غرافيتي «حارة التيامنة»، تخريب أم إعادة إنتاج للمكان بصريًّا؟

من رسومات مشروع «فنّ الطريق 2» في «حارة التيامنة» الدمشقيّة

 

الغرافيتي نمط من أنماط الرسم، أدواته بخّاخ، وحديثًا ريشة، حسب ما يراه الفنّان بمفرده، ملائمًا للموضوع أو فكرة المادّة الّتي يريد الجمهور أن يراها. اكتسح هذا النمط شوارع أوروبّا، ومنها انتشر إلى بقيّة دول العالم، وهو لا يتّخذ أرضيّة من نوع معيّن، أيّ زاوية من أيّ شارع أو مبنًى هي أرضيّة للرسومات، مع تجنّب غالبًا للأثريّ والتاريخيّ ذي القيمة.

يتّخذ الغرافيتي من جدران أبنية المدن الحديثة وجسورها، ووسائل النقل العامّة، يتّخذ فيها ملعبًا لرسّاميه؛ لكي يعبّروا من خلال جداريّات عن فكرة، إمّا سياسيّة وإمّا اجتماعيّة وإمّا صحّيّة، أو حتّى لطرح مواضيع كالهويّة والانتماء والعنصريّة الثقافيّة والتمييز العرقيّ والحرّيّات وغيرها. ويفترض رسّام الغرافيتي أنّ الرسائل الّتي يطرحها على الجدران ذات علاقة بتمكين المشاهدين، وحثّهم على فعل يتجاوز من خلاله قضيّة رأي عامّ محلّيّة أو عالميّة.

 

إضاءة تاريخيّة

منذ آلاف السنين، أثار الغرافيتي مجموعة من الأسئلة الّتي ما زال بعضها يتكرّر اليوم، ولا سيّما تلك الّتي تروي العلاقة بين أسلوب التعبير هذا والسلطة، والعلاقة بينه وروح المدينة، وما إذا كان هذا الفعل فنًّا أو تخريبًا.

تطوّر الغرافيتي ليشمل رسائل توعية، ضمن ما يمكن تسميته «الثقافة البصريّة الثانويّة - Visual Subculture»، الّتي ترسم خيوطًا بين مستوى العلاقات الاجتماعيّة داخل المدينة ومستوى الإيديولوجيا الّذي يحاول فنّان الغرافيتي أن يُظهره عبر الرسومات...

بالعودة إلى تاريخ الغرافيتي، فإنّ الرومان استخدموا الجدران العامّة لنقل رسائل عبر النحت، من ضمنها إعلان فوز الأقوياء من المصارعين، والاحتفاء بأمجاد الأباطرة وغيرهم. أمّا في الحضارة الهنديّة، فقد كان الرسم على الجدران مسخّرًا لرسم التعويذات السحريّة، الّتي يُعْتَقَد أنّها تقي المدن من الشرور والكوارث الطبيعيّة، وكان يشارك فيه أيّ شخص من المجتمع آنذاك؛ إذ لم يكن مقتصرًا على النخبة. وفي الحضارة اليونانيّة، كان الغرافيتي يعبّر عن الحبّ وتصوير العلاقات بين العاشقين، ضمن جداريّات تجسّد العلاقة على أنّها «إلهيّة»، بين «الإله العاشق» و«الفتاة الدنيويّة المعشوقة»، بالإضافة إلى رموز تحوي دلالات وشعارات سياسيّة وعسكريّة مثل تلك الّتي تشير إلى كلّ إله حامٍ للبلاد، أو رموز لكلّ إله كالحرب والبحر والشمس وغيرها.

عدّ بلوتارك، الناقد والفيلسوف اليونانيّ، أنّ الغرافيتي فنّ عبثيّ لا طائل منه. وجاءت هذه الفكرة بعد أن اجتاح غزاة «الفاندالز - Vandals» أوروبّا في القرن الخامس الميلاديّ، وعاثوا فيها فسادًا، ليتمّ لاحقًا نحت مصطلح «Vandalism» الّذي يعني «التخريب والتشويه»، كصرخة في وجه تشويه الأبنية والممتلكات بالرسومات والألوان أثناء الثورة الفرنسيّة، وبالتالي فقد عَدّ البعض الغرافيتي من ضروب التخريب الّتي طالت معالم المدن الفرنسيّة. هذا الرأي يذهب إلى أنّ رسومات الغرافيتي الّتي انتشرت في فرنسا حينذاك لم تحمل أيّ هدف، أو أيّ مغزًى سياسيّ أو ثقافيّ أو اجتماعيّ، بل كان استفزازيًّا للفرنسيّين أنفسهم، ومن هنا جاءت فكرة توسيمه على أنّه «تشويه ­- Vandalization» لصورة الأبنية التاريخيّة والأثريّة الفرنسيّة.

