فنون تشكيليّة فلسطينيّة في زمن الحجْر

الفنّانون إلياس عبد ربّه، عزّة الشيخ أحمد، محمّد جحا، رائد القطناني، أمير عابدي

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

"الفنّ جرعة حياة لمدّ المسافة إلى ما بين الإبداع واليأس والاستسلام، هو دعم نفسيّ ذاتيّ للحفاظ على البحث المستمرّ لالتقاط بعض من الروح".

تلك مقولة قرأتها منذ أيّام على جدار صفحة الفنّانة التشكيليّة الفلسطينيّة، المقيمة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، منال ديب، في فيسبوك، وهي تصلح لتكون فاتحة تقريرنا عن أهمّيّة الفنون التشكيليّة أيّام الحجْر الصحّيّ، الّذي نعيشه اليوم جميعًا في ظلّ جائحة كورونا (Covid-19)، وهو واحد من سلسلة تقارير تُعِدّها فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة حول الإنتاج الثقافيّ والإبداعيّ الفلسطينيّ في ظلّ الجائحة وظروفها.

كان أن تحدّثنا مع عدد من الفنّانين الفلسطينيّين، ممّن يعيشون في فلسطين المحتلّة بجغرافيّتها الممزّقة، وفي بلدان الشتات، وهم: محمّد جُحا (فرنسا)، وأمير عابدي (المجر)، وإلياس عبد ربّه (بيت جالا)، وعزّة الشيخ أحمد (قطاع غزّة)، ورائد القطناني (عمّان).

 

يوم باريسيّ عاديّ

محمّد جحا

نبدأ تقريرنا من مدينة باريس، موضع إقامة الفنّان الغزّيّ محمّد جُحا، الّذي بدأ حديثه معنا بالقول: "أصحو من نومي المتقطّع أو العميق صباحًا، أرتشف قهوتي العربيّة الّتي يطغو عليها طعم الهيل البيروتيّ، ثمّ أشعل سيجارة تلو أخرى، وأسرح بذهني، وعيناي تتّجهان صوب الضوء الآتي من نافذتي البيضاء الكبيرة، الّتي تطلّ على شجرة الكستناء المخضرّة المزهرة. لا وحدة؛ لديّ أمل يجلس أمامي ويشاركني تفاصيل عزلتي ويومي، أُهاتف أصدقائي الّذين تعوّدت على لقاءاتهم المستمرّة ووجباتنا المتكرّرة، لا أحد في الحيّ ولا أصوات، الشارع خائف، لا ضوضاء ولا حتّى ضحكات الأطفال، الّتي تعلو كلّما دنوت من المدرسة الّتي تقع على بُعد أمتار من بيتي".

يضيف جُحا: "وجوم! لا شيء سوى زقزقة عصافير مُعْلِنة منتصف فصل الربيع، وحدائق ملوّنة مطمئنة. لست متفاجئًا؛ فأنا ابن جيل نشأ على صوت مكبّرات الصوت المنبعثة من جيب عسكريّ كان يطوف في شوارع حيّ الشجاعيّة، ويعلن: ممنوع التجوال حتّى إشعار آخر".

يتابع محدّثنا من حجْره الباريسيّ قائلًا: "إنّها الحادية عشرة صباحًا، يبدو صباحًا عاديًّا ككلّ الصباحات. خمسون يومًا أو يزيد، ألتقط أنفاسي المتسارعة؛ فأنا لست صبورًا بطبعي، أعدّ طعامي وساعاتي، أهرب إلى الرصيف الآخر كلّما لمحت أحدهم قادمًا نحوي، ومن المتجر الّذي تعودت الذهاب إليه كلّ سبت، آخذ ما يلزمني وأعود أدراجي... تأتي الظهيرة، دقّت ساعة العمل، أنظر إلى زاوية صالون البيت، على يمين شبّاكي الأبيض حيث لوحتي ومقصّي، أنصهر مع أقمشتي وألواني ثمّ ألصق حكاياتي قطعة… قطعة".

