غموض لحظة الوصول: أزمة المهاجر عبر الإكفراسيس

لوحة "غموض الوصول وما بعد الظهيرة"، لجورجيو دي كِريكو

 

بِمَ أهيم، إن لم يكن الغموض؟

          - جورجيو دي كِريكو -

 

الوصول، تلك اللحظة المنشودة الّتي ينتظرها المهاجر كي يدرك النجاة بعد صراع طويل للبقاء، يحمل أبعادًا جسديّة ونفسيّة. لكن فور أن يلتقي المهاجر بالمدينة الجديدة، يتكثّف وعيه بغموض البداية الّتي لا يمكن التنبّؤ بما تحمله من مصاعب واغتراب.

 

لوحة جورجيو دي كِريكو

إنّ الأحلام الثقيلة الّتي تهبط على المهاجر لحظة الوصول صعبة الوصف؛ وهذا ما جعلها هدفًا للكتّاب والفنّانين، ومنهم الفنّان الإيطاليّ جورجيو دي كِريكو Giorgio De Chirico ، في لوحة رسمها عام 1912، بعنوان "غموض الوصول وما بعد الظهيرة - The  Enigma Of Arrival And The Afternoon  "، وهي لوحة تنتمي إلى الفنّ الميتافيزيقيّ، الّذي أسّسه دي كِريكو نفسه مع الفنّان كارلو كارّا Carlo Carrà.

وكما هي حال لوحات دي كِريكو، حازت هذه اللوحة على الانتباه لاتّسامها بالغموض، وتدفّق المشاعر لحظة التقاء الزائر بالمدينة الجديدة.

وكما يوحي العنوان، تعكس اللوحة تعقيدًا ذهنيًّا وعاطفيًّا، حاول الرسّام التعبير عنه عن طريق تباين الضوء والظلال؛ فتُجسّد اللوحة شخصين مستترَي المعالم، يقفان على الميناء ويستدير كلٌّ منهما إلى اتّجاه مختلف، كما تنعكس في اللوحة ظلال لأجسام لا تظهر هي نفسها في الصورة.  وكما هي حال لوحات دي كِريكو، حازت هذه اللوحة على الانتباه لاتّسامها بالغموض، وتدفّق المشاعر لحظة التقاء الزائر بالمدينة الجديدة.

 

نايبول... اغتراب أنّى ذهب

ولأنّ هذه اللحظة مفعمة بالمشاعر والأفكار المتناقضة، عبّر العديد من الكتّاب والفنّانين عنها بطرق مختلفة، بل أصبحت لحظة اللقاء الأوّل بالمكان ثيمة فنّيّة مهمّة. وكان الكاتب البريطانيّ – الكاريبيّ، ڤي. أس. نايبول V. S. Naipaul، من هؤلاء الكتّاب الّذين حاولوا تمثيل هذه المشاعر، خاصّة بعد تجربة ذاتيّة وفيرة بالرحيل والوصول، حمَل فيها نايبول اغترابه أنّى ذهب.

كانت حياة نايبول متخمة بالترحال؛ إذ انتقل من ترينيداد إلى إنجلترا بحثًا عن وطن يتّسع أحلامه وآماله، وزار العديد من البلدان ومن بينها الهند - موطن آبائه الأصليّ - سعيًا إلى فهم ذاته المُلتبِسة. ويُعَدّ نصّ نايبول "غموض الوصول - The Enigma of Arrival"  (1987)  من الأعمال المهمّة الّتي تناولت لحظة الوصول وما فيها من إبهام. ومن الحنكة أن جعل نايبول الغموض في جوانب عدّة من الكتاب لا تقتصر على الثيمة؛ فالكِتاب مثلًا عصيّ على التصنيف، إذ إنّه ليس رواية فحسب، بل تتداخل فيه أجناس أدبيّة ليصبح بين الرواية والسيرة الذاتيّة والتأمّلات؛ فهو بذلك نصّ شائك كما هي تجربة كاتبه. يضيف عنوان الكتاب أيضًا بُعدًا آخر للتعقيد؛ فهو مقتبس من لوحة دي كِريكو السابق ذكرها، وهو ما يعني أنّ على القارئ أن يأخذ بعين الاعتبار التوافق بين اللوحة والكتاب، والّذي يجعل هذا التناصّ إضافة إلى الغموض، والتشابك الّذي تحمله الرواية في طيّاتها. 