حديثًا، تطوّر الغرافيتي ليشمل رسائل توعية، ضمن ما يمكن تسميته «الثقافة البصريّة الثانويّة - Visual Subculture»، الّتي ترسم خيوطًا بين مستوى العلاقات الاجتماعيّة داخل المدينة ومستوى الإيديولوجيا الّذي يحاول فنّان الغرافيتي أن يُظهره عبر الرسومات.

 

تجريم القانون

يطرح الغرافيتي سؤال الملكيّة والحقّ في استخدام المكان؛ لأنّه يفتح الباب لترويج مؤسّسة أو منظّمة، أو حتّى اسم شخص في حدّ ذاته، وهو من وجهة نظر مؤسّسة القانون يمثّل اعتداء على الملكيّة، الّتي لا يحقّ استخدامها لأيّ غرض. ما يقوم به رسّامو الغرافيتي ليس قانونيًّا وفق ذلك، فهم لا يمتثلون في ترويج أفكارهم لأيّ قانون يجرّم الغرافيتي.

 

 

في بريطانيا، تندرج العقوبات الخاصّة بالغرافيتي ضمن القانون الجنائيّ، تحت البند الأوّل من مادّة الضرر الجنائيّ رقم 1971، الّتي تقضي بالسجن لمدّة أقصاها 10 سنوات، في حال التخريب أو التشويه لأيٍّ من الممتلكات العامّة أو ممتلكات الغير.

قوانين تجريم الغرافيتي دفعت فنّانيه إلى التخفّي خوفًا من الملاحقة القانونيّة أو المجتمعيّة، سواء بالعمل بعيدًا عن الرقابة أو الإفلات عبر التوقيع باسم وهميّ، كما يفعل «بانكسي - Banksy»، أبرز الغرافيتيّين في الوقت الحاضر، لكي يتجنّب الملاحقة الأمنيّة والغرامات، أو حتّى التوبيخ من المجتمع المحلّيّ أو الدوليّ؛ وإن كان فنّه يصل إلى الملايين حول العالم، ومنهم فقط نحو 11 مليونًا على «إنستغرام» وحده. ومن ثَمّ فعلى الرغم من أنّ المحتوى الخاصّ بالغرافيتي هادف وملهم، إلّا أنّ العقوبة واحدة ما دام لا يمكن ترجمته وتنظيمه ضمن مؤسّسات أعمال الفنّ التقليديّ؛ الأمر الّذي دفع ثلّة قليلة فقط من الرسّامين إلى طرح أعمالهم تحت قيود شُرطيّة شديدة.

 

متى يكون إعادة إنتاج؟

منذ ستّينات القرن الماضي، ظهرت موجات جديدة للغرافيتي، قائمة على استخدام البخّاخ (Spray) والألوان الشديدة الحدّة، لتشكّل في أساسها رسائل زمانيّة ومكانيّة، تعتمد في غالبها على رسوم أشبه بالكرتونيّة. ويرى الكثيرون من رسّامي الغرافيتي أنّ هذا النمط يمثّل إعادة إنتاج الصورة أو المشهد العامّ الحضريّ، بطريقة تجعل المشاهد يبتعد عن الصورة التقليديّة الّتي زُرِعَت في رأسه عن المكان؛ إلّا أنّ الصورة الّتي يُنْتَج المكان فيها قد لا تروق بصر المتفرّج. من جدران الأبنية العالية في العواصم العالميّة، إلى أسوار الحدائق العامّة، إلى إشارات المرور، إلى جدران البيوت الخاصّة، كلّها أماكن يرى فيها رسّام الغرافيتي مجالًا لإبداء رأيه، ومسرحًا لإثارة فكرة في مخيّلته.

يخرج الغرافيتي هنا من وصفه أداة لتغيير المكان والمجال العامّ وإعادة الإنتاج، إلى إطار التفريغ الذاتيّ الّذي قد لا يمثّل إلّا تصوّر الرسّام أو تعبير فريقه. تقودنا سيكولوجيا التعامل مع العموميّ على أنّه خصوصيّ إلى الحديث عن السعي وراء الشهرة، وخاصّة إذا كانت في سياق اجتماعيّ أو ثقافيّ أو حتّى سياسيّ مضطرب؛ إذ يسعى رسّامو الغرافيتي إلى التصرّف بالمجال العامّ كأنّه مرسم خاصّ، دون الاكتراث برأي العامّة. يحتكم الغرافيتي إلى الذائقة الفنّيّة لدى الجمهور، بمعنى أنّ الجمهور الّذي يرى من المعمار أساسًا قائمًا لأيّ حضارة أو مشهد جماليّ، لا يرضى بأيّ رسم أو إضافة على البناء.

أثار المشروع حفيظة أهالي الحيّ بخاصّة والدمشقيّين بعامّة، ولا سيّما أنّ الرسوم الّتي أُظْهِرت بداية المشروع لا تعكس أيّ طابع فنّيّ، ولا يمكن تسميتها حتّى «فنّ شارع»، إذا ما دقّقنا في المفهوم المبنيّ على القدرة على خلق تواصل نصّيّ وبصريّ...

يأتي هنا رأي المهندسين المعماريّين في تقييم هذا النمط من الرسم، من ناحية التفريق بين القدرة على استدامة البناء ومتانته، وبين المظهر الحسن الّذي تبدو عليه المدينة بعد عمل الغرافيتي، إذا ما قلنا إنّ النسق المعماريّ المؤسَّس عليه البناء قد يشجّع الرسّامين على الاعتداء على المكان وصنع الغرافيتي، سواء من ناحية المساحة الفارغة أو المكان أو الزمان.

 

ماذا حدث في دمشق؟

في كانون الأوّل (ديسمبر) المنصرم، باشر غاليري الفنّان السوريّ مصطفى علي، بأعمال رسم على جدران «حارة التيامنة» الواقعة في مدينة دمشق القديمة، ضمن ملتقى «فنّ الطريق 2»، وإن كانت الحارة لا تقع داخل السور، حسب التصنيفات الدمشقيّة المحلّيّة - خارج السور وداخل السور - ولا تندرج ضمن قائمة مواقع التراث العالميّ في حسابات «اليونيسكو»، إذا ما قلنا إنّ الجزء القديم الّذي أُنْشِئ في 4300 قبل الميلاد، هو الجزء المصنّف ضمن عشر مدن قديمة مأهولة حتّى اليوم؛ إلّا أنّ وجود هذه الحارة على مشارف سور «قلعة دمشق» من ناحية «باب مصلى» الأثريّ، وقدمها أساسًا، يضيفان إليها طابعًا أثريًّا لا يمكن تجاهله أو التعدّي عليه. ووجودها خارج سور «قلعة دمشق» لا يقلّل من أثريّتها، ولا سيّما أنّ «حارة التيامنة» الدمشقيّة - مثلها مثل «حيّ ساروجا» و«القصاع» و«العمارة» و«الشاغور» وغيرها - تعود معالمها إلى عام 12 ميلاديّ؛ أي أنّ نحو 2000 عام مدّة كفيلة بأن تمنح خصوصيّة بالغة للمكان، ولا سيّما في ظلّ وجود مجموعة من الكنائس والمساجد والبيوت الأثريّة.

أثار المشروع حفيظة أهالي الحيّ بخاصّة والدمشقيّين بعامّة، ولا سيّما أنّ الرسوم الّتي أُظْهِرت بداية المشروع لا تعكس أيّ طابع فنّيّ، ولا يمكن تسميتها حتّى «فنّ شارع»، إذا ما دقّقنا في المفهوم المبنيّ على القدرة على خلق تواصل نصّيّ وبصريّ، بين الألوان والأشكال وبين المتفرّج. أهمّ ما يمكن أن نقوله إنّ القائمين على المشروع غفلوا عن فكرة عدم خضوع فنّ الشارع لرأي لجان التحكيم التقليديّة، الّتي تقيّم أيّ عمل فنّيّ مفرد أو جماعيّ. لا يحتكم فنّ الشارع إلى معايير التقييم الّتي تقرّها المؤسّسة الفنّيّة، أي أنّه ليس مؤسّساتيًّا من ناحية الدعم الفنّيّ والتقييم، ولا يوجد مؤسّسة تتبنّى الفنّ وتحكم عليه. استنادًا إلى قول لاشمان في الحديث عن الغرافيتي وفنّ الشارع، فإنّ المهتمّين بفنّ الشارع طوّروا معايير كيفيّة خاصّة بهم، تمكّنهم من تمييز فنّ الشارع عن غيره، ضمن شروط جماليّة معيّنة، يجري تطويرها فقط ضمن جوّهم العامّ.

 

 

ما روجّه مصطفى علي في مقابلاته خلال الأسابيع الأخيرة، ضاربًا عرض الحائط بالرأي العامّ، أنّ الجمهور ليسوا لجانًا تحكيميّة، يتنافى مع ما جاء في الأدبيّات والدراسات حول فنّ الشارع، ومن ضمنه الغرافيتي، وخاصّة أنّ المشروع الّذي يقوم به برفقة مجموعة رسّامين، ونركّز على أنّهم ليسوا فنّاني شارع، ومجموعة نحّاتين، يستهدف أهالي «حارة التيامنة» وزوّارها.

