جيني هولزر في العراق: بصريّة النصّ أوّلًا

من ضمن معرض "نظرة أعمق" لجيني هولزر

 

النصّ حجر الأساس في أعمال جيني هولزر، منذ برزت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، من خلال نشاطها الفنّيّ في الحيّز العامّ في نيويورك بدايةً. جعلت هولزر العلاقة بين النصّ المكتوب والعمل البصريّ علاقةً لا تقبل التفكيك، وقد عرضت النصوص الّتي استخدمتها - كتبتها بنفسها غالبًا - بواسطة الملصقات، وقصاصات الورق، والإسقاط الضوئيّ على المباني والجدران، واستخدام اللافتات الإعلانيّة الضخمة الحجم، وإضاءة الـ LED ، والنحت على المقاعد في الحيّز العامّ، كالقمصان والقبّعات وغيرها من وسائط. تجد لـ"نصوص المصدر" - كما تسمّيها - شكلًا مادّيًّا تظهر من خلالها، وتختار الحيّز العامّ الّذي سيظهر فيه العمل؛ هذه هي العوامل الثلاثة الجوهريّة بالنسبة إلى أعمال هولزر.
 

فنّ احتجاجيّ

لا ترى هولزر نفسها كاتبةً، وإن كانت معظم النصوص في أعمالها من تأليفها، لكنّها بالوقت ذاته لا تقبل ثنائيّة النصّ مقابل البصريّ، بل ترى بالنصّ عملًا بصريًّا قبل أيّ شيء آخر. في مقابلتها مع "مجلّة كولومبيا للأدب والفنون" عام 1990، الّتي نُشرت احتفاءً باختيارها أوّل امرأة تمثّل الولايات المتّحدة في بينالي فينيسيا، تقول هولزر إنّها كانت تعرف عن دوشامب، وتعرف أنّه "جعل الجميع يدرك أنّه يمكن فعل أيّ شيء" في الفنّ، وأنّها "أخذت الإذن منه"، ومع هذا فإنّ أعمالها تبتعد كلّ البعد عن جدران التجريد، وتوسّط المعرفة والمقولة، من خلال مزايا غامضة، أو من خلال التكثيف العاطفيّ والحسّيّ، بل حسب ما تجزم: "تريد أن تقول الأمور كما هي".

 

 

هكذا، باتت هولزر تقدّم في الحيّز العامّ فنًّا احتجاجيًّا، يصطدم بمسائل مثل الموت والجسد والسلطة، بدءًا بجمل قصيرة مثل عملها الأشهر "Truisms" 1978 - 1987، مثل جملة "للقتل جانبه الجنسيّ"، أو الجملة الأشهر في هذا العمل: "استغلال القوّة يأتي دون مفاجأة"، وصولًا إلى عرض وثائق حكوميّة أمريكيّة، سُمح بنشرها بعد أن كانت سرّيّة، وذلك على الجدران الخارجيّة لمكتبة "جامعة نيويورك".

 

بصمات من الغزو

يعرض "متحف ماستشوستس للفنون المعاصرة"، أعمالًا أنتجتها هولزر عام 2007، تحت عنوان "نظرة أعمق"، عن الغزو الأمريكيّ للعراق. اللافت في هذه الأعمال أنّه عكس نقلة معيّنة في عمل الفنّانة؛ تنبش هولزر الأرشيفات، وتعرض مستندات الحكومة الأمريكيّة عن الحرب. من بين هذه المستندات، يمكن أن نجد شهادة عراقيّ يحمل الإقامة الأمريكيّة عن اعتقاله وتعذيبه، بعد أن عرض على الأمريكيّين المساعدة، ومعتقل آخر عُذّب بعد أن قاوم المحقّقين، حين رفض انتعال الحذاء، وأنشد "Redemption Song" لبوب مارلي.

من بين الأعمال، تعرض الفنّانة خريطة، ظهرت في واحد من عروض الشرائح لخرائط مخطّطات غزو العراق، الّتي قُدّمت إلى البيت الأبيض عام 2001، وكذلك تقارير الطبّ الشرعيّ لجنديّ عراقيّ قُتل تحت التعذيب، وبصمات يد مواطن عراقيّ قُتل في أبو غريب، وكذلك بصمات أيدٍ لجنود أمريكيّين متّهمين بجرائم حرب... إلّا أنّ البصمات في المستندات، وُجدت مشوّهةً لئلّا يكون تمييزها ممكنًا. 

 

المستند عمل بصريّ

المثير في المعالجة الّتي تقدّمها الفنّانة لهذه المستندات، أنّها لا تستخدم النصوص باعتبارها نصوصًا، إنّما باعتبار المستندات عملًا بصريًّا بحدّ ذاته. شكل الورقة ومادّتها جزء من "النصّ" المنسوخ؛ هذا ما يجعل سلسلة الأعمال هذه لا تتوقّف عند النصّ - خلافًا لمعظم أعمال هولزر – حين تنسخ بصمات اليد الّتي جرى التستّر عليها في المستند الأصليّ؛ فهي تترك المشاهد أمام شكل مجرّد. على الرغم ممّا يحيط به من كتابات صغيرة تحتويها المستندات الرسميّة؛ إلّا أنّنا نقف أساسًا أمام لوحة لبصمات يد مشوّهة الشكل، خاصّةً أنّ لهذه السلسلة مزيّة أخرى؛ أنّها لا تقدّم بواسطة الإسقاط الضوئيّ أو الطباعة كما اعتدنا، إنّما تنسخ المستندات بلوحات زيتيّة كبيرة الحجم.

 

LEFT HAND 0147-03

 

هذا التغيير، على مستوى الموادّ المستخدمة والأشكال الّتي تتعدّى النصّ، يأخذ المشاهد إلى مكان أبعد عن المواجهة المباشرة مع النصّ المكتوب، ويشدّد على وجوده البصريّ لا معناه اللغويّ.

إنّ سلسلة هولزر عن غزو العراق، تُخفي النصّ وتدفنه، وتُعيد الأعمال، ولا سيّما في المستندات الأصل، الّتي تُخرّب بها بصمات اليد، إلى حيّز التجريد، وتجعلنا نرى اللوحات الأخرى، تلك الممتلئة بالنصوص بطريقة أخرى؛ عندئذٍ، يستعيد النصّ بُعده البصريّ على حساب معناه، وننتقل من المقولة السياسيّة المباشرة الّتي تحملها هولزر، إلى وسيط حسّيّ وعاطفيّ، يجعل اللوحات تنطق بضجيج الحرب.

 

 

مجد كيّال

 

 

صحافيّ وروائيّ. وُلد في حيفا عام 1990 لعائلة مهجّرة من قرية البروة. صدرت له رواية "مأساة السيّد مطر" عن الدار الأهليّة، ودراسة "كيف يتغيّر النظام الصهيونيّ؟" عن مركز "مسارات".

 

 

 

تعليقات Facebook