فيلم "تيشو": عن الحشرات التي تتلوّى في بطوننا

من فيلم "تيشو"

 

فيلم الأنميشين القصير، "تيشو" (2017)، للمخرجة المكسيكيّة أدريانا روكيا، الذي شاهدته ضمن مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام بدورته الثالثة، لا يقول قصّة شخص أو جغرافيا أو مجتمع، بل قصّة كوكب بأكمله؛ كوكب الأرض الذي نعيش فيه "من قلّة الموت"، كما يقولون، في تعبير عن التشابه الفظيع بين حياة تتهالك، كهذه، والموت الفعليّ. قصّة قاسية أقرب إلى أن تكون مرثيّة من صور متتابعة ومتراصّة، لكوكب يتهالك بسرعة أكبر من قدرة واقعنا الفيزيائيّ على إظهارها وتكثيفها أمام أعيننا، بسرعة عالم ديجيتاليّ يمكن للأنيميشن فقط الإمساك به.

 

 

ثمّة إثارة بصريّة لافتة في تعدّد الوسائط الفنيّة التي وظّفتها المخرجة في الصورة؛ الرسم بالألوان المائيّة، والتصوير، والمعجونة، ثمّ كولاج من مجموعة منها في مشاهد أولى تُظهر ألفة زوج بشريّ مع محيطهما، وهما يتمدّدان فوق يابسة يحيطها الماء، وينضّ فوقهما جناح طائر جميل.

حفلة صاخبة

تيشو، مجهول الشكل والهويّةّ، سيتزوّج، هذا الشيء الوحيد الذي سنعرفه عنه قبل أن يترك تحضيرات الزواج ليدخل رحلته المعتمة في الكهف، بحثًا عن الذهب. سيلمع ذلك الشيء في عيني تيشو، يبدو أنّه يبعد طول ذراع عن فتحة الحفرة... يمدّ تيشو يده لتبدأ هذه المرثيّة التي نجحت أدريانا روكيا في منحها موسيقى جنائزيّة، كأنّها تحتفل بحداد جمعيّ سيتبدّى سببه حينما تبدأ الصور بالتراكم في حفلة طويلة ستتقرّاها ذراع تيشو؛ حفلة صاخبة من سيّارات الشرطة، ولافتات المحالّ، وزمامير السيّارات، وحشرات تتلوّى، والدم، ومصافي تكرير البترول، والمباهج اللانهائيّة، والبورصة، والموضة، ومصانع الطاقة، والتماثيل الصمّاء التي تبدو نحن، والطائرات الحربيّة، والمطارات، والأصوات البشريّة، والتلوّث، وضجيج المدن، والشوارع، والاقتصاد المتعاظم، والعظام، والنار... إنّه طنين صوتيّ وبصريّ ونفسيّ لا يعرف الرحمة، عناصره التي لا نشعر كلّ يوم بكارثيّتها تبدو على الشكل التي جاءت فيه أمامنا بالغة الرعب، وهو ما سيجعلنا نتأكّد في لحظات سريعة من أنّنا مدمّرون.

أن ترثي ما لم يكن أصلًا

سأعرض عرضيًّا إلى ما يقوله الفيلسوف السلوفاني جيجيك، حول أزمة هذا الكوكب، ولا سيّما البيئيّة، فإنّ "لها تأثيرًا على إحساسنا بالوجود في العالم، ويتهدّد بالاحترار المناخيّ، مثلًا، الأساس الأكبر لحياتنا اليوميّة"، ويعتقد أنّ "ردّ الفعل الليبيراليّ على الأزمة محاولة إيجاد طريقة للعودة إلى توازن أمّنا الأرض". لكنّه يقول: "إنّ هذه طريقة لإخفاء الأبعاد الحقيقيّة للأزمة. وإنّ الطريقة الوحيدة للمواجهة قبولنا التامّ لها، وتحمّل ما يترتبّ عليها".

