"كفر ناحوم"... معجزة لا تحدث

 

مثله كمثل "عظة الجبل"، أبطاله من المساكين، والحزانى، والودعاء، والجياع العطاش، والمطرودين. اجتمعت همومهم فانحلّت أجسادهم وأرواحهم، وتركتهم يتخبّطون في مستنقع من الإهمال واللامبالاة.

تقدّم نادين لبكي في فيلمها الأخير "كفر ناحوم"، كلّ ما تيسّر من الضحايا البشريّة المحتملة في بلدة متخيّلة؛ إذا ما تمعّنّا في حكاياتهم وأشكالهم نكتشف أنّ ما يجمعهم عظيم في ظلمه وظلمته. 120 دقيقة من المغالاة في دبّ الألم في نفوسنا وقلوبنا، وخيط دراميّ يتلوّى بين مجموعة من القصص، يجمعها الفتى المدعوّ زين، في ما يفتقد الفيلم رواية واحدة واضحة.

 

جميعهم غير شرعيّين

زين، الّذي يؤدّي دوره بكلّ براعة الطفل زين الرفيع، إنسان يغيب جزء من ملامحه بفعل الغبار وهمّ سنوات عمره، الّتي لم تتخطّ الثلاث عشرة، هو صاحب المعرفة والخبرة، والقدرة على التكيّف، وإيجاد الحلول، يحمل من الحكمة ما يجعله أخًا وصديقًا وأبًا، طفل في حجمه وسنّه، ورجل في محاولاته احتواء الظروف والتغلّب عليها، محاور محنّك ومراوغ وصاحب قرار... ثمّ مجرم!

 

 

في مشهده الافتتاحيّ، يعرض لنا "كفر ناحوم" لحظة توقيف كلٍّ من زين، المتّهم بطعن زوج أخته، وراحيل الخادمة الأثيوبيّة الّتي تقيم في لبنان بصورة غير شرعيّة. مقارنة بين المواطن والغريب توضّح اللامكان، ولا مكانة للفقراء من سكّان العشوائيّات والأحياء الذابلة، وبين الوافدين إليها بلا تصريح... فكلاهما "غير شرعيّ".

في لحظة مرح يتيمة، نتعرّف على زين وأشباه الأطفال في مثل سنّه. ينطلق في الحارات شاهرًا سلاحه؛ ليشارك في معركة فتيّة، أنهك الفقر مظاهرهم، يحملون أسلحتهم الرشّاشة الخشبيّة، ويرفعونها عاليًا، يلوّحون بها كأعضاء المليشيات المتنازعة في الحرب الأهليّة. وهذه الحرب الّتي تفارق بطيفها أفلام لبكي، حضرت في "كفرناحوم" على هيئة بيوت متهالكة، كتلك الّتي احتوتها بيروت الشرقيّة.

 

وكأنّ الفقراء نسوا الله

"كفر ناحوم" بكلّ مآسي تزويج القاصرات، والفقر، والجوع، والجهل، وتجارة البشر، تنتظر معجزة لا تحدث، لا المجتمع ينصف نفسه ولا الحكومة، ولا الله الّذي لا يُذْكَر أبدًا في الفيلم، وكأنّ الفقراء - لفرط انشغالهم بالبقاء أحياءً – نسوه.

لربّما أفسدت لبكي إمكانيّة تحويل هذا الفيلم، من صورة معدّلة لقصص المشرّدين الّتي عرفتها السينما العربيّة - كفيلمَي "الغابة" و"حين ميسرة" - إلى قصّة جديدة تثير الناس، وتتحدّى عقائدهم، وتجعلهم يتفكّرون في ما يدّعيه زين، حين يطالب بمقاضاة والديه لأنّهما أنجباه...

 

 

يترك زين بيت والديه، بعد تزويجهما أخته سحر، البالغة 12 عامًا، جارهم الحانوتيّ؛ طمعًا في عدم طردهم من بيت عائلته. يجمعه الحظّ براحيل، أثيوبيّة تعمل في لبنان بصورة غير شرعيّة، أمّ لطفل لمّا يبلغ بعدُ سنته الأولى. يشكّل زين وراحيل وطفلها يوناس معًا شبه عائلة، يجد زين فيها ما افتقرت إليه حياته سابقًا، من نوم ونظافة وطعام، لكنّ المسؤوليّة تلاحقه أينما حلّ؛ فهو المسؤول عن العناية بِيوناس في غياب راحيل، الّتي تسكن هي الأخرى حيًّا عشوائيًا عفنًا.

راحيل وسعاد - والدة زين - نموذجان من الأمّهات، كلتاهما ضحيّة، لكنّ تفاوتًا - ولو ظاهريًّا - بينهما يجعلنا نقارنهما، ثمّ يأتي زين ليؤكّد لنا بعض الأفكار الّتي راودتنا؛ ليقول ليوناس بعد غياب والدته يومًا كاملًا: "طلعت أمّك أضرب من أمّي"؛ وكأنّها إشارة إلى أنّه كان يعلّق آمالًا على راحيل أكثر من أمّه!

 

مَنْ يقدّر قيمة الإنسان؟

كم تبلغ قيمة الإنسان في هذا المكان؟ لا قيمة له، هو وكلّ ما فيه قابل للبيع والشراء؛ فعائلة زين تبيع ابنتها مجازًا، وراحيل تبيع شعرها لتوفير ثمن بطاقة عمل مزوّرة، والمزوِّر يقول إنّه يستطيع شراء إنسان بـ 500 دولار.

في الفيلم صور عديدة، جاءت لفضح قيمة الإنسان المتدنّية، صور تعكس مدى العوز عند زين ومَنْ شابهه من الناس؛ فتقارنهم مثلًا بالقطط الشاردة، الّتي تأكل اللحم الملتقط من أكوام القمامة، وعلى بُعد مشهد واحد، يأكل زين الجائع والطفل يوناس، حليبًا مجفّفًا مخلوطًا بالثلج!

 

 

بعيدًا عن كون زين ليس لديه أوراق ثبوتيّة، وهو مجهول المولد زمانًا ومكانًا، تزجّ لبكي باللاجئين السوريّين؛ لتسخر من واقع مواطن لبنانيّ مُعدم؛ فاللاجئ السوريّ في "كفر ناحوم" لديه أمل بالخلاص، واللبنانيّ يفتقد الأمل حتّى لو أتقن أداء اللهجة السوريّة، طمعًا في الحصول على الطعام من معونات اللاجئين؛ فهو لا يستحقّ معونة مثل اللاجئين، ولا يستحقّ لجوءًا ينقله إلى أرضٍ أكثر إشراقًا. كم يمكن الإنسان أن يغترب عن وطنه؛ ليبقى على قيد الحياة؟ وهل كانت هذه رسالة سياسيّة من لبكي إلى حكومتها وإلينا؟

عنصريّة المجتمع تنزلق في جمل متفرّقة هنا وهناك، ولعلّ أبرزها قول زين يشرح سبب اختلاف لون بشرته عن أخيه المُدّعى، يوناس، بأنّ والدته تلدهم "فول" ثم تفتح بشرتهم!

 

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، طالبة ماجستير في ثقافة السينما.

 

 

 

تعليقات Facebook