نافذة على العالم: أرشيف سينما نابلس شاهدًا وشهيدًا

الفنّان عبد الله غسّان في معرضه "نافذة على العالم"

 

بات مركزيًّا عند التعامل مع تاريخ الفلسطينيّين، على اختلاف نوع هذا التاريخ ومشاربه، الارتكاز على الفقدان شعورًا وحدثًا، لمحاولة لملمة الهُويّة الفلسطينيّة، وأحيانًا لبنائها وتخيّلها - إن استعرنا مصطلح "الجماعات المتخيّلة" لبنديكت أندرسون - وينعكس وفق تلك التخيّلات أفق التصوّر المستقبليّ للجماعة الفلسطينيّة وتشكيلاتها، وشكل الحيّز الّذي تشغله وعلاقتها به.

ما الدور الّذي تؤدّيه الذاكرة الشفويّة أو البصريّة في تكوين تدفّق سياسيّ أو اجتماعيّ، ذي رؤًى تقدّميّة في فلسطين و/ أو لدى الفلسطينيّين؟ كيف يمكن للديناميكيّة بين الفنون والناس، أن توفّر لنا تاريخًا اجتماعيًّا يفسح دراسة أنفسنا نقديًّا؟

 

جانب من المعرض خلال استقباله في "كباريت" - حيفا

 

لم تنفكّ هذه الأسئلة عن مراودتي لدى استضافة "مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام"، في دورته الرابعة في شهر آذار المنصرم، معرض "نافذة على العالم"، للفنّان الشابّ عبدالله غسّان من مدينة نابلس، حيث جمع عبد الله موادّ أرشيفيّة متنوّعة، لها علاقة بدور العرض السينمائيّة في مدينة نابلس، الّتي أقيم أوّلها في منتصف عشرينات القرن الماضي، تضمّنت هذه الموادّ وثائق اجتماعيّة نادرة، تتطرّق إلى تراخيص العرض وظروفه، واعتراض الوجهاء مثلًا على دخول النساء المسلمات إلى قاعات السينما، حصل عليها عبد الله من أرشيف بلديّة نابلس.

واحتوى المعرض أيضًا على ملصقات لأفلام عربيّة، وهنديّة، وأمريكيّة، بجودة عالية وبأحجام مختلفة، وإعلانات داخل صناديق مضاءة، لها من المدلولات ما يكشف بشكلٍ مثير عن حقبة فلسطينيّة بأكملها، على مستوى الاستهلاك وعلاقة ذلك بالوطن العربيّ، بالإضافة إلى عمل فنّيّ تشكيليّ مصنوع من الألمينيوم الرماديّ الداكن، كان قد عثر على بعض قطعه من أجزاء وُجدت في "سينما العاصي" في نابلس، قبل هدمها عام 2016.

كيف لهذه الموادّ المختلفة والمدمجة أن تعلّمنا تاريخنا الاجتماعيّ؟ هذا ما حاولت أن أستقصيه في لقائي بالفنّان عبد الله غسّان عبر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة.

 

دوافع نوستالجيّة

لدى سؤالي عبد الله عن فكرة المعرض ورحلة تجميع موادّه، أشار إلى أنّ للسرد جزءًا مهمًّا، في تحفيزه على التفكير في دور السينما في نابلس: "من خلال الذكريات العائليّة، كان الأقارب والأجداد يحدّثوننا بشكل فيه تراجيديا ما، عن زياراتهم إلى عكّا وحيفا والأردنّ بسيّاراتهم قبل عام 1967، وعن التواصل الجغرافيّ الفعليّ مع الدول العربيّة، استمعت إلى هذه الذكريات بنظرة ابن اليوم... في الضفّة الغربيّة المقسّمة إلى كانتونات، لا نرى شيئًا جديدًا أو تراكمًا إيجابيًّا في محيطنا. إحدى أهمّ نقاط الارتكاز أو الفخر لدى الأجيال السابقة، كانت تغنّيهم بذهابهم إلى دور السينما في نابلس، لم يعشها قطعًا جيلنا الّذي وُلد أواخر الثمانينات وبداية التسعينات".

 

الكتيّب المرافق للمعرض

 

وعن انطلاقه في مشروع بحثه يقول عبد الله: "ابتدأت بزيارة هذه الأماكن وتفحّص مواقعها، والتقصّي عن أصحابها، كانت مهجورة، وتحوّل قسم منها إلى محلّات تجاريّة. كانت بداية التواصل مع ورثة مالكي دور العرض غير ميسّرة، لكنّي نجحت في نهاية الأمر، ثمّة مَنْ رحّب بي وباهتمامي بهذه الحقبة التاريخيّة. ظننت أنّي سأنكشف للشقّ السينمائيّ من الموضوع؛ أي أسماء الأفلام الّتي عُرِضَت ومدى جماهيريّتها ونوعيّاتها، إلّا أنّ سرعان ما تبيّنت لي صورة كاملة ومتداخلة للمجتمع النابلسيّ في تلك الفترة، اشتبك فيها الفنّيّ بالسياسيّ والدينيّ؛ لأبصر أمامي صورة نابضة لمجتمع حيّ. على سبيل المثال لا الحصر، علمت أنّ الحكومة الأردنيّة كانت قد منعت عرض مجموعة أفلام مصريّة، إثر التوتّر الّذي حصل بين الملك حسين وعبد الناصر مطلع الستّينات، ومشاركة فنّانين مصريّين ببرنامج ساخر على الإذاعة المصريّة، انتقدوا فيها سياسة الأردنّ؛ وعلى إثره منعت أفلام هؤلاء الممثّلين، إلّا أنّ صاحب ’سينما العاصي‘، كان قد اشترى أفلامًا بمبلغ ضخم عام 1962، وعند علمه بمنع معظمها، توفّي في اليوم التالي مفجوعًا من خسارته الكاسحة! زد على ذلك، كان لا بدّ من تشغيل السلام الملكيّ الأردنيّ لدى عرض أيّ فيلم، وبالتأكيد ضرورة الوقوف لدى عزف النشيد الوطنيّ".

يضيف غسّان: "ما أبهرني هو الفنّ المعماريّ لصالات العرض، والروح السينمائيّة الّتي تسكن هذه الأماكن، احتوت على مدخل ومخرج وقاعة ومسرح وبوفيه، كانت ذات كيان منفصل، لا يقارن بصالات العرض في أيّامنا هذه، الّتي انحسرت في كونها جزءًا من مجمّع تجاريّ، بلا روح خاصّة بكلّ صالة سينما. عندما زرت أوّل سينما، وهي ’سينما العاصي‘ الّتي افتُتحت عام 1952،  تفاجأت بحجمها وبمعمارها، من بعدها زرت ’سينما غرناطة‘ الّتي أُغلقت شبابيكها بالباطون، ولدى سؤالي عن السبب في ذلك؛ علمت أنّها كانت قريبة في الانتفاضة الأولى من أماكن الاشتباك، وتخوّف أهل البلد من أن يخرّبها ويدخلها جنود الاحتلال، ويعيثوا فيها فسادًا. السينمات كلّها كانت غير فعّالة منذ عام 1987، لكن كان بالإمكان الدخول إليها، إلّا أنّ ’غرناطة‘ كانت مغلقة كلّيًّا. إنّ ’سينما غرناطة‘ مبنيّة بطريقة معماريّة ضخمة، تحتوي على 1000 مقعد، توأم هذه السينما موجود في مدينة طهران في إيران؛ إذ إنّ المهندس الّذي صمّمهما لبنانيّ يعمل في شركة في بيروت، فيها لغز وذكاء بمبناها؛ فالشرفة الداخليّة في القاعة المطلّة على المسرح غير مثبتة بأعمدة. ليس من المفهوم ضمنًا هذه التوأمة والتشابك المعماريّ، بين مدينتين بعيدتين كنابلس وطهران!". 

 

بطاقات وسندات قبض خاصّة بدور سينما نابلس

 

وثائق اجتماعيّة: حياة متدفّقة، رقابة، حظر للنساء

"حضرة صاحب السعادة، رئيس بلديّة نابلس المحترم:

ترغبون سعادتكم أكيد الرغبة، وتحرصون كلّ الحرص، على بقاء نابلس خالية من كلّ باعث من بواعث الفساد، من الجهة الاجتماعيّة، والأخلاقيّة، والدينيّة؛ وهذا شأن العظماء والنبلاء، كما أنّ سعادتكم تسعى السعي الحثيث في نشر الفضيلة والأخلاق، بين جميع طبقات أهل بلدكم، لتكون نابلس رمز الكمال يشار إليها بالبنان؛ لذلك إنّنا نناشد سعادتكم، باسم الدين الحنيف، أن تتكرّموا بإصدار أمركم، بمنع إدارة ’السينما الخضرا‘ بنابلس منعًا باتًّا، من ألّا تخصّص أوقاتًا معيّنة للفتيات والنساء من مشاهدة الأفلام السينمائيّة، لما يترتّب على ذلك من المفاسد الّتي لا تُحصى من الجهة الاجتماعيّة، والأخلاقيّة، والدينيّة؛ وهذا ممّا لا يرضى به وجدانكم الطاهر، وضميركم الحيّ، وأخلاقكم العالية، وشرفكم السامي. دمتم سعادتكم لهذا البلد سندًا، وللفضائل ركنًا، وللأخلاق ذخرًا، وللدين نصيرًا. وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام.

نابلس، في ٢٠ رجب سنة ١٣٦٠ ه، و٢٣/ ٨/ ١٩٤١".

 

عادةً ما تنشر صفحات بعض مواقع التواصل الاجتماعيّ ما هو ماضٍ، في الثلاثينات والأربعينات من القرن المنصرم، على أنّه ماضٍ "ببرنيطة" برجوازيّ وجميل، لشريحة محدّدة جدًّا، للتدليل على التنوّر القرين بالشكل الغربيّ، تمامًا عندما يُستدلّ على إيجابيّات النظام الملكيّ في مصر، من خلال صور "الهوانم" ومجتمعات الطبقة العالية، لذا؛ ثمّة مَنْ قد يتصوّر فلسطين في مراكزها المدنيّة، خالية من أيّ اصطدام بين الخطّ المحافظ الذكوريّ عادة، والمدعوم من قِبَل رجال الدين والوجهاء، وبين دخول فنّ بصريّ كالسينما، غير مألوف، ومرتبط بـ "الغرب" في واقع احتلال البريطانيّين لفلسطين، لذا؛ يبدو مفاجئًا للبعض في إحدى الوثائق الموقّعة ممّا يقرب الثمانين شخصًا، الطلب بعدم إدخال النساء المسلمات إلى قاعة "سينما الخضراء"، وتُظهر الوثائق أنّ هنالك وثيقة تسبق المذكورة أعلاه، تعود إلى العام 1935، موجّهة من مشايخ مدينة نابلس ووجهائها، إلى المندوب السامي البريطانيّ، تطالب بوضع رقابة على الأفلام بما يناسب العادات والتقاليد، وجاء فيها:

"... فمن ذلك أنّ الروايات السينمائيّة، الّتي تصير مراقبتها من قِبَل ’مجلس مراقبة أشرطة السينما‘ توفيقًا لقانون سنة ١٩٢٧، يراعي في السماح للجمهور بمشاهدتها في دور السينما، ما تسمح به التقاليد الأوروبّيّة الخاصّة، وذلك من غير النظر إلى التقاليد الإسلاميّة الّتي تحظر على المرأة المسلمة أمر مشاهدتها".

 

طلب إلى رئيس بلديّة نابلس موقّعًا من قرابة 80 شخصًا لمنع العروض المختلطة في "سينما الخضرا" عام 1941

 

ويضيف عبد الله عن رحلة جمعه للوثائق: "توجّهت إلى بلديّة نابلس للاطّلاع على الأرشيف، ولم أُعامَل بطريقة حسنة في البداية، إلى أن أحضرت موافقة من الكلّيّة للسماح لي بالاطّلاع على الوثائق، وواحد من انتقاداتي تجاه المؤسّسات الأرشيفيّة، أنّه لا تدير الأرشيف وتحميه بطريقة جيّدة ومهنيّة. وجدت العديد من المفاجآت، من أبرزها العرائض المطالِبة بمنع النساء المسلمات تحديدًا من دخول قاعات السينما، علمت كذلك لأوّل مرّة بوجود دور عرض سينمائيّة إضافيّة، مثل ’سينما الخضراء‘ الّتي تغيّر اسمها إلى ’الزهراء‘، وهي اليوم عبارة عن مكتبة بلديّة نابلس، و’سينما الجديدة‘ الّتي تأسّست عام 1926، و’سينما الغازي‘ لعبد الكريم شاهين، الّتي ترصد في خلفيّتها قصّة اجتماعيّة دينيّة غريبة، في إصدار تراخيصها؛ إذ اشترط ألّا تدخل إليها النساء المسلمات، وأنّ ثمّة مفتّشين يراقبون دور السينما، في ما إذا دخل إليها نساء؛ الأمر الّذي يتنافى مع شروط ترخيص المكان".

مَنْ يعاين الوثائق المعروضة في "نافذة على العالم"، بإمكانه سماع أصوات الناس، من خلال الوثائق والأرشيف الشاهد على تدفّق الحياة في دور السينما، ومعالم الحياة الاجتماعيّة الّتي دارت حول عروض الأفلام، من إحدى هذه الوثائق مثلًا رسالة رسميّة، قُدّمت بتاريخ 20 نيسان 1945، تطالب بعرض فيلم "سيف الجلّاد" لمدّة أسبوع إضافيّ؛ لتخصيص ريع هذه العروض لمنفعة مشاريع خيريّة، منها "معهد أبناء الأمّ للأيتام" في رام الله، و"صندوق الأمّ العربيّة"، وقسم لفقراء مدينة نابلس، أو وثيقة أخرى تشكو إلى رئيس البلديّة دخول عدد أكثر من المسموح به إلى قاعة السينما، لمشاهدة فيلم "ممنوع الحبّ" لمحمّد عبد الوهّاب؛ الأمر الّذي أدّى إلى إتلاف قسم من الحديقة التابعة لـ "سينما الزهراء"، في رسالة يعود تاريخها إلى سنة 1942.

 

ترخيص "سينما غازي" الّذي يشترط عدم دخول نساء مسلمات إليها من عام 1935

 

 

العالم العربيّ في نابلس

عند مشاهدة محتويات المعرض، ليس بالإمكان الإفلات من المكوّنات المختلفة له؛ إذ جمع عبد الله غسّان بين الصناديق الإعلانيّة المضاءة، وتذاكر السينما، وسجلّات زوّار السينما، وعمل فنّيّ معاصر، وبالتأكيد الملصقات السينمائيّة الشاهدة على تنوّع الأفلام، المعروضة في دور السينما في نابلس؛ لتحقّق فعلًا اسم المعرض في إبصارها للعالم. عُرض في نابلس كلٌّ من الأفلام السوريّة، والهنديّة، والأمريكيّة، لكن كانت حصّة الأسد من نصيب الأفلام المصريّة، الّتي اجتذبت الجماهير، بل بعض النجوم أيضًا الّذين عرضوا أفلامهم في المدينة الفلسطينيّة، منهم حسب شهادة ورثة المالكين: نعيمة عاكف، ومحرّم فؤاد، والطفلة المعجزة فيروز!

لدى استفساري عن الطريقة الّتي جمّع بها محتويات المعرض، فاجأني عبد الله قائلًا: "وجدت العديد من الملصقات وكرّارات الأفلام ملقًى في بعض دور السينما، ومهملًا تمامًا بين الركام، أمّا الوثائق الأرشيفيّة فصوّرتها من ’قسم الأرشيف‘ في بلديّة نابلس، وبعضها كالتراخيص حصلتُ عليه من ورثة مالكي دور عرض السينما. لدى تجميعي هذه الموادّ، تبادرت إلى ذهني تساؤلات حول سياسة المتاحف الموجودة في الضفّة الغربيّة. في ما يتعلّق بالأرشيف، أعتقد أنّ المكان أحد معالم إثبات الهُويّة، نهتمّ بالأرشيف الورقيّ، لكن ترميم المباني والحيّز العامّ مهمل كلّ الإهمال"، وأضاف: "خلال المعرض، سلّطت الضوء على الانفتاح على العالم من خلال السينما، ووجدت من المناسب عرض التناقض في نفس المعرض، بين الماضي الحيّ في الوثائق، وصور دمار الأماكن حاليًّا وهدمها، حيث تُعرض الوثائق عادةً في المعارض، وتعود حرفيًّا إلى أدراجها ومخازنها بعد ذلك".

 

 إحدى نوافذ الإعلانات المضاءة الّتي كانت تُعرض في دور سينما نابلس

 

احتوت الشهادات على الطبيعة الرأسماليّة لذلك العصر، وارتباط ذلك بالأسواق العربيّة؛ فمثلًا كان ثمّة إعلانات للمطوّف في رحلات الحجّ إلى مكّة المكرّمة، وإعلانات لخطوط الطيران الجوّيّة الكويتيّة، والصابون النابلسيّ، وغيرها من إعلانات المحلّات التجاريّة.

 

نكسة، فانتفاضة، فاستشهاد السينما!

