في مرمى القنّاصة: بالإبداع يقاومون على حدود القطاع

مشاركات في سلسلة قراءة ضمن مسيرات العودة الكبرى

 

تزامنًا مع مسيرات العودة الكبرى الممتدّة على حدود قطاع غزّة مع إسرائيل، مطالبة بتطبيق حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين، تبرز ملامح إبداعيّة عديدة، كالأغاني، والرقص، والرسم، بصفتها شكلًا من أشكال المقاومة.

وفي مرمى القنّاصة، تفاعل الفلسطينيّون على نحو كبير مع تلك الأشكال الثقافيّة، معبّرين عن رفضهم للاحتلال الذي ما زال يمنعهم من عودتهم إلى ديارهم التي هجّروا منها خلال نكبة عام 1948، والذي يحاصرهم تمامًا منذ 10 سنوات.

 

الفنّانة ريهام العماوي خلال إنجازها لوحة للشهيد الصحافيّ ياسر مرتجى

 

وتساهم هذه الأنشطة في التأكيد على الطابع الشعبيّ والسلميّ الذي اتّخذه المتظاهرون نهجًا لهم، منذ انطلاقهم في فعلهم الاحتجاجيّ قبل أكثر من ثلاثة أسابيع، بالتزامن مع الذكرى الـ 42 ليوم الأرض، وصولًا إلى الذكرى الـ 70 للنكبة، ومع ذلك، فإنّهم، لم يكونوا في منأى عن رصاص جنود الاحتلال.

لوحة لمرتجى

آثرت الفنّانة التشكيليّة ريهام العماوي، أن تشارك المتظاهرين، شرق محافظة رفح، بريشتها وألوانها، معبّرة عن مشاعرها الوطنيّة، في الوقت الذي كان المتظاهرون يشعلون الإطارات ويلقون الحجارة على جنود الاحتلال.

وجسّدت العماوي، الأحد الماضي، لوحة داكنة للشهيد المصوّر الصحافيّ ياسر مرتجى، الذي قتله الإسرائيليّون خلال الجمعة الثانية من التظاهر، وهو يحمل كاميرته. وقالت إنّ هذه المرّة الأولى التي تكون فيها على الحدود مع المتظاهرين، وإنّها، بصفتها فنّانة تشكيليّة تحمل رسالة، لا بدّ لها من إيصال صوتها، فكانت اللوحة التي أهدتها إلى روح مرتجى.

 

جداريّة أنجزتها مجموعة من الفنّانات الغزّيّات

 

إلى جانب الفنّانة العماوي، شاركت فنّانات أخريات في رسم جداريّات لتجسيد حقّ العودة، فضلًا عن تلوين الخيام التي أقامتها الهيئة الإداريّة العليا لمسيرات العودة. وقالت إحدى الفنّانات، وتُدعى سمر، بعد أن انتهت من تزيين إحدى الخيام، شرق مدينة غزّة، برسومات للقدس وخارطة فلسطين: "هذه الرسومات متأصّلة في كلّ شخص فلسطينيّ لديه حسّ وطنيّ (...) عندما نجسّد رسومات القدس، والأقصى، ومفتاح العودة، يتجدّد لدى الكثير منّا الشغف والأمل بالعودة إلى الديار التي هُجّرنا منها قبل 70 عامًا".

جمعة الكوشوك

أمّا فنّان الهيب هوب، إبراهيم غنيم، فقد اختار أن ينتج أغنية خاصّة بمسيرات العودة الكبرى، صوّر الكليب الخاصّ بها من قلب أحداثها، مدّته دقيقتان تقريبًا، تحت عنوان: "كوتشوك: مشاهد حيّة أثناء جمعة الكوتشوك"، وقد أهداه إلى الشهيد ياسر مرتجى أيضًا. ويشتمل الكليب على لقطات تصوّر احتشاد الآلاف على الشريط الحدوديّ، وإشعال الإطارات، وسقوط برصاص جنود الاحتلال.

وممّا جاء في كلمات الأغنية: "مين اللّي بدا، احتلّ وعادى، بفكّر الدمّ يمكن يروح سدى، واقف بمكان، إلي من زمان، رسملي خطّ وهمي بشوفوش أمان، كان طاير حمام، بنادي بعودة، فتخبّى وعملّي غاز وضباب، يوم الأرض نادى، لبّينا الندا، ما همّ القنّاصة بتصيد الشباب، بتحدّى النيران، دخان الكوشوك، أنا طارق عنان، مشونا ومشوك، أنا عائد لأرضي، أنا خالع الشوك".

 

 

"جسدي سلاحًا"

أمّا الناشطة إيمان درويش، فقد نظّمت سلسلة قراءة على حدود القطاع، ردّة فعل منها على وصف جانب من الصحافة العالميّة لمسيرات العودة بأنّها "عبثيّة وفوضويّة"، وقالت: "هذه الفكرة جاءت ردًّا على وصف تحرّكنا بالعبثيّ، وللدلالة على أنّ الشعب الفلسطينيّ صاحب قضيّة عادلة، وأنّه مجتمع مثقّف وواعٍ، ومؤمن بحقّ عودته".

وأضافت درويش، وهي تشارك عشرات الشباب في الجلوس أرضًا لمطالعة الكتب التي بين أيديهم: "هذه السلسلة البشريّة جاءت لإيصال رسالة للاحتلال وحلفائه بأنّنا شعب يملك علمًا وثقافة واسعين، وهو قادر على استعادة حقّه وتقرير مصيره".

 

جانب من حلقات القراءة

 

وقال شابّ آخر يحمل كتاب "جسدي سلاحًا"، للكاتب كريستوفر رويتر، "إنّنا مؤمنون بحقّنا في هذه الأرض، ومن دون وعي وثقافة لن نكون قادرين على استعادته".

بسمة

ولم يأبه المهرّج الفلسطينيّ، علاء مقدام، الملقّب بـ "النورس الحزين"، بالرصاص الذي يطلقه الجنود صوب المتظاهرين، حيث شارك الأطفال في خيام العودة، محاولًا رسمة البسمة على شفاههم. وقال مقدام، وهو أحد أعضاء "مدرسة السيرك" الوحيدة في غزّة: "جئت لأعطي طاقة إيجابيّة للحاضرين في خيام العودة، حتّى لا يشعروا بالملل، بالإضافة إلى أنّ ما نقوم به رسالة تحدّ للرصاص وقنابل الغاز التي يطلقها جيش الاحتلال على الخيام".

ويسعى المهرّج، جاهدًا، لإشغال الأطفال وإبعادهم عن نقاط التماس مع الاحتلال، في محاولة ذكيّة منه للنأي بهم عن مواطن الخطر، وذلك اعتمادًا على المسابقات والركض خلف البالونات، مشيرًا إلى أهمّيّة تعزيز قيم الحياة والحبّ والسلام عند الأطفال الذين يعانون من جرّاء الحروب والحصار.

 

مهرّج يرسم بسمة على وجوه الأطفال

 

دِحِّيَّة

ولم تخل خيام العودة، المقامة في خمس نقاط رئيسيّة على حدود القطاع، من ليالي السمر التي يقيمها المتظاهرون بشكل يوميّ، ولا سيّما شرق محافظة خانيونس، وتُعَدّ رقصة الدِّحِّيَّة درّة تاج هذه الليالي، بصفتها إحدى الموروثات البدويّة القديمة التي يحاول المشاركون إحياءها.

ويُعرف تاريخيًّا أنّ الدِّحِيَّةَ كانت تمارس قبل المعارك لإثارة الحماسة بين أفراد القبيلة، ثمّ لوصف تلك المعارك وما دار خلالها من بطولات وأفعال خاصّة. أمّا الآن، فيمارسها المتظاهرون ابتهاجًا بإحياء حقّ العودة، الذي ترمي "صفقة القرن" إلى تقويضه وإلغائه.

استهلّ الفنّان أحمد عبد الهادي، من سكّان محافظة خانيونس، أهزوجته في رقصة الدِّحِيَّة بالقول: "يا أبو عقال وطاقيّة، لوّح وادبك ع الدِّحِيِّة، وشوف غزّة وهي بتحمي القضيّة".

 

 

وقال عبد الهادي إنّ الأداء الاستعراضيّ المقدّم يعكس رسالة سامية للعالم، وهي أنّ الشعب الفلسطينيّ توّاق للحياة وللحرّيّة، ويستحقّ دائمًا الأفضل، مبيّنًا أنّ الكلمات الغنائيّة الخاصّة بالدِّحِيِّة، تبثّ روح الانتماء للوطن والقضيّة الفلسطينيّة، وتعزّز من حقّ عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هُجّروا منها.

ويضفي المتظاهرون جوًّا مبهجًا على فعاليّات مسيرات العودة الكبرى، وهي في غالبها جهود فرديّة ينظّمها المشاركون من أجل التخفيف من وطأة حالة الاشتباك مع جنود الاحتلال، التي أسفرت حتّى اللحظة عن استشهاد 32 مواطنًا وإصابة نحو ثلاثة آلاف آخرين.

"صول باند"

يُذكر أنّ اختيار فنّانين للشريط الحدوديّ موقعًا لتقديم إبداعهم، مظهر عرفه الغزّيّون قبل انطلاق مسيرات العودة الكبرى، ومن ذلك، مثلًا، العرض الموسيقيّ الذي قدّمته فرقة "صول باند" الموسيقيّة الشبابيّة لدى ما يُعرف بـ "ناحل عوز"، خلال شباط (فبراير) الماضي، نصرةً للقدس وتضامنًا مع الأسيرة عهد التميمي، فعزف أعضاؤها نشيد "موطني"، كما قدّموا أغاني وطنيّة أخرى ألهبت حماس المعتصمين.

"صول باند" خلال حفل على الشريط الحدوديّ

 

ويحضر أعضاء الفرقة في فعاليّات مسيرات العودة الكبرى الحاليّة، ويعزفون بين المتظاهرين ولدى الخيام. وقد قال المغنّي حمادة نصر الله: "الفنّ رسالة، وأقلّ ما يمكن أن يقدّمه الفنّان لقضيّته مناصرتها بفنّه وموهبته"، مشيرًا إلى أنّ مسيرات العودة تستحقّ تكاثف جميع الجهود من أجل حشد التأييد لحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين وإعادته إلى الواجهة.

وأوضح نصر الله، وهو يلفّ عنقه بالكوفيّة الفلسطينيّة، أنّ ‏"كلًّا منّا يقاوم بطريقته الخاصّة على الحدود الشرقيّة لقطاع غزّة، في محاولة لرسم صورة وطنيّة فنّيّة مشرّفة للمطالبة بتنفيذ حقّ العودة".

 

فادي الحسني

 

إعلاميّ من قطاع غزّة. يعمل في مجال الاستقصاء الصحافيّ، وقد صدر له "إعلاميّون منهجيّون في كشف الحقائق". حاصل على عدّة جوائز إعلاميّة، من بينها المركز الثاني على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جائزة التحقيق الاستقصائيّ (2013)، وجائزة فلسطين للإبداع الشبابيّ – فئة الكتابة الصحافيّة (2012). يرأس تجمّع قرطبة الثقافيّ في غزّة

 

 

تعليقات Facebook