تحيا القدس: جسد المدينة وصوتها وصورتها

منى حاطوم: فعل الحاضر، 1996، صابون نابلسيّ وخرز زجاجيّ، 4.5*299*241 سم

في الطريق إلى مبنى المتحف الفلسطينيّ على تلّة هادئة من تلال بيرزيت، تستقبلك توليفة من الأصوات الحادّة المتداخلة التي تكسر صمت المكان. 'غزّة، غزّة، غزّة'، صاح أحد تلك الأصوات، ثمّ تبعته أصوات أخرى مقترحة وجهات مختلفة كبيروت، ودمشق، وبغداد، تصدر كلّها عن مكبّرات صوت مثبّتة في مرآب السيّارات الخاصّ بالمتحف. كان هذا أوّل عمل واجهته في معرض 'تحيا القدس'.

ما كان فضاءً سلسًا

هذا العرض الصوتيّ للفنّانة إميلي جاسر، من دون عنوان 'سيرفيس'، وقد جهّزته الفنّانة مسبقًا عند باب العمود، إذ نصبته بداية الطريق المؤدّية من القدس إلى نابلس، ومنها إلى دمشق، أو بيروت، أو غيرها من المدن العربيّة، وكذلك مراكز المدن الفلسطينيّة، كاللدّ وحيفا. كان باب العمود المكان الذي يبحث فيه سائقو الأجرة عن ركّابهم، من خلال هتافهم بأسماء مدن وجهتهم.

عاهد ازحيمان: الطوق، 2017، طباعة كروموجينيك، 100*1960 سم | عدسة حمّودة طراد

من دون عنوان 'سيرفيس'، يستحضر ما كان يومًا فضاء سلسًا للحركة والتواصل، ويظهر التفاعل القويّ في المشهد المدينيّ الشاسع، في مقارنة صارخة مع واقع المدينة الحاليّ، إذ فقدت تواصلها وتشابكها مع المدن حولها، ما ترك أثره في النسيج الاجتماعيّ المدنيّ في ظلّ احتلال مدمّر.

48 فنّانًا

باستخدام مزيج رائع من الأعمال الفنّيّة التقليديّة والمعاصرة، التي تشتمل على الصوتيّات، والبصريّات، وصولًا إلى المنحوتات المنتشرة في فضاء المتحف الخارجيّ، يختبر الفنّانون ظروفًا وآفاقًا جديدة لطرح رؤاهم المتخيّلة والمجرّدة في آن معًا عن القدس، ضمن معرض تشكّل على مدار تسعة شهور من عمل قيّمة المعرض، ريم فضّة، وفريقها الكبير، الذين بذلوا جهدًا ضخمًا في جمع أعمال فنّيّة لـ 48 فنّانًا فلسطينيًّا، وعربيًّا، وعالميًّا، تتوافق مع التصوّر المقترح للشكل الذي يجب أن يكون المعرض عليه.

يبدأ المعرض من داخل مبنى المتحف، حيث نجد غرفًا كبيرة متداخلة تقدّم عروضًا ملوّنة لصورة القدس في الإعلام والثقافات المختلفة، بالإضافة إلى نماذج وأشكال لقبّة الصخرة صنعها أسرى فلسطينيّون في سجون الاحتلال، وكذلك مقصوصات من الجرائد تشير إلى حقب زمنيّة بارزة في التاريخ الفلسطينيّ.

آذار جبر: حجر - العمل 15، 2017، حجر فلسطينيّ، 70*70*200 سم |عدسة حمّودة طراد

 

نحو فكرة واحدة

وعلى جزء من أرضيّة إحدى الغرف، نجد عملًا للفنّانة الفلسطينيّة منى حاطوم، بعنوان 'فعل الحاضر'، استخدمت فيه صابونًا نابلسيًّا وخرزًا زجاجيًّا لعرض خارطة فلسطين بعد أوسلو. وفي غرفة أخرى غير بعيدة، يجد الزوّار أنفسهم محاطين بصور بانوراميّة كبيرة للمستوطنات الإسرائيليّة التي تحيط بالقدس، تغطّي جدران الغرفة الأربعة، وهو عمل خاصّ للمصوّر عاهد ازحيمان.

ولا يكاد يخلو جدار ولا غرفة في المعرض الداخليّ من شاشة، أو بوستر، أو جهاز لوحيّ، أو مكتبة قديمة نادرة، تهدف كلّها إلى توجيه سمع الزائر، وبصره وخياله، نحو فكرة واحدة: القدس.

وقائع على الأرض

أمّا خارج المتحف، فتقدّم الحديقة الواسعة المنحدرة فضاء مناسبًا لعرض 18 عملًا أعدّت خصّيصًا للمتحف. من أهمّ هذه الأعمال نجد إبداع آذار جابر، 'جدر'، الذي استخدم فيه حجرًا بطول مترين، جلبه من القدس، يدعو الزوّار إلى التفاعل معه بلمسه، أو الجلوس في الفجوة الواسعة داخله، أو حتّى الكتابة عليه. يمثّل هذا العمل التناقض الذي يظهر في تعامل الناس مع الحجارة في القدس، فحين تترك مكانًا مقدّسًا كالمسجد أو الكنيسة، تجد الحجارة نفسها في الشوارع، والمنازل، والجدران، لكن بدلًا من العناية بها تلوّث!