كما للأحداث السياسيّة المفصليّة أثر بالغ في نسق الحياة في فلسطين، لا بدّ من أن نلحظ ذلك من خلال الحياة الاجتماعيّة للناس في نابلس، عبر التوثيق لدور العرض السينمائيّة. عند احتلال الضفّة الغربيّة، أُغلقت دور السينما طوال الأشهر الستّة الأولى، كان سكّان نابلس - ككلّ الفلسطينيّين - في حالة من الصدمة وعدم استيعاب للواقع الجديد. يقول عبد الله على لسان ورثة المالكين: "أجبرنا الحاكم العسكريّ على أن تفتح السينما أبوابها؛ كي تخفّ المواجهات وتنشغل الجماهير بمشاهدة الأفلام، علمًا أنّ دور العرض موجودة في مركز المدينة القريب من الاشتباكات، وإن لم نفعل ذلك هدّدونا بسحب الترخيص، واضطررنا إلى إعادة تشغيلها، وكما كان متوقّعًا؛ كان إقبال الناس ضعيفًا".

ضَعُفَ إقبال الناس في العشرين عامًا الّتي تلت النكسة حتّى الانتفاضة الأولى عام 1987، الّتي قضت على إرث دور السينما؛ لأسباب متعلّقة كذلك بانتشار التلفزيونات في البيوت، والتطوّرات التكنولوجيّة الّتي أفضت إلى أشرطة الفيديو، وأصبحت المواسم الغزيرة للسينما في فترة الأعياد؛ إذ عملت دور السينما من الثامنة صباحًا حتّى الواحدة ليلًا، كما جاء في شهادة مالكي دور السينما.

يستطرد الفنّان النابلسيّ: "لسرد كلّ الأفكار المذكورة أعلاه، والمتعلّقة بحياة الفلسطينيّين في نابلس، وعلاقتها بالسينما، كان لزامًا عليّ أن أفكّر بطريقة ما لتوثيق ذلك وسرده بصريًّا خارج المعرض كذلك، لذا، أصدرت كتيّبًا للمعرض مؤلَّفًا من رسومات وإسكتشات بسيطة، رسمها وصمّمها ميسرة عبد الحقّ، إلى جانب بعض الوثائق المنسوخة عن الأصل ومصغّرة، مع سرد على الطريقة القصصيّة، على لسان السينما ذاتها، هي أشبه بما يمكن وصفه بـ ’السينما تتحدّث عن نفسها‘".

 

حال "سينما غرناطة" اليوم

 

أقف في المعرض أمام قطعة معلّقة من الألمينيوم، مرتفعة عن مستوى الأرض عشرات السنتمترات، وألحظ على الأرض ما يبدو جزءًا منصهرًا منها، تبدو غريبة عن كلّ محتويات المعرض الأخرى، ليست وثيقة أو ملصقًا لفيلم أو إعلان أو كرّارة أفلام، هي مقولة عبد الله غسّان الإبداعيّة من صنعه، اتّضح لي بعد استفساري عنها، أنّ لدى زيارته للمرّة الأخيرة إلى "سينما العاصي"، بعد علمه بصدور قرار هدمها، وجد قطع الألمينيوم في المكان الّذي سيتوقّف عن كونه دار عرض سينمائيّ، سيتوقّف عن أن يكون تذكارًا لنافذة على العالم، هُدم في ليلة خميس وصباح جمعة. أعاد غسّان تشكيل الألمينيوم وصهره، هذه الحالة من الصهر وإعادة التشكيل هي البحث عن المكان وعدمه، كما فسّر لي ذلك غسّان، أمّا لي فتراءى كاستشهاد للسينما في حيّزها الأصليّ، في عصر العولمة على الطريقة الرثائيّة لفيلم "سينما براديسو"، وفي واقع الاحتلال، على طريقة الشهيد أو الشهيدة الفلسطينيّين في حيّزهما المتآكل.

 

عبد الله غسّان: فنّان معاصر نشأ في نابلس، درس في "جامعة النجاح"، حاصل على دبلوم في "التصميم الغرافيكيّ"، وكذلك على بكالوريوس في "الفنّ المعاصر"، من "كلّيّة الفنون" في رام الله، يقدّم فنّه من خلال البحث في الأرشيف الفلسطينيّ.

 

 

صالح ذبّاح

 

 

باحث سينمائيّ وصحافيّ ثقافيّ، يكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة. يهتمّ بالسينما والدراما والموسيقى العربيّة، وتقاطعات السياق السياسيّ مع التعبير الصوريّ. أعدّ وقدّم برنامج 'كلاكيت فلسطين' على التلفزيون العربيّ.

 

 

 

تعليقات Facebook