سمر حزبون... صورةٌ ترمّم الذّاكرة

'أختار المواضيع الّتي أريد تصويرها وفق فضولي تجاهها، أحاول من خلال الكاميرا أن أجد أجوبة للأسئلة في بالي.' هذا ما يحفّز سمر حزبون، المصوّرة الفلسطينيّة، لتضغط زرّ كاميرتها وتصوّر، فالجانب التّفاعليّ في أعمالها مهمّ بالنّسبة لها.

إنّ التّصوير الوثائقيّ، وبالرّغم من أهمّيّته، لا يترك مجالًا كبيرًا للمصوّر حتّى يعبّر أو يطرح مواضيع تهمّه، ونحن كثيرًا ما نجد مصوّري حروب ومصوّرين وثائقيّين على الجبهات الأماميّة، يواجهون الغاز المسيل للدّموع والرّصاص، المطّاطي منه والحيّ، لكنّنا قليلًا ما نجد مصوّرين يتناولون الحكاية على مستوًى يطرح عمقًا آخر، يختلف عن المستوى التّوثيقيّ المحض لما يحدث من حولنا.

لغة تعبير

بالرّغم من أنّ بدايات التّصوير كان هدفها خلق أداة لـ 'نسخ' الواقع بطريقة مثاليّة ودقيقة أكثر من الرّسم، إلّا أنّه سرعان ما تطوّر إلى مجالات أخرى فنّيّة، وحتّى علميّة، وسمر تستخدمه اليوم ليس فقط ريشة ترسم الواقع بدقّة، بل لغة تعبير تحكي موقفًا واضحًا إزاء ما يحدث حولها.

بنظرة سريعة لأعمال سمر، بإمكانك أن تلاحظ حسًّا جماليًّا  عاليًا؛ التّفاصيل واضحة، الإضاءة مميّزة وهادئة، تمسح الصّورة من الزّاوية للأخرى، والألوان غنيّة، تحاكي، ربّما، عالمًا خياليًّا أو يوتوبيا خصبة في مخيّلة سمر، تشاركنا إيّاها من خلال عدسة كاميرتها، فبغضّ النّظر عن الموضوع الّذي تتناوله سلسلة الصّور، فإنّ دائما الخيال والحلم يسيطران دائمًا في صورها.

ولادةٌ على الحاجز

'إنّ العرض البصريّ لفلسطين ضعيف نسبيًّا.' تقول سمر عن المشاهد الّتي تصف فلسطين، والّتي إمّا تندرج في خانة الاحتلال فقط، أو تكون رموزًا وصورًا تحوّلت إلى كليشيهات مستنزفة، إذ أصبح جزء كبير من الصّور الّتي تتحدّث عن فلسطين يُعرض بالمنظور المباشر، أو بالمنظور الاحتلاليّ.

إنّ إجحاف الاحتلال، مثلًا، يتجسّد بأبشع صوره بالتّفاصيل الصّغيرة اليوميّة، الّتي لا يتناولها الإعلام وصور الصّحافيّين، مثل قصّة النّساء اللّواتي لم يستطعن الوصول خلال الانتفاضة الثّانية للمستشفيات بسبب منعهنّ من العبور على الحواجز، فولدن أطفالهنّ على تلك الحواجز، وقد فقدت الكثير منهنّ أطفالهنّ بسبب حالات اختناق وعدم وجود طبيب للمساعدة، لذلك تجول سمر في الضّفّة بسلسلتها، 'وراء الحواجز'، باحثة عن هؤلاء النّساء لتصوّرهنّ، فتطلب منهنّ أن يعرضن لها الشّيء الّذي يذكّرهن أكثر من غيره بحادثة الولادة على الحاجز، فتعرض واحدة شهادة وفاة، وأخرى تعرض السّروال الأبيض و'الفانيلّة' البيضاء اللّذين كانا من المفترض أن تُلبسهما لرضيعها فور ولادته، لولا أنّ جنود الحاجز حالوا دون ذلك…

استرجاع

في مشروعها الحاليّ، 'الماضي المحفوظ'، تعمل سمر على إعادة التقاط صور للاجئين سوريّين، صور حرمتهم ويلات الحرب من إمكانيّة الحفاظ عليها، فتتوجّه سمر للّاجئين، تسألهم عن أكثر صورة يحبّونها التُقِطَتْ لهم ولم يتمكّنوا من إحضارها معهم، إمّا لأنّ ركام البيت غطّاها، أو لأنّ المهرّب أجبرهم على التّخلّص من حقائبهم وسائر ممتلاكتهم.

تسجّل سمر بدقّة وحذر، لون الحائط، لون ومكان السّتائر، شكل الطّاولة، مكان الزّهور، وكلّ ما استطاع اللّاجئ أن يتذكّره من تلك الصّورة الّتي لم تعد موجودة، لتقوم هي باسترجاع المكان كما يتذكّره صاحب الصّورة وتصوّره فيه، لتُسعده أوّلًا، ولتذكّرنا وتذكّر العالم أنّ للّاجئ قصّة أخرى يحكيها، وهويّة أخرى وماضيًا، كما يملك كلٌّ منّا ماضٍ مختلف تميّزه مشاهد مختلفة، فاللّاجئ بالرّغم من أنّ اللّجوء يعبّر عن مكانه ووضعه الحاليّ، إلّا أنّ هذا لا يلغي قصّته الشّخصيّة، فهو لا يريد أن يرى نفسه لاجئًا، أو تحت تسمية عامّة توحّده وتوحّد قصّته مع آلاف النّاس الّذين يحمل كلٌّ منهم قصّة مختلفة وصورًا مختلفة.

شُبّاك أمل

قد تكون أفضليّة الفنّ، وبالأخصّ التّصوير، على غيره من اللّغات وطرق التّعبير، أنّ النّاس حول العالم بإمكانهم أن يتواصلوا معه ومع أشكاله البصريّة وألوانه، دون خلفيّة ثقافيّة معيّنة، فيصبح لغة سهلة تحاكي جميع النّاس، وأظنّ، وقد يخالفني الكثيرون، أنّ على الصّورة أن تكون جميلة لتحكي، وعليها، حتّى تسمح للنّاس بأن يتواصلوا معها، أن 'تُشْبِعَ العَين'، فتخلق اهتمامًا بمضمونها، وتتيح لأيّ شخص كان، بغضّ النّظر عن مخزونه الثّقافيّ أو الفنّيّ، بأن يتفاعل معها ويتذكّرها؛ وأعمال سمر جميلة دون شكّ، تُغْني العين والعقل.

بالإمكان القول إنّ أعمال سمر حزبون شُبّاك أمل لجيل مصوّرين وفنّانين شباب، بمقدورهم استخدام الكاميرا لغةَ تعبيرٍ تشكّل صورهم نورًا يضيء على قضايانا من جوانب أخرى، كانت لا تزال مظلمة حتّى ذلك الحين.

 

تعليقات Facebook