بوب غرامسما: وقائع على الأرض، 2017، إسمنت، تدعيم معدنيّ، تراب،
200*800*1850 سم | عدسة زياد طراد

وثمّة أيضًا العمل الهائل للفنّان السويسريّ بوب غرامسما، 'وقائع على الأرض'، وهو مبنيّ على أساس التفريغ الفضائيّ، إذ خلق الفنّان ركامًا ثمّ حفر فيه، ليملأ الفراغ لاحقًا بالإسمنت، صانعًا قالبًا لهذا الفراغ.

يقدّم العنوان رؤية واضحة لما يحصل على الأرض، مذكّرا بالصناعة والحرب، وفورة العقارات على مساحات الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، والحواجز، ونقاط التفتيش، والشوارع، وتدعو المنحوتة الزوّار إلى المشي عليها.

مُقَفَّص

وقريبًا من هذا العمل، نجد إبداعًا مختلفًا للفنّانين التايوانيّين، رايين وو وأريك تشين، بعنوان 'عتبة الكينونة'، وهو بناء مرفوع يظهر كأنّه حائط أو جسر بين خطّين من الشجر المثمر. مبنيًّا من حديد مزنّك وحجارة مقدسيّة، ومحاطًا بسور، يبدو العمل كأنّه سجين، مشيرًا في الوقت ذاته إلى إمكانيّتي الولوج والانفصال. لهذا العمل علاقة خاصّة في حاضرنا مع الجدران والبوّابات التي تفصل بين الناس، وتمنع الاتّصال بالأرض، جاعلة من التقسيم تطبيعًا جديدًا.

وفي أسفل الحديقة، يلفت الانتباه عمل جميل للفنّانة فيرا تماري، بعنوان 'المنزل'، وهو تجهيز مشتقّ من التجارب والذكريّات الخاصّة بالفنّانة، إذ تستذكر تعرّجات السلالم في المنازل الفلسطينيّة في القدس القديمة، الفضاء الذي لطالما كان مشتركًا مع الجيران وسكّان الحيّ. اليوم، هذه المنازل وسلالمها موضوعة في أقفاص كتدبير أمنيّ يحرص على فرضه المستوطنون الذين يحاصرون الفلسطينيّين في عقر دورهم. بكلمات الفنّانة: هذا العمل ينتفض ويتحدّى الاستعمار 'المقفّص' لمنازل القدس.

فيرا تماري: المنزل، 2017، بليكسيغلاس، حديد، شبك معدنيّ، 275*275*275 سم | عدسة زياد طراد

 

مقاطع

يرتكز المعرض على أربعة مقاطع، يتناول المقطع الأوّل، وهو الجانب المركزيّ منه، العولمة وآثارها وقيودها في مدينة القدس، من الناحية السياسيّة، والاقتصاديّة، والعسكريّة، والدينيّة، والثقافيّة. ويرتكز هذا المقطع على موادّ بحثيّة معروضة بصريًّا وصوتيًّا، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الأعمال الفنّيّة لفنّانين فلسطينيّين.

أمّا المقطع الثاني فيشمل عرضًا لمجموعة أعمال فنّيّة، فلسطينيّة وعربيّة وعالميّة، أُنتجت خصّيصًا لعرضها في حدائق المتحف.

ويهدف البرنامج العامّ في المقطع الثالث إلى تطوير قدرات المؤسّسات الأهليّة الفلسطينية. أمّا المقطع الرابع والأخير، فيركّز على إنتاج المعرفة من خلال إصدار كتالوج يضمّ جزءًا خاصًّا يتناول حياة بعض أهمّ الشخصيّات المقدسيّة، بالشراكة مع مجلّة 'حوليّات القدس'. وينفّذ كذلك برامج تعليميّة تهدف إلى إشراك الفئات المستهدفة في مقطعي المعرض الأوّل والثاني، بصفتهم أفرادًا حاضرين في صياغة المشهد بجوانبه المختلفة في مدينة القدس.

صرخة ثقافيّة

تؤكّد رئيسة لجنة المتحف الفلسطينيّ، زينة جرادة، على أنّ الفكرة الرئيسيّة من المعرض إلقاء الضوء على حاضر القدس، وماضيها، ومستقبلها، وهي المشتبكة أبدًا على المستويات الحضاريّة والثقافيّة كافّة. وتقول إنّه يأتي ضمن رؤيا المتحف الفلسطينيّ لخلق ثقافة وطنيّة نابضة بالحياة، تكون حاضرة وطنيًّا وعالميًّا'، وتضيف: 'صُمّم المتحف ليكون مؤسّسة عابرة للحدود الجغرافيّة والسياسيّة، في مساحة قائمة على التواصل الحضاريّ في أشكاله الأكثر سموًّا، الإبداع والفنّ'.

راين وو وأَريك تشين: عتبة الكينونة، 2017، حديد مطليّ بالزّنك، حجر مقدسيّ، خشب،
500*300*1200 سم | عدسة زياد طراد

ومن جهة أخرى، أشار  عضو لجنة المتحف، ممدوح العكر، في تصريحاته للصحافة، إلى أنّ ما حدث في القدس من مقاومة أسطوريّة تستلزم فعلًا ثقافيًّا وإبداعيًّا موازيًا. ووصف معرض 'تحيا القدس' بـ 'صرخة ثقافيّة تخاطب القدس من خلالها العالم، وهي المدينة التي تكتسب ما لم تكتسبه مدينة أخرى من العالميّة، لتصبح محطّ أنظار العالم، ومحطّ قلوب الشعب الفلسطينيّ'.

وأضاف العكر: 'هذه الصرخة تخاطب العالم لتذكّره أنّ القدس مدينة السلام وملتقى الحضارات، ولا أقول تعايش الأديان السماويّة كلّها فقط، باستثناء الحقب التي وطئتها أقدام الغزاة والمستعمرين المحتلّين. إنّها صرخة صمود القدس، ومعاناتها، وعذاباتها، وصرخة الحرّيّة، واحترام التعدّديّة، وروح التسامح، ورفض نزعات التعصّب، والكراهية، والاستحواذ، والاحتكار، وإقصاء الآخر. ورفض الاحتلال الذي يحمل ريحه السوداء الملوّثة بنزعات الهيمنة والإقصاء منذ خمسين عامًا إليها'.

مشاركون وداعمون

يشارك في معرض 'تحيا القدس' كلّ من الفنّانين الفلسطينيّين: إبراهيم نوباني، إميلي جاسر، إيناس ياسين، بشير مخّول، بيسان أبو عيشة، تيسير بركات، خالد جرّار، خالد حوراني، خليل حلبي، خليل رباح، خليل ريّان، دينيس صبح، روان أبو رحمة، باسل عبّاس، رولا حلواني، رؤوف حاج يحيى، سامية حلبي، سليمان منصور، سميرة بدران، عاهد ازحيمان، عبد الحيّ مسلّم، فلاديمير تماري، فيرا تماري، كمال بلاطة، مروة جبارة، مقاطعة، مهنّد يعقوبي، منى حاطوم، ناجي العلي، ناهد عوّاد، نبيل عناني، نداء سنّقرط، يزن خليلي، Visualizing Palestine.

ملصقات من المعرض الدخليّ

أمّا الفنّانون العرب والعالميّون المشاركون: آذار جبر (العراق/ هولندا)، إيمان عيسى (مصر)، سلطان عبد العزيز آل سعود (السعوديّة)، محمّد كاظم (الإمارات)، أدريان فيلار روجاس (الأرجنتين)، أوسكار ميرلو (كولومبيا)، بوب جرامسما (سويسرا)، رين وي وأيرك شين (تايوان)، سودارشان شيتي (الهند)، سيمون بطون (فرنسا)، ماريا تيريزا آلفيز (البرازيل)، CAMP.

ويأتي معرض 'تحيا القدس' بدعم من عدد من المؤسّسات المانحة، المحلّيّة والعربيّة، والأفراد: الدكتور نبيل هاني القدّومي، وسامر سعيد الخوري، ولؤي شفيق خوري، وسهيل حسيب صبّاغ، والصندوق العربيّ للإنماء الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وبنك فلسطين، ومؤسّسة الأصفري، ومراكز ثقافيّة ومجتمعيّة أخرى.

ومن الجدير بالذكر أنّ المتحف سيستمرّ باستقبال زوّار المعرض، من دون قيد أو شرط، حتّى منتصف الشهر الأخير من عام 2017. وذلك يوميًّا، عدا العطل الرسميّة، من العاشرة صباحًا إلى الثامنة مساءً. ثمّ ستُنقل أعمال المعرض إلى مختلف أنحاء العالم، إذ ستُعمّم على العديد من المحافل الثقافيّة الدوليّة.

 

عمر زيادة

 

شاعر ومترجم من مواليد نابلس عام 1987. حاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في اللغويّات التطبيقيّة والترجمة من جامعة النجاح الوطنيّة. يعمل مترجمًا في اتّحاد الكتّاب الفلسطينيّ. له مجموعة شعريّة بعنوان 'كلاب عمياء في نزهة' (2017)، صادرة عن الدار الأهليّة للنشر والتوزيع، بتوصية من لجنة تحكيم 'جائزة الكاتب الشابّ' لعام 2015، التابعة لمؤسّسة عبد المحسن القطّان.

 

 

تعليقات Facebook