 

 

لم يقترح الفيلم أيّ طرح عاطفيّ ورومانسيّ (سيبدو أيضًا دينيًّا وفق جيجيك) للمحافظة على هذا الكوكب، ولو بطريقة غير مباشرة. على العكس، سيذهب إلى أقاصي التصوير الواقعيّ غير المجمّل لكثافة تهالكه، فالبشريّة لم تملك، أصلًا، أيّ أساس أو توازن طبيعيّ لكي تعود إليه، وهذه فكرة قد تكون شديدة القتامة، لكنّها شديدة الواقعيّة في الوقت نفسه؛ أن ترثي شيئًا لم يكن هناك أصلًا، أن ترثي فكرة لم تولد أصلًا لتموت، أن ترثي حلمًا بأن يكون هذا المكان مكانًا مثاليًّا يستحقّ أن نعيش فيه.

قفص كبير

في مشهد لاحق سنتلقّاه هذه المرّة بعيون كائن آخر، حيوان، قد يكون نفسه تيشو، لكن متحوّلًا، "تعود الأرض إلى جمالها"، تتفتّح فيها الأزهار وتلمع خصوبتها لبرهة، ثمّ سرعان ما تعاد المرثيّة مرّة أخرى، كأنّها تقضي على ما تبقّى من "أمل" إن وُجد. تعاود الموسيقى تلك التسلّل، فتخرج بنايات عالية وترتفع، علب سردين، الأرض تتصحّر وتطرد الحيوانات التي تزحف على وجهها، الضجيج نفسه، صوت الرأسماليّة ذاته الذي حفظناه عن ظهر قلب. وسط هذه المعمعة، تنبت شجرة الذهب، ستتحوّل شيئًا فشيئًا إلى القفص الكبير الذي ينظر إليه تيشو وحيدًا، بلحظة مصيريّة متفسّخة، كأنّه الأبد الذي سيعلق فيه دون نهاية، فإن دخل وطُرق الباب وراءه، لن يجد أحدًا ليخلّصه. إنّها الوحدة القاتلة التي ستصيب البشر في تصوّرهم الأعمى لتفوّق نوعهم.

خلاص

بين المرثيّتين ثمّة مشهد ثالث أثار انتباهي، أو ربّما أثار غريزتي في الخلاص والخروج من الدغدغة المرعبة التي أشعرها من تلوّي الحشرات في بطني؛ حين مرّ تيشو بتحوّلاته وصار طيرًا وحلّق نحو الفضاء/ الفراغ. بدا مشهد الخلاص هذا متماشيًا مع نظريّات البشر المرتبطة بفيزياء الكمّ، التي تعتقد بالواقع غير المكتمل؛ الواقع الذي شاهده تيشو على الأرض ناقص، وفقط خارجه، في الفراغ، سنكون موجودين، إن شغّلنا خيالنا وأنكرنا حاجتنا البلهاء إلى هويّة موحّدة على الأرض، هذه الهويّة التي أحضرت لنا الرأسماليّة على طبق من ذهب.

 

 

باب القفص الذهبيّ ظلّ مفتوحًا، ربّما ليدخل تيشو، أو لتخرج أشباح 8 مليار إنسان نحو سواد الفضاء السحيق: الخلاص الوحيد من التهالك المدوّي، أو نحو السواد بصفته استعارة للفراغ/ العدم؛ الطبيعة المتوازنة اليقينيّة لهذا الكوكب.

 

 

أسماء عزايزة

 

حاصلة على البكالوريوس في الصحافة والأدب الإنجليزيّ من جامعة حيفا. عملت مقدّمة برامج في برامج إذاعيّة وتلفزيونيّة، تكتب المقالة في عدد من المنابر الثقافيّة، وتدير مشروع "فناء الشعر. صدر لها شعرًا: "ليوا" (الأهليّة، 2011)، الحائزة على جائزة عبد المحسن القطّان عام 2010، وكذلك "كما ولدتني اللدّيّة" (الأهليّة، 2015). لها مشاركات في أنطولوجيّات ومجلّات أدبيّة ومهرجانات عربيّة وعالميّة، وقد ترجمت قصائدها للغات عدّة.

تعليقات Facebook