من أعمال الفنّان محمد جُحا خلال الحَجْر

 

فرصة لانهماك الناس بالفنون

أمير عابدي

التشكيليّ أمير عابدي، رئيس مؤسّسة "إنتركولتي لتعميق الحوار بين الثقافات"، ينبئنا من مقرّ إقامته في المجر، أنّ نشاطه على الصعيد الفنّيّ استمرّ كما هو معتاد، دون التأثّر بأزمة كورونا، قائلًا: "مبادرتكم في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة مهمّة ونادرة، لرصد أثر جائحة كورونا في الفنّانين الفلسطينيّين، لكنّي أقول لكم بصراحة إنّه لا علاقة بين الكورونا ونشاطاتي؛ لأنّني أتابع إدارة مشاريعي الثقافيّة كالمعتاد منذ سنوات؛ فبرنامجي الأسبوعيّ في الراديو ‘قصّة بدون نهاية‘ بدأته منذ عام 1999، ومشروع توثيق أعمال والدي الفنّان الرائد عبد عابدي قائم منذ عام 1996، ومؤسّسة ‘إنتركولتي لتعميق الحوار بين الثقافات‘ موجودة على الساحة الثقافيّة منذ عام 2008، وهي تواصل نشاطها كالعادة، وكذلك مشروع ‘روائع الفنّ الفلسطينيّ‘ متواصل منذ عام 2016، وربّما تفشّي الكورونا قد ساعد جمهور الفنّ على الانتباه إلى هذه المشاريع؛ فأيّام الحجْر الطويلة وما رافقها من ملل، يمكن أنّها حفّزت الناس على التركيز بتعمّق أكثر من المعتاد، على تفاصيل نشاطات المبدعين في كلّ المجتمعات".

وعن أهمّيّة الفنّ في الأزمات، أوضح عابدي أنّه "من المعروف في السيكولوجيا الحديثة أنّه يمكن أن يكون للإبداع تأثير قويّ في دماغ الإنسان المبدع، وكذلك في دماغ الّذي يتذوّق الإبداع؛ فيمكن أن يثير عرض فنّيّ أو صورة فوتوغرافيّة مشاعر قويّة وأفكارًا عميقة؛ وهو ما يحفّز الدماغ بطرق عميقة وطويلة المدى في كثير من الأحيان، بينما تؤثّر الموسيقى في الدماغ عاطفيًّا، وربّما بشكل أقوى، وربّما تحفّز المستمع على التفكير أو البكاء أو حتّى الضحك، وكلّ ردّات الفعل النفسيّة هذه - بلا شكّ - تسهم في مقاومة الاضطراب النفسيّ في هذا الزمن الموبوء".

من المشاريع الّتي يعمل عليها الفنّان أمير عابدي

ولفت عابدي إلى أنّ برنامجه في "راديو تيلوش" في العاصمة المجريّة بودابست، هو "رحلة أسبوعيّة لاستكشاف حضارات العالم الموسيقيّة، لتعريف المستمعين بموسيقى العزف المختلفة وآلاتها لدى الشعوب الأخرى. وحسب العديد من المستمعين، هو أيضًا رحلة علاج ذاتيّ، بالمفهوم الّذي ذكرته أعلاه؛ إذ إنّ نهاية المطاف دائمًا إيجابيّة".

 

ملصق فنّيّ لإنقاذ الأرواح

إلياس عبد ربّه

إلياس عبد ربّه من بيت جالا، أحد طلبة برنامج بكالوريوس "التصميم الجرافيكيّ"، في "كلّيّة دار الكلمة الجامعيّة للفنون والثقافة" في مدينة بيت لحم، صمّم ملصقًا توعويًّا عن فايروس كورونا المستجدّ بعنوان "البقاء في المنزل لإنقاذ الأرواح".

كان لنا وقفة في سياق هذا التقرير للحديث مع عبد ربّه عن منجزه البصريّ التوعويّ، سائلين إيّاه عن أهمّيّة الفنون في تعزيز الوعي الجمعيّ لمقاومة الجائحة، فقال: "يحتلّ الخطاب البصريّ مكانة مهمّة في الدراسات المرئيّة والفنّيّة؛ لأنّه فنّ تصويريّ يسخّر الصورة للتبليغ والتواصل من جهة، والتأثير في المتلقّي من جهة ثانية". وأضاف: "بالنسبة إلى أهمّيّة ملصقي، فقد استوحيت فكرته من واقع حياتنا اليوميّة، الّذي عايشناه وما زلنا في ظلّ خوف من العدوّ المجهول، إضافة إلى تداعياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والنفسيّة. وللحقيقة، فإنّ والدي شجّعني على استثمار وقتي بما أبرع به، مستلهمًا الفكرة من الواقع، وابتدأ العمل على تصميم الملصق التوعويّ، الّذي يهدف إلى الالتزام بالحجر الصحّيّ المنزليّ، علّني به أسهم في مساعدة شعبي، للوعي بأهمّيّة الوقاية، وأخذ وسائل الحماية من هذا الفايروس، كما تقول الحكمة ‘درهم وقاية خير من قنطار علاج‘، ومن خلاله أستطيع أن أنقل رسالتي بطريقة مبسّطة لتصل إلى جميع الفئات العمريّة".