ما يمكن إخضاعه للجان التحكيم هو المعارض الفنّيّة واللوحات والمنحوتات، الفرديّة أو الجماعيّة على حدّ سواء، ضمن معايير المدارس الفنّيّة التقليديّة والمؤسّسات الفنّيّة ودور العرض العالميّة. يعكس ردّ فعل مصطفى علي والمدافعين عن المشروع، وإن كان في مراحله الأولى، الفراغ الحاصل بين الجمهور والمشروع، وعلى مستوًى أعمق، فراغ روح الشارع من أيّ قدرة على تغيير واقع، يفرضه صاحب المشروع ومختار «حارة التيامنة» وغيره.

أمّا عن قدرة الفريق على الاستمرار، فإنّ اختيار أيّ شارع أو أسوار حديثة، سواء لمدارس أو منشآت حكوميّة أو إدارات ومؤسّسات مدنيّة - غير بيوت أهالي الحيّ ومحلّاتهم - كان كفيلًا بدرء موجة الغضب الشعبيّ الحاصل في دمشق، وعلى منصّات التواصل الاجتماعيّ بشكل عامّ.

 

الجمهور

كان من الممكن تفادي الصدام مع الجمهور الدمشقيّ غالبًا، ومن ثَمّ جمهور التواصل الاجتماعيّ، عبر ترويج فكرة المشروع، قبل البدء بأعماله على أرض الواقع وفرضه على الجمهور، في خطوة أشبه باحتكار الجدران وإن كانت «آيلة للسقوط»، وتوظيفها لخدمة غاليري معيّن. وبحكم الإرث الدمشقيّ ذي الصلة بالموزاييك والفسيفساء، فإنّ فكرة إعادة إنتاج المكان عبر تصميم فسيفساء ومنمنمات أقرب إلى عيون الدمشقيّين يوفّر كثيرًا من الجدل والإشكاليّات.

يمكن القول إنّ استدامة لوحات الشارع تتطلّب جهدًا عاليًا، من حيث استخدام الموضوع والفكرة والرسالة، وهو ما تعوزه رسومات المشروع في محيط أقدم مدينة مأهولة في التاريخ...

أمّا نوعيّة الموادّ المستخدمة، فإنّ الصور الّتي انتشرت كانت الألوان فيها أقرب إلى الباهتة والخفيفة، الّتي لا تغطّي المساحة المكانيّة بشكل فنّيّ، بينما فنّ الشارع يستلزم استخدام ألوان ذات حدّة عالية. إنّ أهمّ ما يمكن ابتداعه في هذه الحال رسم لوحة واحدة على عرض الجدار الواحد، لا لوحات عدّة؛ وفي ذلك فوضى بصريّة للمتفرّجين. وإضافة إلى هذا، كان يمكن الاستعاضة بجداريّات من الخيش Canvas، على أنّها مستخدمة في فنّ الشارع، بحيث تضمن سلامة الجدران، وسلامة الذوق البصريّ لدى المتفرّجين. يمكن القول إنّ استدامة لوحات الشارع تتطلّب جهدًا عاليًا، من حيث استخدام الموضوع والفكرة والرسالة، وهو ما تعوزه رسومات المشروع في محيط أقدم مدينة مأهولة في التاريخ.

..........

مراجع

* Lachmann, R. (1988). Graffiti as career and ideology. American journal of sociology, 94(2), 229-250.

* Wu, H., & Li, G. (2020). Visual communication design elements of Internet of Things based on cloud computing applied in graffiti art schema. Soft Computing, 24(11), 8077-8086.

* Ellsworth-Jones, W. (2013). Banksy: The man behind the wall. St. Martin's Press.

* Hansen, S., & Danny, F. (2015). ‘This is not a Banksy!’: street art as aesthetic protest. Continuum, 29(6), 898-912.

* Meskell, L. (2015). Gridlock: UNESCO, global conflict and failed ambitions. World Archaeology, 47(2), 225-238.

 

 

مهيب الرفاعي

 

 

كاتب وصحافيّ وباحث سوريّ في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، حائز على ماجستير "الترجمة التحريريّة" من "جامعة دمشق". عمل مترجمًا في "مجلّة جامعة دمشق"، ومدرّسًا للغة الإنجليزيّة لغير المتخصّصين في كلّيّات "جامعة دمشق"، وتنصبّ اهتماماته البحثيّة في قضايا الإعلام، والسياسة، والصحافة العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook