"فلسطين فيتنام أخرى"... فيلم أرجنتيني ضاع عقودًا

مدوّنة أستاذ التاريخ ميخائيل ر. فيسخباخ | فرجينيا، الولايات المتّحدة

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينية

في محاولة تعريف السينما الفلسطينيّة، ثمّة حاجة دائمة إلى تعريف الثقافة الفلسطينيّة وما هو فلسطينيّ؛ إنّها مفاهيم في أغلب الأحيان يصعب تعريفها. في كتاب "ما بعد السماء الأخيرة" (1986) لإدوارد سعيد، يذكر أنّه إلى الآن "لا يوجد نظريّة واحدة يمكن استخدامها لوصف الثقافة والتاريخ أو المجتمع الفلسطينيّ. لا يمكن الاعتماد على صورة واحدة مثل صورة ‘الهولوكوست‘ أو الهجرة أو المسيرات الشعبيّة الطويلة. لا يوجد خطاب واحد لوصف السياق الفلسطينيّ، وإنّني حقًّا أشكّ في أنّ أحدهم سيأتي بمثل هذا الخطاب يومًا ما".

تدلّ الثقافة الفلسطينيّة على مساحات مختلف عليها، وعلى أشخاص يحملون هويّات مختلفة؛ لذلك فإنّ إدراك الثقافة الفلسطينيّة يمكن فقط فهمه من التنوّع في مفهوم المكان والهويّة.

 

عبر السياق العالميّ

السينما الفلسطينيّة - أيضًا - من المفاهيم الّتي يصعب إدراكها أو تعريفها من خلال المكان أو الأشخاص؛ لذلك فإنّ ثمّة حاجة إلى فهمها من خلال السياق والبعد العالميّ، إضافة إلى البعد المحلّيّ. في ذلك سألجأ إلى تجربة الفيلم الأرجنتينيّ "فلسطين فيتنام أخرى" (1972)، للمخرجَين خورخي دانتي وخورخي غوانيني.

إنّ البعد العالميّ للسينما الفلسطينيّة، لم يكمن فقط في إيصال رسالة أو خطاب سياسيّ فلسطينيّ كان وما زال عرضة للإسكات، لكنّ هذه الأفلام شكّلت نقطة لالتقاء قوّات ثوريّة عالميّة

في سبعينات القرن الماضي، تمكّنت جهود مجموعة من صانعي الأفلام الفلسطينيّين والعرب والعالميّين، من تصوير الثورة الفلسطينيّة وتوثيقها، في أثناء وجودها في الأردنّ وبعد ذلك في بيروت. كان لهذه الأفلام أثر عظيم في نشر فكرة الثورة بين الفلسطينيّين والعرب، ونجحت في تقديم القضيّة والصراع الفلسطينيّ للجمهور العالميّ المتضامن مع القضيّة الفلسطينيّة، وخاصّة في الدول الّتي ساد فيها الفكر السياسيّ اليساريّ، مثل دول الاتّحاد السوفييتيّ وأمريكا اللاتينيّة. من أشهر الأفلام في هذا السياق فيلم "ليس لهم وجود" (1973)، للفلسطينيّ مصطفى أبو علي، وفيلم "هنا وهناك" (1976)، للفرنسيّ جون لوك غادارد، إضافة إلى فيلم "الجيش الأحمر" للمخرج اليابانيّ أداتشي. ثمّ إنّ البعد العالميّ للسينما الفلسطينيّة، لم يكمن فقط في إيصال رسالة أو خطاب سياسيّ فلسطينيّ كان وما زال عرضة للإسكات، لكنّ هذه الأفلام شكّلت نقطة لالتقاء قوّات ثوريّة عالميّة، سعت إلى مواجهة الإمبرياليّة العالميّة والسيطرة الثقافيّة للغرب.

 

"لجنة سينما العالم الثالث"

عام 1973، تشكّلت "لجنة سينما العالم الثالث"، وكان الملتقى الأوّل لها في الجزائر. في هذا الملتقى، نوقشت مجموعة من القضايا السينمائيّة في سياق الدول ذات الماضي والحاضر الاستعماريّين، مثل الجزائر وكوبا والأرجنتين وفيتنام. كان الهدف من هذا اللقاء خلق نمط إنتاج سينمائيّ مشترك لهذه الدول، بعيدٍ عن خطَّي الإنتاج السينمائيّ الأوروبّيّ والأمريكيّ. لم يتسنّ لهذه اللجنة الالتقاء إلّا مرّة واحدة بعد ذلك؛ إذ كان اللقاء الثاني في "جامعة بوينس آيرس" في الأرجنتين عام 1974.

حضور القضيّة الفلسطينيّة في هذا الملتقى، كان من خلال عرض فيلم "فلسطين فيتنام أخرى"، للمخرجَين الأرجنتينيَّين خورخي دانتي وخورخي غوانيني. في أثناء الملتقى، عُرض هذا الفيلم مرّتين، وكانتا الأولى والأخيرة لعرض هذا الفيلم.