الفنّان الشابّ تابع قائلًا: "كوني ابن فلسطين، ومدينة مهد المسيح بيت لحم الحبيبة، ومن مشاعري الصادقة تجاهها؛ صرت أفكّر في الإسهام ولو من خلال شيء بسيط على غرار هذا الملصق، داعيًا إلى الالتزام بالحجر المنزليّ لإنقاذ أرواح أبنائها، وليقوم كلّ واحد منّا بواجبه بالتزام، من دون أيّ خلل"؛ مبيّنًا أنّ "هذا الملصق التوعويّ جاء في وقت نحتاج فيه إلى زيادة الوعي، والأخذ بوسائل الحيطة والحذر، وتكاتف الجهود للالتزام بتعليمات الطواقم الطبّيّة وإرشادات ‘منظّمة الصحّة العالميّة‘، لِما فيه من منفعة للشعب كافّة".

 

تصميم الفنّان إلياس عبد ربّه

 

عبد ربّه ختم حديثه معنا بالقول: "من هنا؛ أجد نفسي قد قمت بتجربة جريئة لتطوير ذاتي في مجال التصميم، ليكون بادرة خير تزيد نسبة الوعي بما يحيط بنا من مخاطر وأهوال، خاصّة في زمن التطوّر الإعلاميّ والتكنولوجيّ، الّذي أضحى نبراسًا لكلّ ثقافة وعلم؛ فتزدهر به البلاد، وتتطوّر العقول، لتدوم الإنسانيّة بدوام الوعي والمعرفة".

 

"على طريق القدس"

عزّة الشيخ أحمد

في قطاع غزّة المحاصر، أطلقت مؤسّسة "رواسي فلسطين للثقافة والفنون والإعلام"، في 15 أيّار (مايو) الحاليّ، “المهرجان الدوليّ السادس للفنّ التشكيليّ المعاصر”، تحت شعار “على طريق القدس". وتُعَدّ هذه الفعاليّة الّتي تأتي في الذكرى الثانية والسبعين للنكبة، أضخم تظاهرة رقميّة فنّيّة دوليّة، لإثراء الحركة الفنّيّة التشكيليّة المناصرة للقضيّة الفلسطينيّة، وفقًا لِما ذكر بيان صادر عن المؤسّسة الراعية للمهرجان.

شارك في الفعاليّة عدد كبير من الفنّانين التشكيليّين، من فلسطين ودول عربيّة وإسلاميّة. ومن بين المشاركات في المهرجان الفنّانة الشابّة الغزّيّة عزّة الشيخ أحمد، الّتي تواصلنا معها، فقالت حول مشاركتها: "جرى إحياء ذكرى النكبة الـ 72 بمشاركة محلّيّة من قطاع غزّة، ومن دول عربيّة ودوليّة، في هذا الحدث الإلكترونيّ الأضخم على المستوى الدوليّ؛ إذ تمثّل هذا الحدث بمشاركة أكثر من 300 فنّان وفنّانة من الوطن العربيّ والعالم الإسلاميّ، حملت أعمالهم هموم القضيّة الفلسطينيّة".

وتضيف الشيخ أحمد: "شاركت في عمل فنّيّ واحد، هو لوحة لفتاة جميلة ذات شعر أسود حالك، مثّلت بالنسبة إليّ فلسطين، الّتي أردتها حاضنة للمعالم الإسلاميّة والمسيحيّة على حدّ سواء، في حلم يرنو إلى العودة يومًا ما؛ فنحن الجيل الّذي سمع ولم يشاهد، ومع ذلك لا ننسى حكايات أجدادنا عن تراب الوطن، ولربّما هذا الحجْر أتى ليجبرنا على الهدوء والتأمّل والتفكّر، ومن ثَمّ الإنتاج بغزارة لأعمال ملوّنة وبالأبيض والأسود؛ وبهذا فإنّ كلّ ما يخالج النفس يُتَرْجَم إلى أعمال ستوثّق ذكرى زمن الكورونا".

 

لوحة عزّة الشيخ المشاركة في "المهرجان الدوليّ السادس للفنّ التشكيليّ المعاصر"

 

وفي سؤالنا عن يوميّاتها في زمن الحجْر المنزليّ، أفادت الشيخ أحمد: "أحبّ أن أبدأ النهار من أوّله، الصلاة ثمّ التسبيح، بعدها أجلس في الشرفة أرقب المكان من حولي، لحظات من الهدوء والجلوس مع النفس، ثمّ أبدأ الحركة في أرجاء المنزل، من أجل الترتيب وإنهاء الأعمال المنزليّة. عقب ذلك تكون عزلتي بين لوحاتي وأقلامي وألواني وأوراقي، أعمل على بعض الإسكتشات والتجارب، منها ما يفشل ومنها ما ينجح؛ فتكون النتيجة معرضًا صغيرًا يشعرني بنشوة وفخر وأنا أرقب ثمرة مجهودي. وحينما أشعر بالملل أخرج من غرفتي، لأشاهد الفضاء مرّة أخرى، وكأنّني أخزّن طاقة جديدة لأعود وأكمل ما بدأت. وأنشر تلك الأعمال عبر موقعَي التواصل الاجتماعيّ إنستغرام وفيسبوك؛ وهذا له أثر إيجابيّ في تشجيعي على الاستمرار".

تنهي الفنّانة الشابّة الغزّيّة حديثها معنا قائلة: "هدفي الكبير حفر اسمي بين كبار الفنّانين الفلسطينيّين، وإن كان الأمر في منتهى الصعوبة".

 

اجتراح حلول إبداعيّة

رائد القطناني

من العاصمة الأردنيّة عمّان، كانت نهاية تقريرنا مع التشكيليّ رائد القطناني، الّذي قال لنا: "غالبًا تكون الأزمات حافزًا على التغيير؛ ففي كلّ مناحي الحياة نحتاج إلى بعض الهزّات العنيفة نوعًا ما، لتدفعنا إلى تغيير الشكل النمطيّ الرتيب في حياتنا. والفنّان ليس استثناء عن تلك القاعدة؛ فهو يحتاج إلى التغيير ليجدّد ويغيّر من شكل حياته، حتّى يستطيع تحديث نفسه ليُنتج على نحو أفضل، وليقدّم جديده الإبداعيّ بإطار مختلف، ونحن هنا نتحدّث بعامّة عن الحوافز والتغييرات الإيجابيّة، ولكن... ماذا لو كان هذا التغيير على شكل جائحة، ومن الممكن أن تتحوّل إلى شكل من أشكال الموت؟ هل نحن حقًّا في بيئة ومناخ صالحَين للإبداع؟ وهل هذا الموت المحيط بنا يسمح لنا أن نتحدّى أنفسنا لنُنجز الجمال، ونعبّر عن الحياة بشكل أفضل؟ نحن مضطرّون إلى دعوة أنفسنا بشكل أو بآخر لأن نتأقلم، بل لنجد أيضًا حلولًا إبداعيّة مختلفة".

يحدّثنا القطناني عن تجربته في خوض غمار الحجر الصحّيّ المنزليّ بإيجاز، قائلًا: "بالنسبة إليّ، بصفتي فنّانًا يعمل في المنزل منذ أكثر من ثماني سنوات، فإنّني أعيش بالفعل حالة الحجر الصحّيّ المنزليّ منذ زمن طويل، ولم يتغيّر عليّ شيء سوى أنّني أعيش حالة حجر إلزاميّ مع أولادي الأربعة؛ فلا مدارس ولا أندية، ولا أيّ نشاط خارجيّ للأولاد، وكان لا بدّ من إيجاد وسائل مختلفة لي لتغيير المناخ المعتاد؛ لأنجز أعمالي الفنّيّة بطريقة لا تؤثّر في منزلي".

 

من أعمال الفنّان رائد قطناني خلال الحجْر

 

محدّثنا يكشف أنّه استفاد كثيرًا من هذا الحظر، قائلًا: "تدرّبت أنا وأولادي على أنماط جديدة من التدريب والتعليم عن بُعد. ولأنّي مدرّس سابق لمناهج الفنون في معاهد وكلّيّات عدّة؛ فقد استفدت في نقل تجربتي الفنّيّة والتدريبيّة، عبر العديد من المحاضرات الّتي قدّمتها بواسطة منصّات إلكترونيّة مختلفة تهتمّ بالجانب التراثيّ الفلسطينيّ، الّذي يشكّل أساسًا لمواضيع أعمالي الفنّيّة. كذلك تقديم بعض المحاضرات وإتمامها، تلك الّتي كنت قد بدأت بها مع طلّابي قبل الحظر، في تقنيّات الرسم بشكل عام. خلاصة القول: قد يكون بعض المحن مِنَحًا كبرى لنا، وبعض الشدائد اختبارات لنا لنتجدّد ونجدّد".

 

 

أوس يعقوب

 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في 'أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين' الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو).

 

 

تعليقات Facebook