سامية حلبي: نحن خنفسة صغيرة على عمارة كبيرة

ذا ناشيونال

 

تُعَدّ الفنّانة التشكيليّة والباحثة الفلسطينيّة - الأمريكيّة سامية حلبي، من مواليد القدس عام 1936، والمقيمة في نيويورك، تُعَدّ من الرموز الرائدة عالميًّا في الفنّ التجريديّ وفنّ الديجيتال الحركيّ؛ إذ كان لها تجارب تعاون مشتركة مع عازفين موسيقيّين، حوّلت موسيقاهم إلى لوحات فنّيّة باستخدام الحاسوب أمام الجمهور مباشرة. ولسامية حلبي تجربة مهمّة في التعريف بالقضيّة الفلسطينيّة، والدفاع عن حقّ العودة.

انتقلت حلبي من فلسطين إلى لبنان بعد النكبة عام 1948، ثمّ غادرت مع عائلتها إلى الولايات المتّحدة عام 1951 لتستقرّ هناك. عرضت أعمالها منذ بداية مسيرتها الفنّيّة، في أوائل الستّينات من القرن العشرين، في معارض فنّيّة عبر أنحاء مختلفة من الولايات المتّحدة، وأوروبّا، وآسيا، وأمريكا الجنوبيّة. ومن أهمّ تلك المعارض: "متحف سولومون غاغينهايم" في نيويورك، و"المتحف البريطانيّ" في لندن، و"معهد العالم العربيّ" في باريس، و"معهد الفنّ" في شيكاغو.

تلقّت حلبي تدريبها في الولايات المتّحدة، وتُعَدّ ناشطة في الأوساط الأكاديميّة الأمريكيّة، حيث درّست الفنّ على مستوى الجامعة لمدّة سبعة عشر عامًا، وقضت عشرة أعوام منها أستاذًا مساعدًا في "كلّيّة ييل للفنون"، بين عامَي 1972 و1981، ودرّست في "جامعة هاواي"، و"جامعة ولاية ميشيغان"، و"معهد كانساس سيتي للفنون". وقد كانت أوّل امرأة تشغل منصب أستاذ مشارك في "كلّيّة ييل للفنون".

استقرّت في نيويورك منذ سبعينات القرن العشرين، وكانت لفترة طويلة نشطة في المشهد الفنّيّ في المدينة، وذلك عبر المساحات الفنّيّة المستقلّة وغير الربحيّة، والمبادرات الّتي يديرها الفنّانون، بالإضافة إلى المشاركة في التنظيم السياسيّ اليساريّ؛ من أجل قضايا مختلفة، ولا سيّما القضيّة الفلسطينيّة.

كان لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة هذا الحوار معها، في أثناء زيارتها الأخيرة إلى فلسطين، حيث قدّمت ندوات في حيفا ورام الله.

حاورها ربيع عيد.

 

فُسْحَة: قبل أن نبدأ في الحديث عن الفنّ، سأسألك عن النشاط السياسيّ؛ كونك نشيطة سياسيًّا: متى بدأت علاقتك بالسياسة؟ وما طبيعة النشاط؟

سامية: كانت بدايتي في الالتفات إلى النقاشات السياسيّة، عندما كنت في جيل 14 - 15 عامًا في بيروت... كنت أستمع لأبي وأصدقائه يناقشون ما حصل في فلسطين. كانوا كلّهم مناضلين، وكانوا قبل النكبة يحاولون وضع جلّ جهدهم لتأسيس مبادرات عمل. بعدما وصلوا بيروت صاروا يتذكّرون نشاطهم؛ تضايقت من الألم في أصواتهم ثمّ ابتعدت.

 مع مرور الوقت، اندلعت ثورة سياسيّة، وطُرحت أفكار جديدة منها ما هو قادم من العراق، وكنت حينئذٍ مدرّسة في الولايات المتّحدة، وكان طلّاب من العراق يأتون، وأصبح بيننا احتكاك، ومن ثَمّ جاء الفلسطينيّون بسنوات السبعينات، وكانت الثورة الفلسطينيّة في أوجها، وقد كان لي احتكاك معهم، أنا اشتغلت ببعض النشاطات. عندما انتقلت إلى نيويورك، كان الوضع أصعب ومتأثّرًا بالدعاية الصهيونيّة، ورفضوني لتنظيم معارض. وجدت في نيويورك جالية عربيّة وفلسطينيّة؛ فبدأت ألتقيهم، وأذهب إلى محاضرات ولجان عمل واجتماعات في سنوات أوائل الثمانينات. في أواخر السبعينات كان لي نشاط وازداد في الثمانينات. وعندما خسرت الانتفاضة والثورة، بدأنا نشتغل في الجانب الثقافيّ؛ أسّسنا لجنة عن الثقافة العربيّة، وبدأنا ننشط. الجمهور العربيّ موجود في نيويورك واهتموا بنا؛ فقد كنّا الوحيدين الّذين نعمل نشاطات عن البلدان العربيّة... نظّمنا لجانًا ومسيرات ومحاضرات.

 

فُسْحَة: من خلال نشاطكم هذا؛ ما القضايا - في رأيك - الّتي كانت تتقاطع مع القضيّة الفلسطينيّة؟ من أصدقاء الفلسطينيّين في الولايات المتّحدة؟

سامية: كلّ القضايا الّتي تجدها في البلاد الّتي كانت فيها حركات التحرّر حول العالم، وقضايا الأقلّيّات في الولايات المتّحدة. كان معنا الإيرلنديّون البورتوريكيّون والسود الأمريكان، ونظّمنا نشاطات مشتركة، وبالطبع السكّان الأُصَلاء في أمريكا، وأيضًا الأمريكيّون اليساريّون.

 

فُسْحَة: لماذا اخترتِ التجريد في أسلوبك الفنّيّ، علمًا أنّ معظم الفنّانين الفلسطينيّين تعاملوا مع الشيء العينيّ والملموس والقصّة الفعليّة؟

سامية: كان ثمّة ثورة جعلت الأمور تصبح واضحة. أنا توجّهت إلى التجريد لأنّه في نظري جزء من العمليّة البحثيّة في الرسم. لا يمكننا وصف أعمال الفنّانين الفلسطينيّين بتجريد أو غير تجريد ليس إلّا، إنّ اللغة الّتي استخدموها في الانتفاضة - مثل سليمان منصور ونبيل عناني - لها أهمّيّة، وهي جزء من بحثي؛ إذ اهتمّوا أكثر بالرموز، وأرادوا التكلّم مع الشعب الفلسطينيّ والشارع... حينذاك؛ كان الشارع هو الحاكم والقائد والثورة. على سبيل المثال؛ إن رسموا امرأة فسيكون لها دلالات، وليس فقط امرأة عاديّة، كانوا يرتّبون الأشكال بشكل مختلف؛ إن رسموا قميصك مثلًا فسيرسمونه كشجرة زيتون، ويرتّبون الأشكال جنبًا إلى جنب. كان الكثير من الأشياء في أعمالهم لا تراها بالعين، تعتقد أنّك تراها؛ لأنّك تفكّر في أنّها رمز، كانوا يدمجون الأشكال والرموز التجريديّة، والتجريد حاضر في أعمالهم.

 

فُسْحَة: أكان التجريد خيارًا لك أم هو نابع من شخصيّتك؟

سامية: نابع من التاريخ العربيّ. لا يوجد تاريخ مكتوب احترم التاريخ العربيّ الإسلاميّ الّذي نراه موجودًا حولنا. هذا تراثي وهذا شغفي، وأراه جميلًا. حتّى عندما ألعب طاولة الزهر أرى التجريد. ترصيع الرخام مع بعضه بعضًا لوحةٌ ليست أقلّ أهمّيّة من مونريال. هذا تاريخي وليس قرارًا من "الهوا"، لدينا تاريخنا ولدينا تاريخ العالم، واللوحة التجريديّة الّتي وُلدت في أثناء الثورة السوفييتيّة هذا أيضًا تاريخي، وأنا يساريّة وجزء منّي. ما حصل من نهضة فنّيّة في الاتّحاد السوفييتيّ له تأثير واسع، التاريخ يهمّني وأدرس التاريخ من وجهة نظري، لا من وجهة نظر المعلّم الغربيّ. الثورة السوفييتيّة مهمّة وغنيّة، وليست بسيطة، وكانت منتشرة.