 

الذاكرة

ينوّه نايبول في مقدّمة الكتاب بأنّه باشر الكتابة بلا تدوين ملاحظات مسبقة، بل بالاعتماد على ذاكرته، ولمّا كانت ذاكرة نايبول محمَّلة بعبء الماضي، انعكست فوضاها على السرد الّذي لا يخضع لترتيب زمنيّ واضح. يقول نايبول في مقدّمته: "عكفت على الكتابة بعد أن انتهت التجربة، وبدا لي أنّ خطّي في الكتابة - وكجزءٍ من تعاسة التجربة - قد أصبح سيّئًا جدًّا، إلى درجة أنّني واجهتني مشكلة في تفكيكه، حتّى بعد وقت قصير من الانتهاء من الكتابة"[1].

في دراسات الذاكرة، لا تستطيع الذاكرة أن تقدّم للذات تمثيلًا مطابقًا للتجربة، خاصّة حين تكون هذه الذات مثقلة بالألم، كما هي الحال للذات المهاجرة

تصف هذه البداية صراع نايبول مع ذاكرته الّتي تستدعي الشعور بألم التجربة، من غير أن يتمكّن الكاتب من تفاصيلها؛ ففي دراسات الذاكرة، لا تستطيع الذاكرة أن تقدّم للذات تمثيلًا مطابقًا للتجربة، خاصّة حين تكون هذه الذات مثقلة بالألم، كما هي الحال للذات المهاجرة، سواءً بسبب الحروب أو تبعات الاستعمار أو غير ذلك. وتعجز اللغة عن وصف التجربة كما حدثت فعلًا؛ فمن الصعب مثلًا أن نجعل شخصًا يشعر بالفزع والألم الّذي نشعر به تمامًا، فلنقل بعد تجربة النجاة من حريق؛ لأنّ الذاكرة تختار أجزاء من الأحداث، وكذلك تعجز عن وصف الصورة الذهنيّة أو مدركات الحواسّ كما كانت تمامًا خلال التجربة. ومع ذلك تبقى فكرة تمثيل التجربة الإنسانيّة هاجسًا لدى الإنسان، دفعته منذ القدم إلى اللجوء إلى الفنّ.

 

تمثيل التجربة

لو تتبّعنا النقد الأدبيّ منذ عصوره الأولى الّتي وصلتنا، لوجدنا أنّ مفهوم "المحاكاة - Mimesis" عند أرسطو وأفلاطون يعبّر عن هذه الفكرة، وجاءت بعده مفاهيم مشابهة مثل "التمثيل - Representation". ومن الطبيعيّ أن تتغيّر رؤيتنا لمفهومَي "التمثيل" و"المحاكاة" مع تطوّر الفلسفة؛ فبعد نظريّات الحداثة بدا التمثيل الواقعيّ للتجربة مستحيلًا؛ إذ غدا أقرب إلى تقديم فكرة جديدة - Presentation، أو إعادة إنتاج التجربة؛ وذلك لاستحالة الوصول إلى حقيقة مطلقة. 

ولا بدّ من الإشارة إلى أهمّيّة دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات الذاكرة، وقد أسهمت في تغيير مفهوم التمثيل؛ لأنّه من الصعب على الذاكرة المكلومة - Traumatic Memory استرجاع الأحداث بطريقة زمنيّة منظّمة. وهذا هو العبء الّذي يقع على عاتق كتّاب ما بعد الاستعمار، ومنهم نايبول، الّذي وجد في اللوحة جزءًا من شظايا تجربته المريرة؛ فكان استخدام أسلوب الرسم بالكلمات - Ekphrasis الأقرب لتمثيل تجربته، لأنّه بذلك يدمج فنونًا مختلفة لا تُقدَّم للقارئ قطعةً واحدة متماسكة، وهو ما يتناسب مع تعدّديّة التجربة وسيرورتها.

 

الراوي كالظلّ في اللوحة

حين تذكّر الراوي - وهو غالبًا نايبول نفسه، أو أحد أطياف شخصيّته، على اعتبار أنّ العمل سيرة ذاتيّة جزئيًّا - لوحة دي كِريكو "غموض الوصول -The Enigma Of Arrival "، تبادرت إلى ذهنه صورة اللوحة لكن بشكل مشوّش، فربطها حالًا بنصّه؛ وبهذا أصبحت اللوحة رمزًا لألم الراوي لحظة وصوله، واتّخذها نايبول عنوانًا لروايته. يقول الراوي عن اللوحة:

"ولم يلُح في فكري أنّ قصّة اللوحة (غموض الوصول) - وهي رحلة تُضيئها الشمس وتنتهي بمدينة كلاسيكيّة خطيرة - الّتي جاءتني كنوع من الانعتاق من الصرامة الإبداعيّة وظلام قصّتي الإفريقيّة، لم يخطر في بالي أنّها قصّة البحر الأبيض المتوسّط - تلك الّتي في اللوحة – وأنّها لم تكن إلّا إصدارًا آخر للقصّة الّتي أكتبها. ولم تراودني كذلك فكرة أنّ اللوحة كانت محاولة لإيجاد قصّة تناسبها وتعطيها تماسكًا ومنطقًا. كان حلمًا أو كابوسًا أرّقني نحوًا من سنة، وفي هذا الحلم كان ثمّة دائمًا، وفي لحظة حرجة من السرد في الحلم، ما لا أستطيع وصفه إلّا على أنّه انفجار في رأسي... كنت أعيش الموت بوَعي، بل أشهده،  وعندما استيقظت بدا رأسي غريبًا"[2].

ونجد في نصّ نايبول أنّه يحاول تمثيل ذاته عن طريق غير شخصيّة واحدة؛ فليس الراوي وحده مَنْ يعكس ذات الكاتب كما هي الحال في السيرة الذاتيّة التقليديّة، لكن قد تُقرَأ شخصيّة آلان أيضًا على أنّها "قرين فنّيّ"

تنفجر مشاعر الراوي المكبوتة في حلمه؛ لأنّها انعكاس لهويّته المرتبكة وآلامه المترسّبة في عقله اللاواعي. لكنّ ربط التجربة بلوحة دي كِريكو يوحي أنّ الراوي كالظلّ في اللوحة، أي أنّه تائه بين عالَمَين؛ إذ إنّ الظلّ جليّ، بلا ظهور ذلك الجسم الّذي يعكس الظلّ، وهذا ما يبيّن سبب رؤية الراوي - نايبول - اللوحة على أنّها رسم لكلماته، أو بالأحرى كأنّ كلماته إكفراسيس للوحة.

 

ذات جمعيّة

إنّ قراءة الشخوص في اللوحة تعكس الذات المتعدّدة، أو ربّما كما يصفها الكاتب الكاريبيّ كاريل فيلبس على أنّها "ذات جمعيّة - Plural Self"، وهذا ما يجعل مسألة التمثيل شائكة أكثر؛ فالشخصيّتان الناظرتان في اتّجاهين متقابلين، ما هما إلّا ذات واحدة تائهة بين الماضي والحاضر. ونجد في نصّ نايبول أنّه يحاول تمثيل ذاته عن طريق غير شخصيّة واحدة؛ فليس الراوي وحده مَنْ يعكس ذات الكاتب كما هي الحال في السيرة الذاتيّة التقليديّة، لكن قد تُقرَأ شخصيّة آلان أيضًا على أنّها "قرين فنّيّ" أو "أنا مستنسخة - Doppelgänger" عن نايبول؛ فمحاولات آلان كتابة سيرته الذاتيّة ومعاناته في الطفولة، تعكس معاناة نايبول في وصف تجربته كما أشار في المقدّمة.

مفارَقةً، وبينما يخفق آلان في كتابة نصّه يحقّق كتاب نايبول نجاحًا باهرًا. لكن وحده الراوي مَنْ يعي معاناة آلان وسبب فشله؛ وهو ما يجعل شخصيّتَي آلان والراوي أجزاء من كينونة واحدة، وهذا مُرضٍ تمامًا؛ إذ إنّ الذات لم تَعُد تُعامَل وحدةً متماسكة، بل أصبحت في الدراسات الحديثة متعدّدة ومجزَّأة. 

وبينما يخفق آلان في كتابة نصّه يحقّق كتاب نايبول نجاحًا باهرًا. لكن وحده الراوي مَنْ يعي معاناة آلان وسبب فشله؛ وهو ما يجعل شخصيّتَي آلان والراوي أجزاء من كينونة واحدة

إذن، بإدراك نايبول أنّ عمليّة تمثيل تجربة المهاجر معقّدة لما فيها من جوانب إشكاليّة كالذاكرة واللغة؛ ارتأى أن يدمج فنّ الرسم في فنّ الكتابة، ليضيف إلى لحظة الوصول ضبابيّة، من شأنها أن توصل شعور الضياع إلى القارئ، الّذي يجد في الإكفراسيس[3] أسلوبًا يتوافق ومضمون الرواية، ويضيف إليها ظلالًا من الغموض الّذي يمثّل واقع المهاجر.   

..........

[1] V. S. Naipaul, The Enigma of Arrival (Vintage; Reprint edition, 1988), pp. vi.

[2] Ibid, pp.108.

 [3] الإكفراسيس كلمة إغريقيّة الأصل، تعني وصف عمل فنّيّ مرئيّ عن طريق اللغة، سواء أواقعيًّا كان هذا العمل أم متخيّلًا.

 

 

د. سميّة الحاجّ

 

أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزيّ في جامعة بيرزيت، حصلت على درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنيّة عام 2016، وقد تخصّصت في الأدب الكاريبيّ ودراسات ما بعد الاستعمار. لها العديد من الأبحاث في النقد والنظريّة الأدبيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook