المدينة رواية، والمباني الفريدة شعر

المدخل الرئيسيّ لمبنى مؤسّسة عبد المحسن القطّان الجديد

 

يشكّل افتتاح المبنى الجديد لمؤسّسة عبد المحسن القطّان في رام الله، حدثًا استثنائيًّا وضخمًا على مستوى العمل الثقافيّ والتربويّ والمجتمعيّ في فلسطين التاريخيّة، ويبشّر بالخير على مستوى تثبيت المشاريع الفلسطينيّة الجامعة في الوطن وخارجه، وعلى مستوى تحوّل المؤسّسة إلى جهة إنتاجيّة أيضًا.

 

خارج نوايا البهرجة

عند الدخول أوّل مرّة إلى المبنى الجديد لمؤسّسة عبد المحسن القطّان في حيّ الطيرة برام الله، تذكّرت ما كنت قرأته في مكان ما، وأنا أنتشل الاقتباس الآن من الذاكرة الانتقائيّة: اللغة خطاب الذات الفرديّة، أمّا المباني فهي اللغة البشريّة الجامعة: اللبنات الأحرف؛ العمدان و"العَرَقات" مبادئ الإنشاء؛ المبنى جملة كاملة؛ المدينة رواية؛ المباني الفريدة شعر.

 

 

ما يجعل هذا المبنى الجديد عمارة فريدة على حدود الشعر، ليس كِبره ومحيطه، فهو ليس بالضخم العملاق نسبيًّا، ولا أنواع الرخام الآتية من جبال بعيدة، أو ندرة السجّاد الوثير؛ إنّها القدرة الكبيرة على ترجمة المقاصد من وراء المبنى إلى مساحات جديدة وذكيّة تخدم الرؤيا العامّة الخاصّة به، وتتحوّل إلى مادّة حقيقيّة ملموسة تخدم المخطّطات والغايات، بإشراف وريادة المعماريّ الإشبيليّ الشابّ، دونيير أركيكيتس. لذلك، هو مبنًى "وظيفيّ" في ماهيّته، متواضع نسبيًّا، لا يجرح النظر ولا البيئة المحيطة، وصُمّم خارج نوايا البهرجة، حتّى أنّه ينزع في بعض زواياه نحو تخوم البرودة الحداثيّة.

مع هذا، فهو مبنى جميل ومريح جدًّا، يمدّك باتّساع النظر حين تدخله، ولا يمنع عنك الشمس أينما توجّهت. بناء "أخضر" متميّز، يقوم على مبدأ التعايش مع الحرارة والبرودة والرياح في المنطقة العينيّة، ويعطي الزائرين فرصة أن يكون في مساحة بينيّة وسطى: يمكنك أن تدخل عبر المدخل الرئيس الكبير وأن تبقى خارج المبنى المغلق في الساحة الكبيرة، أو أن تجلس في المطعم، مكتسبًا مساحة جميلة تجعل من المكوث في الموقع أمرًا قريبًا من القلب. مكان يوحي لك فور الدخول إليه بالراحة والطمأنينة؛ لا يحاول أن يبهرك، أو يشعرك بالعجز، أو الصِّغَر، كما تفعل المباني "الكبيرة"، بل على العكس تمامًا.

 

 

هذا مبنى يمنح الماكث فيه شعورًا بأنّه موجود في بيت كبير، فيه غرف لكلّ شيء، وصالة دافئة للجلسات العائليّة. من هذه الناحية، يشكّل المبنى عملًا ضخمًا ومدروسًا واستثنائيًّا، على مستوى فلسطين وغيرها.