 

فُسْحَة: أثناء الندوة الّتي كانت لك في "جمعيّة الثقافة العربيّة" في حيفا مؤخّرًا، أثار انتباهي - خلال حديثك - أنّك قلتِ إنّ الفرد أو الذاتيّة ليس مهمًّا بالنسبة إليك في أعمالك؛ ماذا تقصدين بهذا؟

سامية: أنظر إلى داخلي، أرى مصارين ودمًا وشرايين، لا أرى شيئًا غير ذلك، ماذا يوجد في داخلي؟ مخّي فيه شيء... ذكريات، أنا فعلًا لا أرى شيئًا داخلي سوى الذكريات. الذكريات أرسم عنها أو أكتب عنها، وتدخل ضمن أعمالي بالتأكيد، أنا أنظر حولي وأرسم.

 

فُسْحَة: الأسئلة اليوميّة والتحدّيات اليوميّة، كثير من الفنّانين يهتمّون بهذه التفاصيل في أعمالهم؛ ماذا عن المشاعر والأحاسيس!

سامية: أنا أبحث عن لغة الفنّ، تلك مواضيع يُعبَّر عنها سيكولوجيًّا؛ أنا أبحث عن الفنّ، أهتمّ بماهيّة الوقت والمسافة والحركة.

 

فُسْحَة: كيف علاقتك وتفاعلك مع الفنّانين الفلسطينيّين الآخرين؟

سامية: علاقتي جميلة، جيّدة، ثمّة أصدقاء دومًا. بدأنا معًا في فترة تاريخيّة تجمعنا، واشتغلنا حولها. التقيت عبد عابدي في أثناء زيارتي هذه إلى حيفا، واطّلعت على أعماله، وتذكّرنا الكثير من الأشياء. علاقاتي حلوة، وأغلب علاقاتي بالفنّانين يكون مع الفلسطينيّين؛ يمكن بسبب شعوري بقربهم منّي.

 

فُسْحَة: هل تتابعين الجيل الجديد من الفنّانين؟

سامية: قليلًا؛ إنّ الأشياء الّتي أراها سعيدة بها، ألاحظ نوعين من الرسّامين الصغار: نشاطات تحصل محلّيًّا في فلسطين، وأفرح لسعيهم لتنظيم معارض، وجزء ثانٍ يحاول أن يوصل رسالة عالميّة، وأن يعرض في متاحف غربيّة، ويحاول تغيير وجهة نظر تجاهنا نحن الفلسطينيّين، ثمّة تنوّع وحركة حلوة.

أمّا حركة الرسّامين الفلسطينيّين الرئيسيّة أو المؤسّساتيّة، فتنقسم إلى رسّامي الانتفاضة ورسّامي بيروت. حركة رسّامي بيروت كانت أقوى، لكنْ رسّامو الانتفاضة اشتُهروا كثيرًا؛ رسّامو الانتفاضة رأوا أنّ ثمّة جانبًا إعلاميًّا يمثّل جزءًا من المقاومة السلميّة، على حين أنّ رسّامي بيروت أرادوا الحرب للوصول إلى السلام. إنّ الرسّامين في بيروت كان لديهم وعي سياسيّ، هم أقرب إلى اليسار، أمّا رسّامو الانتفاضة فكانوا مهتمّين بالشعب، والشارع الفلسطينيّ الّذي كان يقود الانتفاضة.

