرض، يراه وكأنه يتابع نشرات الأخبار ليس إلا، بعيدًا عن تجربة حقيقيّة؛ بل يسمع عنها ويتابعها من وسائل الإعلام المختلفة. فهو فقد في إعادة صياغته وتوزيع إيقاعه الزّخم الذي رأيناه عند منصور وجاء التّركيز لديه في عنصر واحد اقتضب فيه ما كان ينسجه منصور في قصيدة بصرية. فأطال السّرد في زوايا أهملت الجوهر وأخذت الشّكل لتكوّن ظله الهشّ، ما جعل وجود صور لوحات منصور أمرًا ضروريًّا لينقل الحدث الحقيقيّ دون تدخّل.

قد يكون وصف فنان أكبر قليلًا من أداء بشار الآن، لكنه حتمًا سيصله، إن استغرق وقتًا أطول قليلًا في بحث موضوعات معرضه القادم.

معرض "ظلّ الظلّ" لبشار خلف مستمر لغاية 31 آذار (مارس) 2016 في جاليري 1 بمدينة رام الله. 

تعليقات Facebook