هكذا رأى العرب إسرائيل في فنّ الكاريكاتير 1987 – 1992

صحيفة الشرق الأوسط، السعوديّة (27/11/1990)

يدّعي عبد الرحمن منيف في كتابه 'الصورة، الإنسان والرواية'، أنّ الإنسان بلا صورة لا وجود له، أي أنّ الصورة متخيّلٌ ما، يعيد بناء الواقع ويرتّب أولويّات الإنسان. ويدّعي رولان بارت أنّ العالم أخرس ولا يتكلّم إلّا عبر اللغة، أي أنّ الأشياء تعجز عن التعبير دون لغة، كما يدّعي أنّ الصورة لا تحمل دلالة إلّا إذا رافقتها اللغة. وبما أنّ الإنسان كائن صوريّ، لا سيّما في زمننا، إذ يتعاطى مع كمّ مهول من الصور والإعلانات والأيقونات، يوميًّا، إلّا أنّ هناك صورًا تحمل رسائل، تُشَكّل وعينا من جديد في كلّ مرّة نراها، فننطلق بهذا الوعي إلى المرئيّ القادم، لنتفاعل مع صور جديدة ومع ما تحفره فينا ومن حولنا.

فنّ جماهيريّ

الكاريكاتير من الفنون التي وظّفت الصورة والكلمة معًا، وقد سُمِّيَ بهذا الاسم انطلاقًا من الكلمة الإيطاليّة 'كاريكير'، أي المبالغة أو 'حمل ما لا يطاق'، وهو يعدّ من أنواع فنّ الرسم الأكثر جذبًا، إذ يقوم على المبالغة من خلال تحريف ملامح الناس الطبيعيّة، أو التضخيم والتصغير في خصائص الشخوص والأشياء وتناول المفارقات. كما يتضمّن، في العادة، حوارًا أو تعليقًا قصيرًا، وأحيانًا يكون بلا نصّ، معتمدًا على المفارقة البصريّة، وهو الأسلوب الذي كان شائعًا في بدايات ظهور هذا الفنّ.

صحيفة الأهالي، مصر (19/7/1990)

يرمي الكاريكاتير إلى نقد ظواهر وحالات نعايشها ونتوقّف عندها، في مختلف المجالات، وتتنوّع أشكال النقد ما بين مجتمعيّ محلّيّ/ داخليّ، وخارجيّ يعالج قضايا كبرى كالاستعمار والرأسماليّة وغيرها. وعلى خلاف المقال الذي يتناول موضوعًا ما، وإن كان ساخرًا ولاذعًا، فإنّ الرسم الكاريكاتيريّ الذي يعبّر عن الموضوع ذاته، مفهوم من الجميع، غالبًا، بصرف النظر عن فئات المتلقّين الاجتماعيّة ومستوياتهم الثقافيّة، لما يميّزه من بساطة في الطرح وعمق في التأثير، الأمر الذي يجعله فنًّا جماهيريًّا/ شعبيًّا. ومن هنا يستمدّ الكاريكاتير قوّته كأداة صحافيّة ساخرة وناقدة في آن، لها في ذلك قدرة تفوق الكتابات الساخرة، مهما كانت لاذعة.

يمتاز الكاريكاتير السياسيّ، وهو الأكثر شيوعًا والأبلغ تأثيرًا من بين أنواع الكاريكاتير الأخرى، بتناوله لحدث سياسيّ مهمّ أو شخصيّة في السلطة، ليثير موضوعًا يشغل الرأي العامّ أو لفت انتباه الأخير إليه.

من الانتفاضة حتّى أوسلو

في هذه المقالة، سنعرض رسومات كاريكاتير سياسيّ من صحف ومجلّات من 13 دولة عربيّة، تناولت القضيّة الفلسطينيّة بين السنوات 1987 – 1992، لنرى كيف وظّف الرسّامون العرب الصورة والكلمة معًا للتعبير عن مواقفهم في ذلك السياق التاريخيّ والسياسيّ.

صحيفة الرأي، الأردنّ (8/8/1990)، ص 24

مصدر الرسومات كتاب 'إسرائيل في عين أعمال الكاريكاتير العرب' (1993)، للباحث الإسرائيليّ يرون جولان. أمّا الدول التي تعود إليها الصحف، فهي: مصر، الأردنّ، سوريا، لبنان، السعوديّة، السودان، المغرب، الجزائر، ليبيا، العراق، الإمارات، البحرين، الكويت.