عام 2011 جرى تعرّف نسخة معدّلة من فيلم "فلسطين فيتنام أخرى". عُرضت هذه النسخة في هافانا، قبل رجوعها إلى "الأرشيف الوطنيّ الأرجنتينيّ" عام 2014

كان عام 1974 نقطة تحوّل في تاريخ الأرجنتين؛ ففي هذا العام كان التخلّص من الدكتاتوريّة العسكريّة الأرجنتينيّة للمرّة الثانية، وانتخاب جون بيرون وعودته إلى الأرجنتين، بعد منفى استمرّ أكثر من 18 عامًا في مدريد. كانت سياسة بيرون تتلخّص في المساواة الاجتماعيّة، واستقلاليّة الاقتصاد الأرجنتينيّ من السيطرة الأمريكيّة، وأخيرًا السيادة السياسيّة للأرجنتين. أمّا عودة بيرون إلى الأرجنتين فعنت أيضًا رجوع مجموعة من الفنّانين، الّذين ارتبطت أسماؤهم باليسار السياسيّ من المنفى، ويشمل ذلك عودة خورخي دانتي وخورخي غوانيني من إيطاليا.

 

في كوبا

بدأت أولى محاولات الانقلاب العسكريّ ضدّ بيرون بمجرّد تسلّمه الحكم، ومع عودة اليسار السياسيّ إلى الأرجنتين، بدأت محاولات إنهائه. في هذه الفترة، تعرّض الكثير من الفنّانين الّذين ارتبطت أسماؤهم ببيرون واليسار السياسيّ، إلى القتل والأسر وتدمير الأعمال الفنّيّة، شمل ذلك تدمير فيلم "فلسطين فيتنام أخرى"، وهروب خورخي دانتي إلى كوبا وخورخي غوانيني إلى المكسيك.

استمرّ ضياع صور الفيلم من عام 1974 إلى عام 2011. في عام 2011، سافر المخرج والباحث الأرجنتينيّ رودريغو فاسكز إلى كوبا، وبحث في موضوع التاريخ السينمائيّ المشترك بين أمريكا اللاتينيّة والشرق الأوسط، في أرشيف "مؤسّسة السينما الكوبيّة" في العاصمة هافانا. في هذا البحث، جرى تعرّف نسخة معدّلة من فيلم "فلسطين فيتنام أخرى". عُرضت هذه النسخة في هافانا، قبل رجوعها إلى "الأرشيف الوطنيّ الأرجنتينيّ" عام 2014.  يُعَدّ هذا الفيلم من المحاولات الأولى لتقديم القضيّة الفلسطينيّة للجمهور اللاتينيّ في تلك الفترة، يشمل ذلك أيضًا الفيلمين الكوبيّين "الطريق إلى الأرض" (1980)، وفيلم "أطفال الأرض" (1982)، وغيرهما.

 

"صور فلسطين المسروقة"

لم يُحوَّل إلّا 20 دقيقة من فيلم "فلسطين فيتنام أخرى" إلى نسخة الديجيتال حتّى الآن؛ ذلك يعني بالضرورة صعوبة تنظيم عرضه والبحث في محتواه. مع ذلك، أصبح هذا الفيلم جزءًا مهمًّا من البحث الّذي يعرضه الفيلم الأرجنتينيّ "صور فلسطين المسروقة" (2018)، للمخرج رودريغو فاسكز، والبحث الّذي قدّمه الباحث الأرجنتينيّ بابلو دوبليدو في كتاب "مونتينيروس وفلسطين، من الثورة إلى الدكتاتوريّة" (2018) ["مونتينيروس" اسم حركة وطنيّة ثوريّة أرجنتينيّة، نشطت في الستّينات والسبعينات من القرن الماضي].

تذكر حباشنة استضافتها لخورخي دانتي وخورخي غوانيني في منزلها في بيروت، وقدّم مصطفى أيضًا اقتراحاته لما يمكن تصويره وتوثيقه في تلك الفترة

تذكر خديجة حباشنة، الزوجة السابقة للمخرج الفلسطينيّ الراحل مصطفى أبو علي، ومسؤولة أرشيف "وحدة أفلام فلسطين" (1967 - 1982)، تذكر أنّ واحدة من أهمّ الخدمات الّتي كانت تقدّمها الوحدة، استضافة المخرجين العالميّين المهتمّين بموضوع الثورة الفلسطينيّة. وفي سياق فيلم "فلسطين فيتنام أخرى"، تذكر حباشنة استضافتها لخورخي دانتي وخورخي غوانيني في منزلها في بيروت، وقدّم مصطفى أيضًا اقتراحاته لما يمكن تصويره وتوثيقه في تلك الفترة، وقدّمت "وحدة أفلام فلسطين" المساعدة في تنظيم المقابلات لهذا الفيلم.

تكمن أهمّيّة فيلم "فلسطين فيتنام أخرى"، في أنّه مثال للخطاب اليساريّ العالميّ، الّذي كان ولا يزال عرضة للإسكات، وهو يضع فلسطين أيضًا في قلب هذا الخطاب.

إنّ دراسة سينما الثورة الفلسطينيّة لا يمكن أن تكون بمعزل عن دراسة جهود المخرجين العالميّين، ودراسة التضامن العالميّ من خلال صناعة الأفلام في سبعينات القرن الماضي.   

 

 

 

لبنى طه

 

 

طالبة وباحثة في مجال الدراسات الثقافيّة في "جامعة كوينز" في كندا، حيث يتنوّع عملها البحثيّ بين الدراسات السينمائيّة الفلسطينيّة ودراسات تعليم الموسيقى. تعمل حاليًّا على دراسة أرشيفيّة في موضوع صناعة الأفلام، وسيلةً للتضامن بين فنّاني العالم الثالث والثورة الفلسطينيّة في سبعينات القرن الماضي.

 

 

تعليقات Facebook