"بلا سقف": اختبار الحياة في دقائق

من فيلم "بلا سقف" لسينا سليمي

 

في الحرب التي شنّها الاحتلال الإسرائيليّ على غزّة عام 2014، استخدم الجيش الإسرائيلي تكتيكًا دعائيًّا في قصفه للأحياء السكنيّة الفلسطينيّة في القطاع المحاصر، إذ اتّصل جنوده بهواتف بعض سكّان القطاع لإبلاغهم بضرورة مغادرة بيوتهم خلال خمس دقائق، قبل أن تُقصف بصواريخ تحذيريّة، وصواريخ مدمّرة هدمت أحياء بأكملها على رؤوس سكّانها، بتحذير ومن دون تحذير.

هاجم الاحتلال الإسرائيليّ على مدار أيّام الحرب 1653 منزلًا، دمّر منها 240 بشكل كلّيّ، و1413 بشكل جزئيّ، في حرب غير متكافئة خاضتها الآلة العسكريّة الاحتلاليّة ضدّ السكّان المحاصرين، أدّت إلى مقتل 1400 منهم.

خمس دقائق

من بين كلّ لحظات الرعب التي عاشها سكّان القطاع على مدار أيّام الحرب التي استمرّت من 8 تمّوز (يوليو) حتّى 5 أب (أغسطس)، اختار المخرج سينا سليمي، والكاتب لوكاس أبراهاو، لحظة دراماتيكيّة مهمّة من زمن رعب الحرب الطويل، لينسجا منها حكاية واقعيّة عاشها كثيرون، ويقدّماها على مدار 12 دقيقة، زمن الفيلم الأستونيّ القصير، "بلا سقف" (2016)، الذي تدور أحداثه في الدقائق الخمس، منذ تلقّي ربّة منزل، منتصف نهار شهر رمضان، مكالمة تليفونيّة تحذّرها من أنّ المنزل سيُقصف بعد 5 دقائق.

 

 

في الفيلم الحاصل على جائزة "يوسف شاهين" من مهرجان القاهرة السينمائيّ الدوليّ بدورته التاسعة والثلاثين، والمشارك حاليًّا في الدورة الثالثة من "مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام 2018"، تتصاعد الأحداث الدراميّة، ضمن واحدة من أكثر اللحظات اختبارًا في حياة الإنسان لما هو أغلى لديه في الحياة، ليحاول إنقاذه في هذه الدقائق الخمس المتبقّية، قبل أن يتحوّل البيت إلى ركام.

حرب في الذاكرة

وبأداء عالٍ للمثّلة سميرة الأسير، يختار المخرج خفض إيقاع الفيلم بشكل مفاجئ في مشهده الأخير، وينقل لحظات الحرب تلك إلى مخيّلة ربّة المنزل؛ حرب تعيش في ذاكرتها كما تعيش في ذاكرة مَنْ عاشوا أحداثها، وأحداث حروب غير عادلة تُخاض ضدّهم كلّ عدّة سنوات.

شرّدت حروب إسرائيل على قطاع غزّة آلاف الفلسطينيّين، لا يزال كثير منهم يعيش في بيوت متنقّلة حتّى اليوم، في منطقة جغرافيّة تُعَدّ من أكثر مناطق العالم كثافة سكّانيّة، ومحاصرة منذ سنوات، ويُمنع إدخال الكثير من الموادّ الأساسيّة إليها، كموادّ البناء والوقود.

ذكاء الالتقاط

استطاع الفيلم القصير التقاط لحظة خاصّة في الحياة، وتحويلها بذكاء إلى لحظة سينمائيّة، إذ يسترجع واحدة من أكثر لحظات الخوف، والارتباك، والوجع الخاصّة التي عاشها سكّان المئات من البيوت التي دُمّرت، وواحدة من أكثر الأوقات العصيبة التي عاشوها، لحظة كان عليهم أن يقرّروا فيها خلال دقائق معدودة اختيار ما هو أغلى ما في حياتهم داخل منازلهم قبل ترك ما تبقّى من ذاكرتهم وما بنوه خلال حياتهم، للركام.

 

 

نجح مخرج الفيلم في سرد الحكاية بتحدّي الزمن القصير، كما نجح ومدير تصويره في بناء مشهديّة جميلة في موقع تصوير واحد، هو المنزل الذي تلقّى المكالمة المفترضة، تلك المكالمة التي حال خفض إيقاع مشهد الفيلم الأخير دون فهم ما إن كانت مكالمة حقيقيّة، أو تخيّلتها الزوجة التي تلقّتها قبل أن تجلس إلى مائدة إفطار الخامس عشر من رمضان مع زوجها وطفلتها.

 

مهنّد صلاحات

 

صحافيّ وصانع أفلام فلسطينيّ يقيم في ستوكهولم. يعمل مخرجًا ومنتجًا مستقلًّا مع عدد من الشركات السويديّة، والأوروبيّة، والعربيّة في مجال الإعلام وصناعة الأفلام. كتب عددًا من سيناريوهات الأفلام الروائيّة والوثائقيّة، بالإضافة إلى مسلسلات تلفزيونيّة.

 

 

تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ خاصّ حول مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام 2018.

 

تعليقات Facebook