تتناول الصحف العربيّة في شرق وغرب الوطن العربيّ، بين السنوات 1987 – 1992، عدّة قضايا مركزيّة في فنّها الكاريكاتيريّ؛ انطلاق الانتفاضة الأولى عام 1987، مرورًا بمحادثات 'مدريد' بين الجانبين الإسرائيليّ والفلسطينيّ، ثمّ اتّفاقيّة 'أوسلو' أوائل عام 1991 وسيرورة عمليّة السلام، وصولًا إلى الهجرة اليهوديّة من دول الاتّحاد السوفيتيّ بهدف استيطان فلسطين.

شهدت بداية هذه الفترة خطابًا وطنيًّا على مستوى قمّة الدول العربيّة، والتي كان لها مؤتمر سنويّ عام 1987، ومن بين قراراته: 'التمسّك باسترجاع كافّة الأراضي العربيّة المحتلّة والقدس الشريف كأساس للسلام، وضرورة بناء القوّة الذاتيّة للعرب.' كما دعمت القمّة العربيّة في السنوات اللاحقة الانتفاضة الشعبيّة الفلسطينيّة، وبدأت تنطلق دعوات رسميّة بتطبيق محاكمة مقاطعة إسرائيل.

صحيفة تشرين، سوريا (13/2/1989)

وفي هذه الفترة، أيضًا، وقّع الأردنّ 'اتّفاقيّة لندن' عام 1987 مع إسرائيل، ومن جهة أخرى، وجّه العراق رشقة صواريخ من نوع 'سكود' ضاربًا عمقها، عام 1991.

كيف؟!

عبّر غالبيّة الرسّامين في أكبر الصحف العربيّة، الرسميّة وغير الرسميّة، عن مواقفهم من الهجرة السوفييتيّة، وضرب عمليّة السلام، وزيادة الاستيطان، ودعم الانتفاضة الشعبيّة، وإدانة الموقف الأمريكيّ المتصالح مع إسرائيل، وإدانة قرار الكونغرس باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وإدانة التراجع عن وسم الصهيونيّة بالعنصريّة – القرار رقم 3379، وفضح إسرائيل وسياساتها تجاه العرب؛ وقد صوّرت تلك الرسومات الإسرائيليّين بأنّهم 'أشرار' و'أفاعٍ'.

نسأل أنفسنا: كيف ضجّت الصحافة في الوطن العربيّ بهذا الكمّ من الدعم لفلسطين، ورفض إسرائيل والظلم والاستيطان، وبعدها بفترة وجيزة جدًّا أنجز اتّفاق 'أوسلو' وتغيّرت تعريفات وضوابط العلاقات بين الوطن العربيّ وإسرائيل، من علاقات رفض وعداوة إلى علاقات شبه طبيعيّة، حتّى علاقات مصالح وتجارة وتنسيق أمنيّ؟! هذه نقطة من المهمّ التوقّف عندها. يُذكر أن الصحف المستقلّة أو الحزبيّة في هذه الفترة كانت شحيحة وضعيفة، وأنّ الصحف المركزيّة هي صحف الأنظمة في عواصم الوطن العربيّ كافّة.

صحيفة القادسيّة، العراق (4/3/1990)

 

من سيخنق الفلسطينيّين أكثر؟

اهتمّت الصحف المصريّة، والتي كانت قريبة من النظام، بنقد الدور المصريّ في القضيّة الفلسطينيّة، ووجّهت اتّهامات للإدارة الأمريكيّة بالتواطؤ مع الاحتلال ودعمه، كما انتقدت دول الخليج لاستضافتها القواعد الأمريكيّة، بالإضافة إلى دعم الانتفاضة بشكل واضح وصريح. اهتمّت الصحف المصريّة، كذلك، بهجرة اليهود السوفييت، ووجّهت في رسوماتها نقدًا للقمّة العربيّة، محذّرة من الهجرة وأثرها الخطير على الفلسطينيّين. صوّرت الرسومات، أيضًا، المؤسّسة الصهيونيّة على أنّها وحش يذبح السلام ويشرب الدماء، ويبيد الفلسطينيّين ويكسر عظامهم، ويبني المستوطنات على أرضهم، ولا يأبه بأحد.

تميّزت صحف 'الرأي' و'الدستور' و'صوت الشعب' الأردنيّة بقربها من النظام الحاكم، وقد ركّزت رسوماتها الكاركاتيريّة في تلك الفترة على التناقض الداخليّ في الحكومة الإسرائيليّة بين شامير وبيريس، والسباق بينهما على من سيخنق الفلسطينيّين أكثر؟ بالإضافة إلى إدانة إسرائيل بسبب تعطيل عمليّة السلام. كما شهدت الكاريكاتيرات الأردنيّة دعمًا وتأييدًا للمقاومة الفلسطينيّة في التصدّي للإرهاب الإسرائيليّ.

الصهيونيّة حركة عنصريّة

تميّزت الصحف السعوديّة المقرّبة من النظام والداعمة لأمريكا بخطّ يواجه إسرائيل ويفضحها أمام العالم، بسبب سلوكها الإجراميّ والعنصريّ تجاه الفلسطينيّين.

صحيفة الجماهيريّة، ليبيا (12/10/1990)

انشغلت الصحف الكويتيّة بتصوير الصهاينة على أنّهم أشخاص شرّيرون وأشباح، وأنّ الحركة الصهيونيّة امتداد طبيعيّ للحركة النازيّة أو مكمّلة لها، كما كانت بعض الصور تربط اليهوديّة بالقتل والإجرام بشكل مباشر. كذلك عرضت الصحف الإماراتيّة شكل ونتائج الهجرة السوفيتيّة وأثرها على الفلسطينيّين، وأكّدت على أنّ الحركة الصهيونيّة حركة عنصريّة بعد صدور قرار مجلس الأمم بنزع صفة العنصريّة عنها. كذلك الأمر في الصحف البحرينيّة، حيث لا تختلف رسومها الكاركاتيريّة عن دول الخليج المجاورة.

ضرب الأمن القوميّ العربيّ

كانت الصحف في العراق نظاميّة، وقد عرضت رسوماتها جرائم إسرائيل في العالم، وتحديدًا في أفريقيا. كما عرضت الخطر المحدق بالمنطقة إذا بقيت الحركة الصهيونيّة على أرض فلسطين. تطرّقت الصحف العراقيّة أيضًا إلى نيّة إسرائيل ضرب تفوّقها العلميّ، ومحاولاتها الإطاحة بالنظام وضرب الأمن القوميّ العربيّ، بالإضافة إلى وصفها أنّ مقبرة حقوق الإنسان التي يتغنّى بها الغرب يصنعها الصهاينة في فلسطين.

صحيفة الثرى، سوريا (23/7/1992)، ص 2

اهتمّت رسومات الصحف في المغرب العربيّ برصد محاولات إسرائيل والأمريكيّين سرقة النفط العربيّ والدوس على كرامة العرب، وأظهرت الحركة الصهيونيّة وحشًا قد يفعل أيّ شيء بالفلسطينيّين، كما وسمتها بالنازيّة.

صحيفة المساء، مصر (15/9/1989)، ص 2

 

صحيفة مصر الفتاة، مصر (10/12/1990)، ص 5

 

صحيفة روز اليوسف، مصر (1/4/1991) 

 

صحيفة صوت الشعب، الأردنّ (5/12/1990)

 

صحيفة القدس، الصفحة الأخيرة، الأردنّ (28/12/1987) 

 

صحيفة الرأي، الأردنّ (3/2/1992)

 

صحيفة المدينة، السعوديّة (25/3/1990)

 

صحيفة الندوة، السعوديّة (18/4/1990)

 

صحيفة الوطن، الكويت (1/4/1990)

 

صحيفة القبس، الكويت (6/11/1990)

 

صحيفة صوت الكويت، الكويت (10/11/1992)

 

صحيفة البيان، الإمارات (1/7/1991)

 

صحيفة أخبار الخليج، البحرين (10/11/1990)

 

صحيفة الثرى، سوريا (18/3/1989)

 

صحيفة القادسيّة، العراق (21/5/1990)

 

صحيفة الجمهوريّة، العراق (23/1/1992)

 

صحيفة الاتّحاد الاشتراكيّ، المغرب (7/6/1990)

 

صحيفة الاتّحاد الاشتراكيّ، المغرب (26/10/1991)

 

صحيفة الشعب، الجزائر (23/1/1990)

 

خليل غرّة

 

من مواليد جتّ في المثلّث، فلسطين. خرّيج بكالوريوس الفلسفة والعلوم السياسيّة، ويدرس الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في الجامعة العبريّة في القدس. ينشط في مجال الترجمة ضمن موقع العسّاس، ويهتمّ بالكتابة في الجانب الثقافيّ والاجتماعيّ والسياسيّ في فلسطين.

تعليقات Facebook