 

فرد حرّ... مجتمع حرّ

في حفل الافتتاح، تحدّث رئيس مجلس الأمناء، عمر القطّان، عن كون المبنى الجديد "بيتًا مضيافًا"، وهو كذلك بالفعل، لكنّه يسعى لأن يكون، أيضًا، "مثالًا حيًا على إنتاج فرد حرّ يبني المجتمع الحرّ". هذه مقولة صعبة التحقيق والمنال، خصوصًا في مجتمعاتنا التي تتّسم غالبًا وبكثافة بالنهضات المعاقة و"النّفَس القصير". إلّا أن مؤسّسة "عبد المحسن القطان" تحمل في جعبتها "فواتير ووصولات" تثبت أنّها فعلت ذلك حتى الآن، بإصرار ومهنيّة عالييْن، وهي تحمل إنجازًا متفرّدًا لا ثاني له في حياة الفلسطينيين قاطبة: إنها المشروع المعاصر الوحيد الذي أعرفه الذي يعمل وفق خطة مدروسة وعلميّة ليكون مشروعًا جامعًا لكلّ الفلسطينيّن في العالم.

أنا أتذكّر الآن أوّل محادثة أجريتها مع عمر القطّان عام 2001؛ كانت تلك أوّل سنة لإجراء مسابقة الكاتب الشابّ التي تنظّمها المؤسّسة منذ ذلك الحين، وقرّرت لجنة التحكيم أن تمنح روايتي الأولى، "السيرك"، الجائزة الثانية، وأن تحجب الجائزة الأولى. وبنزق وتهوّر وتغطرس الكاتب الشاب الذي كنته وقتها، بعثت رسالة إلى المؤسّسة بأنّني لن أتسلم الجائزة، وأحتجّ على قرار اللجنة. اتّصل بي عمر وقتها، وكانت محادثة لطيفة خلاصتها ما قاله ببساطة قاطعة: "نحن لا نتدخّل في عمل اللجان المهنيّة". كان هذا غريبًا عليّ وقتها: أنتم المموّلون وأصحاب المؤسّسة ولا تتدخّلون في قرارات اللجان؟ غريب!

 

 

في ترقّب

هذه الحادثة البسيطة توجز ما تفعله هذه المؤسّسة في المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ، من ناحية تشجيع وتحفيز التميّز، بهمّة عالية ومن دون مهادنة. والشرح الذي قدّمه مدير عام المؤسّسة، زياد خلف، لما كان ولما سيأتي، يثبّت هذا الأمر بوضوح: "مكتبة ليلى مقدادي القطّان في المبنى الجديد، التي تناهز مجموعتها 30 ألف كتاب في التربية، والثقافة، والعلوم الاجتماعيّة، وجاليري لعرض الأعمال الفنّيّة البصريّة، ومسرح يتّسع لـ 112 شخصًا، تُقدّم فيه عروض أدائيّة مسرحيّة وموسيقيّة متنوّعة، بالإضافة إلى عروض أفلام وأمسيات أدبيّة ومحاضرات، وأستوديو للفنون الأدائيّة، وآخر للفنون البصريّة، علاوة على شقّتين صُمّمتا لاستضافة فنّانين وكتّاب وخبراء من الخارج ومن فلسطين، وقاعة مؤتمرات وندوات وورش عمل تتّسع لحوالي 300 شخص، إلى جانب الفضاءات المفتوحة، من شرفات وحدائق تنتظم فيها فعاليّات ثقافيّة وفنّيّة وتربويّة في الهواء الطلق".

ونحن في ترقّب الآن لمتابعة انتقال هذه المؤسّسة العريقة من كونها مؤسّسة داعمة للنشاطات، إلى مؤسّسة داعمة ومنتجة بنفسها، ضمن خطّة كبيرة للإنتاج والعمل المستقبليّ.

 

 

نظرة باطنيّة

ولعلّ من أكثر الأمور توفيقًا وإتقانًا في افتتاح المبنى الجديد، المعرض الفنّيّ الذي جاء ليحتفي بهذه المناسبة، تحت إشراف القيّم يزيد عناني. الصراحة أنّني توجّست ريبة وتخوّفًا وتشكيكًا حين قرأت الدعوة لتقديم الأعمال الفنّيّة للمعرض قبل شهور طويلة، إذ بدت غامضة بعض الشيء، وتذكّر بالمحافل الأكاديميّة العقيمة، التي يحتفي فيها 17 شخصًا في ما بينهم بنصوص وكتابات لن يقرأها غيرهم، لكنّ الناتج ممتاز وغنيّ ومتفرّد. المعرض يحوي عشرات الأعمال لفنّانين فلسطينيّين ومن خارج فلسطين التاريخيّة، وهو يسعى "لعرض أسئلة حول القضايا المعاصرة المتعلّقة بالأمم والمجتمعات والهيكليّات السياسيّة، إضافة إلى النيوليبراليّة"، كما كتب عناني في مقدّمة الكتاب المرافق للمعرض.

وكتاب المعرض تحفة نادرة بحدّ ذاته، فتخاله مانيفستو معاصرًا أكثر من كونه كاتالوج معرض فنيّ، وأعتقد أنّ قرار القيّمين بإنتاج هذا الكتاب الضخم، مضمونًا وتصميمًا وكثافة، قرار صائب يشير إلى جدّيّة العاملين في الجاليري، وإلى وضوح الرؤيا والنوايا من ورائه. في أثناء جولة الصحافيّين التي سبقت حفل الافتتاح، سألت عناني عن التوجّه الفنّيّ والقيميّ للمعرض، وقال إنّ ما يميّز هذه الجاليري وهذا المعرض الابتعاد عن فضاءات العرض التجاريّة التي تسوّق الفنّ وتبيعه بصفته سلعة تجاريّة، وأعتقد أنّه نجح في هذه المهمّة بجدارة.

 

 

المعرض كثيف ومليء بالأعمال المثيرة للتفكير والمتحدّية للعقل والأحاسيس، وهي عصيّة على الهضم الفوريّ، ويبدو واضحًا أنّها لا تتملّق المشاهد ولا ترغب بطبطبة منه على كتفها، "كم هي جميلة". فالحُسْن (الإستيطيقا) الكامن في الأعمال بعامّة حُسْنٌ مكظوم، كامن وغير مندفع، يجب عليك مشاهدًا أن تستخرجه بالتأمّل والرغبة الحقيقيّة في الإبصار. يمكن للكثيرين أن يروا الأعمال وأن يمرّوا عنها مرور الكرام، لكنّ عشّاق الفنّ الحقيقيّين سيكونون قادرين على الاندهاش من مرّة لأخرى وسط مسارات المعرض ودهاليزه.

 

نقد لاذع

لا يمكن بأيّ شكل التطرّق إلى مجمل الأعمال المعروضة، وسأتطرّق باقتضاب شديد إلى الأعمال التي رأيت أنّها تمتّ بصلة وثيقة إلى ثيمة المعرض المعلنة، والتي استطاعت، برأيي الشخصيّ، أن تعبّر عنها بقوّة:

في المعرض، وفي نصوص الكتاب، نقد لاذع وكبير على المشهد الفلسطينيّ في رام الله، العاصمة الاستهلاكيّة لفلسطين، وعلى المآل الذي آلت إليه السلطة الفلسطينيّة، وتحوّلها إلى غطاء للرساميل الجشعة والمخطّطات الاقتصاديّة الدوليّة، أو كما كتب منير فاشه في نصّ مقتبس عنه في كتاب المعرض: "يتمّ تخريب غزّة من خلال طائرات ودبّابات وبوارج، ويتمّ تخريب رام الله من خلال بنوك وشركات استثمار ومشاريع تنمويّة... يتمّ تخريب غزّة خارج الإنسان، ويتمّ تخريب رام الله داخل الإنسان...".

 

 

في عمله الممتاز، "تردّد متغيّر"، أنجز بشير مخّول قببًا زجاجيّة صغيرة تحوي مناظر وصورًا مخاتلة ومخادعة، تعود بالمعنى إلى فقدان المفهوم الأساسيّ للعودة.

أمّا عامر شوملي، فيطرح مسألة الهرولة ضمن القطيع، وقدرة مربّي الحمام على قمع رغبة الحمام بالتحليق خارج حدود السطح الذي يسكن فيه، وذلك من خلال لعبة بصريّة جذّابة.

وتتناول بيسان أبو عيشة مسألة "القيمة" مرادفةً للقيمة النقديّة للعملة، والقيمة الحقيقيّة لسائر "القيم"، عبر تصميمات غرافيكيّة تضع صورة ياسر عرفات الحائر على ورقة النقد التابعة للبنك الوطنيّ، وقصر رجل الأعمال منيب المصري على الجهة الثانية من الورقة النقديّة.

وفي عمله، "عشاق غير مثاليّين"، ينجز تيسير بطنيجي عملًا غاية في الذكاء والبساطة، يقارن بين كلمتي ثروة وثورة، ما يفتح هذه المقارنة على تأويلات لا حصر لها، في سياق أزمنة وأمكنة كثيرة.

وفي شريطها الأبكم، "الرمّان"، تصوّر جمانة إميل عبّود يدين اثنتين تحاولان إعادة حبّات الرمّان إلى أمكنتها في "الكُوز"، ما يؤدّي إلى تراكم "دمويّ" كبير يستحضر كلّ آلام العودة المتخيّلة.

وفي المعرض ثلاث صور طباعيّة كبيرة للفنّان غوتفريد هيلن فاين، تحت عنوان "البشارة I، II، III"، وهي صور مُدَبَّرَة ومُخَطَّطَة، تعكس نقدًا مخيفًا ومربكًا بخصوص تجيير قصّة المسيح وأمّه للحديث عن حياتنا المعاصرة وحروباتها وشرورها.

 

 

ويذهب مجدي حديد في عمله، "موثّق معتمد"، نحو عمل يسير بحذر كبير على أطراف الكيتش والمباشرة، لكنّه ينجح في تذليلهما ليبقي المشاهد في القاعة أمام ختم رسميّ للسلطة الفلسطينيّة، حجمه ضخم جدًّا ويجثم على الأرض كما لو أنّه مطرقة عملاقة. ويكتسب هذا العمل تفسيرات آنيّة وحينيّة في ظلّ القمع الذي تمارسه أذرع السلطة الفلسطينيّة في الأسابيع الأخيرة ضدّ حراك رفع العقوبات عن غزّة.

وينزع شريط "سطح" لنور عابد نحو التهكّم الأسود، الذي ينبني من خلال التعليق الصوتيّ الكلاميّ على مشهد لأناس يرتّبون الكراسي على سطح ما، كأنّ الفضاء علبة مغلقة يدورون فيها من دون إرادة حقيقيّة.

ولعلّ من أجمل الأعمال "لا راية في الريح تخفق" لميرنا بامية، وهو ببساطة "أعلام فضّيّة من منظّفات الأنابيب الفضّيّة المشوّهة وأوراق السوليفان، مرتّبة على هيئة شبكة، تواجه مروحة على عمود تنفخ الهواء على الأعلام في حركة نصف دائريّة". عمل بالغ الذكاء والفطنة، سياسيّ بامتياز من دون أيّ تسييس للحرفة الفنّيّة أو لأدواتها، تفريغ لمضمون الأمّة والانتماء البشريّ عبر تفريغ الأعلام من ألوانها، وتحويلها جميعًا إلى ما يشبه أغلفة الهدايا الاستهلاكيّة التي نفنى في السعي وراءها.

 

علاء حليحل

من مواليد قرية الجش في الجليل، ومقيم في عكّا. كاتب أدبيّ ومسرحيّ وصحافيّ ومترجم، حاصل على البكالوريوس في الاتصال الجماهيريّ والفنون الجميلة من جامعة حيفا، وخرّيج مدرسة كتابة السيناريو في تل أبيب. يعمل منذ سنوات طويلة في الصحافة المكتوبة والإذاعيّة وصحافة الإنترنت، وأسّس موقّع 'قدّيتا'. من كتبه: 'أورُفوار عكّا' (رواية،  2014)؛ 'كارلا بروني عشيقتي السرّيّة' (مجموعة قصصيّة، 2012 و2016). له عدّة مسرحيّات وسيناريوهات سينمائيّة. حائز على جوائز عديدة، أبرزها: جائزة غسّان كنفاني للقصّة القصيرة، جائزة فلسطين الدوليّة عام 2013؛ جائزة 'بيروت 39' عام 2010؛ جائزة عبد المحسن القطّان ثلاث مرّات.

 

تعليقات Facebook