على أبواب الجنّة الثّامن: ما قبل وبعد الأصول

من العمل التركيبيّ "إلى كميل ب"، الفنّانة أليس كرايشر

غرفة مخفيّة في الطّابق السّفليّ لصالة العرض في مؤسّسة المعمل للفنّ المعاصر، يقبع فيها عمل أليس كرايشر التركيبيّ تحت عنوان «إلى كميل ب.» (2016). واحد من أجزاء العمل الثلاثة عبارة عن ڤيديو يُبَثّ على أحد الجدران، يظهر فيه خمسة أطفال بأعمار وأطوال مختلفة، يقفون في صفّ واحد، ويغرسون أقدامهم في الرمل. تلفّ أجزاء عدّة من أجسامهم أغلال مختلفة بأشكال متنوّعة، يبدو أنّها صُنِعَت من المعدن والبلاستيك، توصل ما بين الأطفال. في الخلفيّة يجد المشاهد أشخاصًا يسبحون في بركة كبيرة، يستلقي بعضهم على كراسي الشاطئ مسترخين، كلٌّ منشغل بنفسه. الطقس جميل، سماء زرقاء وبضعة غيوم زغبة. فجأة، يسقط الأطفال أرضًا ويترامون فوق بعضهم البعض، يتجمّدون للحظة كأنّهم موتى، ثمّ ينهضون ببطء ويعودون لوضعيّتهم السابقة.

في جزء آخر من هذا العمل التركيبيّ، تتدلّى خمسة أطقم ملابس معلّقة في صفّ واحد على امتداد الحائط إلى يمين الڤيديو. تبدو الملابس وكأنّها ذاتها التي يرتديها الأطفال في الڤيديو، وقد غطّتها تفاصيل غريبة؛ فعلى كلّ منها خِيطَتْ قطعة من أحد الملابس الأخرى، جميعها قطع دائريّة. وثمّة قُصاصات دائريّة الشكل مقصوصة من صور قديمة بالأبيض والأسود، أُلْصِقَت على القماش، بدت هذه القصاصات وكأنّها تصل الملابس ببعضها بطريقة ما.

الجزء الثالث من العمل عبارة عن كتيّب بحجم A3، يحتوي على معلومات وروابط وأفكار وحقائق تاريخيّة تكمّل فكرة العمل التركيبيّ برمّته. تضمّن الكتيّب نصًّا مقتبسًا من "رأس المال" لكارل ماركس. يستهلّ النصّ بـ "في نظريّة ويكفيلد في الاستعمار المُمَنهج، التي يجدر انتقاده عليها، وتحديدًا بعد أن أُثْبِتت في حالة أوروبا الحقيقة المتعلّقة بوعي رأس المال لذاته،" وينتهي بـ "وبنشوتها بآلة الانحطاط المهيبة، فهي لا تفكّر، لا يمكنها أن تفكّر، بالمقاومة الخاطئة في كلّ مكان، في كلّ حبّة قمح، في كلّ ليفة قطن، في الكلّ."

حاولت الفنّانة أليس كرايشر أن تعكس الأزمة الاقتصاديّة التي ضربت أوروبا عقب انهيار وول ستريت عام 2009، من خلال تسليط الضوء على التطلّعات المُجْهَضَة لليسار في اليونان. اختارت كرايشر سرد هذه القصّة مستخدمةً حدثًا تاريخيًّا رُحِّلَ فيه 4000 كومونيّ إلى كاليدونيا الجديدة، في أعقاب كومونة باريس عام 1871، وهي تنتقد بذلك قدر أوروبا الإمبرياليّ الرأسماليّ. مثّل الأطفال الخمسة، في الڤيديو المذكور سابقًا، الكومونيّين، وجسّدت الطريقة التي قُيّدوا فيها، وأسلوب سقوطهم كمن أُعْدِموا للتوّ، سقوط أوروبا خلال أزمة اليورو.

أغنى عرض هذا العمل التركيبيّ في البلدة القديمة في القدس، والتي تمتاز بتاريخها الخاصّ والمعقّد، معاني عمل كرايشر وتأثيره العاطفيّ؛ فمشاهدة الأطفال على الشاشة يسقطون ويستلقون كأنّهم موتى، ورؤية الصور القديمة الملصقة على ملابسهم في قلب مصنع فلسطينيّ قديم في القدس بُني عام 1900، أعادت الكثير من ذكريات النكبة الأليمة. يبثّ المجاز الذي وظّفته كرايشر، إلى جانب موقع العمل، إحساسًا قويًّا يُذكّر برجال فلسطين ونسائها وأطفالها المفقودين، لا سيّما في القدس. ونظرًا إلى استخدام كرايشر لأحداث تاريخيّة في تقديم عملها، فقد كان لرؤيته في مكان يكرّر فيه التاريخ نفسه معنًى أعمق.