 

فُسْحَة: على ذكر المتاحف؛ ما التحدّيات الّتي تجدينها في عالم المَعارض الرأسماليّ، حسب توصيفك؟

سامية: دائمًا يسألني الصحافيّون هذا السؤال، وكأنّني أنا مَنْ يقرّر أين أعرض؛ إن كنت مشهورًا جدًّا يمكنك التوجّه إلى متاحف، وتعرض عليهم أن تعرض أعمالك، وسيقبلون. هم مَنْ يقرّرون؛ لأنّ المال بأيديهم. التحدّيات مهولة في نيويورك، في مرحلةٍ ما توقّفت عن المحاولة، وتركت هذا العالم، وإن كان ثمّة فرصة لي فلا مشكلة، رغم المسافة الكبيرة بيني وبينهم.

وإن عرضوا عليّ أن أعرض فلن أغيّر من مواقفي؛ عندما عرضت في "جوجلهاين" في نيويورك، ألقيت كلمة عن فلسطين، وكيف سكن الإسرائيليّون منزلنا. كان التحدّي أن أروي ذلك بهدوء، لن أغيّر من قناعاتي كي أحصل على عروض، ووجودنا في هذه المتاحف وصالات العروض الضخمة مهمّ، ويساعد فلسطين بخطوة إلى الأمام، وعلينا أن ندخل هذه المؤسّسات، ويجب أن تكون لنا.

 

فُسْحَة: هل ثمّة مؤسّسات بديلة أو معارض "أندرغراوند"؟

سامية: ثمّة كثير، والحكومة الأمريكيّة تشعر بأمان بوجود مساحات "أندرغراوند"، يدَعون الناس يفعلون ما يريدون في هذه المساحات، يصرخون لمدّة ساعتين في الشارع، ومن ثَمّ فكلّ شيء يعود لطبيعته. نحن خنفسة على عمارة كبيرة؛ هذا لا يعني أنّنا لسنا مسرورين في هذه النشاطات، لكن إن رأوا شيئًا ينجح فسوف يخرّبونه.

 

فُسْحَة: أنت تزورين فلسطين كلّ أعوام عدّة؛ ماذا تعني لك الزيارات هذه؟ وكيف ترين البلاد؟

سامية: أرى وجهين للوضع، الأوّل: أحزن فيه؛ بسبب حجم ما يخرّبونه وكم نحن نخسر. الثاني: أرى فيه صمود الناس؛ أنّه رغم كلّ ما يقومون به ضدّ الشعب الفلسطينيّ، إلّا أنّ الفلسطينيّين لا يتركون بلدهم، وصار عددهم أكثر من الإسرائيليّين؛ أرى مستقبلًا رغم الصعوبة.

 

فُسْحَة: ما اهتماماتك الحاليّة وآخر أعمالك؟

سامية: مهتمّة بالمجال البحثيّ منذ سنوات؛ سأعيد نشر كتابي عن الانتفاضة والقضيّة الفلسطينيّة "Liberation Art of Palestine"، أكتب بعض المقالات لكتب أخرى، وأرسم. كلّ ذلك يحتاج منّي إلى جهد كبير، والآن أصبح لديّ مساعدة؛ تساعدني كثيرًا في العمل والتسويق والعلاقات بالمعارض، وهكذا يصبح لديّ وقت أكثر للرسم.

 

فُسْحَة: لو بدأت مسيرتك من جديد؛ هل كنت ستختارين المسار ذاته؟

سامية: في بعض المرّات، عندما كنت بمنتصف الطريق، قلت يا ليتني درست الرياضيّات، كنت أصبحت باحثة أيضًا، يا ليتني درست الكمبيوتر أيضًا. أنا سعيدة بالرسم؛ ولو عشت مرّة أخرى لخلطت الرسم والرياضيّات.

 

 

ربيع عيد

 

 

صحافيّ فلسطينيّ، كاتب وعضو طاقم في فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة. يعمل في الصحافة منذ عدّة سنوات. كتب في العديد من المواقع والصحف العربيّة، كما عمل رئيسًا لتحرير صحيفة فصل المقال. حاصل على البكالوريوس في  العلوم السياسيّة من جامعة حيفا، والماجستير في الإعلام والدراسات الثقافيّة من معهد الدوحة للدراسات العليا.

 

 

تعليقات Facebook