يجمع عمل كرايشر، على وجه التحديد، بين فكرة المعرض وبحث قيّمته، ڤيڤيان زيهرل، التي يتفحّص مشروعها الحاليّ «جبهة التخيّلات»، الاستعمار الاستيطانيّ و«ما قبل وبعد الأصول»، وقد خطّ عمل قيّمي المعرض معالم الروابط بين الحداثة والاستعمار والانتماء المناطقيّ.

قُدِّمَت في المعرض أعمال ما يزيد عن ثلاثين فنّانًا وفنّانة، بالإضافة إلى مجموعات تراثيّة مختلفة، في ستّة مواقع في حيّ باب الجديد داخل البلدة القديمة في القدس. تصف زيهرل معرض «ما قبل» في مؤسّسة المعمل بأنّه يمثّل "قوّة السرديّات حول الأصل، بينما تدّعي المواقع المتفرّقة المخصّصة لمعرض ’ما بعد’ رفضًا للانفصال. يخلق هذان الجزآن، معًا، موشورًا يمكن من خلاله تأمّل مشروع العودة المستمرّ وأهمّيّتها العميقة للحالة العالميّة." إلّا أنّ جزء «ما بعد» من المعرض، كان المفترض أن يقام في مركز الشباب الاجتماعيّ في مخيّم شعفاط للّاجئين، لكنّه أُقيمَ، في النهاية، في مطبعة تجاريّة قديمة ومهجورة، وفي مخزن مهجور آخر  إلى جانب المطبعة في حيّ باب الجديد.

لم يكن لفكرة إقامة جُزْئَيّ «ما قبل» و«ما بعد» في موقعين مختلفين، الوقع الذي حاولت القيّمة خلقه، حتّى لو أُقيمَ معرض «ما بعد» في المخيّم، لما كان له أن يعكس بصدق مفهوم الـ «ما بعد»، نظرًا إلى أنّ المخيّمات حلّ مؤقّت للفلسطينيّين المهجّرين الذين فقدوا بيوتهم، أي أنّ المخيّمات في هذه الحالة تكون في الـ "ما بين" أو في "الوسط"، لا في "الما بعد".

بقدر ما كانت فكرة الـ "ما قبل وبعد" مثيرة للاهتمام، إلّا أنّ توزيع الأعمال الفنّيّة لم يكن واضحًا، إذ لم يكن هناك خطّ واضح يصل بين أعمال جميع الفنّانين والفنّانات، الذين استخدموا مشاركة الحالات السياسيّة. في ضوء استمرار هذه الحال في فلسطين، هل يمكن الحديث عن "ما قبل وما بعد الأصول

***

تفاصيل معرض "على أبواب الجنّة الثامن ما قبل وبعد الأصول":

الجهة المنظّمة: مؤسّسة المعمل للفنّ المعاصر، في إطار محفل "قلنديا الدوليّ" 2016.

قيّمة المعرض: فيفهان زيهرل.

موقع المعرض: مؤسّسة المعمل للفنّ المعاصر، وحيّ الباب الجديد في البلدة القديمة - القدس.

الفنّانون المشاركون: بيسان أبو عيشة، جواد المالحي، ريتشارد بيل، بينجي بويادجيان، ميجان كوب، أليس كريشير، جمعيّة دار للتخطيط المعماريّ والفنّيّ، أيمن حلبي، غوردون هوكي، صبا عنّاب، يزن خليلي، ياسر خنجر، مجموعة كارابينغ للأفلام، جمانة منّاع، تشيبومبا كاندا كاتولو، رندا مدّاح، محمّد مغربي، إن جي أو (دونا كوكاما، دينيو سشي بوبابي، جورج مهاشي، سينثمبة طوالو)، توم نيكلسون، كريستيان نيامبتا، رايشل أؤريلي، إليزابيث بوفينالي، رايان برسلي، شذى صفدي، وائل طرابيه، وندلين فان أولندبرغ، ساوانغونغز ياونغاوي، وبمشاركة مجموعة توفيق كنعان للحجب بالتعاون مع جامعة بير زيت ومجموعة جورج الأعمى.

 

رلى خوري

 

وُلِدَت في حيفا، تعمل قيّمة معارض ومؤرّخة وناقدة للفنّ. حازت الماجستير في تاريخ الفنّ من جامعة حيفا عام 2011، وعملت مديرة فنّيّة لمركز خليل السكاكينيّ الثقافيّ عام 2014، كما كانت قيّمة لمعرضي "منام" و"انتفاضة فنّيّة" في محفل "قلنديا الدوليّ" 2014. تعيش خوري، اليوم، في نيويورك، حيث تدرس لنيل ماجستير ثانٍ من أكاديميّة الفنون البصريّة، فـي كتابة النقــد الفنّيّ.

تعليقات Facebook