طه: التّوثيق المسرحيّ لهُويّة الإنسان والمكان

مقعدٌ صغير، ممثلٌ واحد، حقيبة وظلّ الأشياء. لا تعرف إلى أين أنت موغل. طه. وماذا بعد؟ هل وصلت إلى المسرح لتبحث عن نصوص شعريّة؟ عن غنائيّة وطنيّة؟ عن مرثاةٍ لشاعر؟ أو لا لشيء من ذلك، سوى انتظار عرض جيد يصحبك حتى صباح الغد أو أكثر. تقدّم لنا المسرحية سيرة الشّاعر طه محمّد علي منذ ولادته ونشأته مرورًا بنكبة 1948 فالنّزوح إلى لبنان ومن ثم العودة، متسللًا، إلى البلاد واستقراره في النّاصرة.

عن الاختزال في الأدوات والإبحار في المضمون

إن الأدوات المسرحيّة التي نُشرت ببساطة واختزال على خشبة المسرح لا تلهم المشاهد كثيرًا عن وجهته. والأدوات المسرحيّة كُتب عليها أن تخدم النّص. فكيف سيختصر النّص حياة شاعر؟ وكيف سيحمل الدّيكور المُبسّط حياة طه؟ تلك اللحظات الأولى لمشاهدة المسرحيّة، التي تتجول فيها الأعين، على خشبة المسرح بنوع من الفضول. لكن الدّيكور البسيط إيّاه يحيلنا للتفكّر والتدبّر في قيمة الأدوات أو التّقنيات، فـ'البذخ' والمبالغة في حشر المؤثرات المسرحيّة في نصّ لا يحتاجها، قد يؤدي إلى الابتعاد عن التّفسير المعقول للنص. وهنا أشيد بالإخراج، الذي وفّق في خلق التّوازن المطلوب بين هذه المركبات.

لكن الأدوات، أيضًا، قد تحمل فكرة، فنجد، مثلًا، أن الظّل الحاضر، الظّل العملاق، الظّل صاحب الهامة، يشدك للهبوط حتى قدمي الممثل وللصعود حتى أعلى رأسه، وتعرج لتحدق في هيمنة الظّل. ظل الممثل/الشّاعر أجاد لعب دوره المسرحيّ، كما أُعد له أن يكون. فالإضاءة وليدة الفكرة، وقد وُفقت بخلق جسد شاعر وراء جسد الممثل.

في 'طه' نجح المخرج يوسف أبو وردة في مسرحة حياة شاعر عملاق فضّل العيش في الظل. 'أحلامك كبيرة ...'، هكذا عبّر الأب لابنه الشّاعر/ التّاجر/ العاشق، عندما طالب الابن بحصته في الوصية كباقي إخوته، والوصية لا تتسع للأحلام الكبيرة. مع أحلامه الكبيرة ولدت كلمات كبيرة، لكنّه عاش كبيرًا في عطائه الشّعريّ، متواضعًا في شخصه أثناء الاحتفالات الشّعريّة. لم يبدع في صعود المنصات، وحين صعد المنصة، لأول مرة، أمام جمهرة من الشّعراء العرب في مدينة لندن، لم يفلت من الارتباك، وعلقت حقيبته بأزيم حذائه دون أن يدرك ذلك لولا ضحكات الجمهور.

في العمل المسرحيّ ' طه'، يأخذنا عامر حليحل لتذوق الحلو والمرّ من حياة شاعرنا الكبير طه محمّد علي. نجاح هذا التّذوق يكمن بحضور لمركبات الحركة، الحسّ والصّوت. وتجسيدًا لدور هذه المركبات يمكنني أن أشير، مثلًا، إلى مشهد بعثرة الأوراق من حقيبته السّوداء. مع إطلاق أصوات 'يويا..يويا' وحركة اليدين، طارت الأوراق وانهمرت على الخشبة لتساهم في رسم المكان، والمكان المحسوس هو بقاء الفكرة، والشّاعر باقٍ بفكرته وبنصوصه.  

على مدار ساعة محكمة ورصينة بالمشاعر وبالأحاسيس وضحكة هنا ودموع كثيرة هناك، وقف حليحل مع حقيبته السّوداء العتيقة ليحكي قصّة طه منذ ولادته العسيرة وصولًا لذروته الشّعريّة.

المكان 1: صفورية

المسرح يعشق الأمكنة، ولا مناص أمامه سوى اختصارها بفكرة. بعكس السّينما، التي تمنحك التّسهيلات البصريّة لقراءة المكان، يستطيع المسرح الجيّد أن يُدخلك بحالة عشق مع المكان مع 'اللا شيء' البصريّة من مكونات المكان. لقد وقع على عاتق الممثل في هذا العمل المسرحيّ مهمة إيصال تفاصيل بلاده بنجاح إلى المشاهد. صفورية هي موندراما الممثل/ الّشاعر الواحد مع بلده، وقريته، مع مختاره الموالي للحلفاء بزعامة لندن، والمحامي الموالي لدول المحور، ومع لحظات الولادة العسيرة الطويلة التي تمخضت عن ولادة الشّاعر مصحوبًا بتحليلات الدّاية.

منذ صغره، يمسك طه بمشاعر مشاهديه، ينتقل بهم من صفورية، إلى النّاصرة وإلى حيفا، حيث يجيد حليحل تصوير حياة 'طه' عبر رسم انبهاره من المقاهي، البحر ورائحة أكزوزتات السّيارات.

حديث المكان في المسرح ليس حديثًا عبثيًا عابرًا، بل هو حديث عبثي جذري حاضر، يخلق الحلم ويخلق الفكرة، بين الحلم المستحيل الخرافيّ وبين المستحيل 'الواقعيّ' الجاثم بين ذراعيك ولا تستطيع احتضانه كاملًا لحل حالته العبثيّة. فتحضر في المسرحيّة صفورية كرمز شموليّ للفقدان وتحضر حيفا العربيّة، المتناقضة، الباقيّة والمشردة تجمع اللّغات والجنسيات والأعراق، وتشتم في المكان عبق سوق النّاصرة وكأنه حلم يتبخر، ويستفزك العرض لتمسك به قبل أن يتبخر تمامًا. هنا، الأشياء حاضرة، وليست خرافيّة.

'السّخول' ليست خرافة، هي قصة كفاح إنسان للبقاء. قصّة الحلم، مذاق الأمل. في استخدام 'السّخول' كان هنالك استخدام ذكي لصراع الأجيال، لصراع الرؤى، بين طول النّظر وقصره، بين العيش والعشق. ووظّفت السّخول لتمثيل علاقة الشّاعر بهذه الأرض الملعونة. واستطاعت 'ذبابات״ الاستعمار الجديد أن تُهلك البلد وترعب سهولها لتفرق بين طه وسخوله. ولا يفوت المشاهد الصّورة الصّوتيّة المسرحيّة لتداخلات صوت الذباب وصوت الطّائرات والهلع الصغير من 'حركشة' ذبابة حتى الإغماء من ضجيج طائرة. ولا بدّ من الإشادة هنا بأن التّعابير الجسديّة، الصّوتيّة والحسيّة للممثل، اختصرت الحاجة بمؤثرات صوتيّة، للتدليل على أزيز الطّائرات وتفجيراتها.

المكان 2: مرجعيون

مرة أخرى، من لا شيء بصريّ مرئيّ تدخل في مشهد النزوح وصولًا لأرض لبنان. حين تستحضر لبنان تستحضر العودة ممثلة بصفورية وأهاليها. وخلال المشهد، الذي يعكس النّزوح لمرجعيون، ينجح العمل المسرحيّ بتمرير شريط طويل للمعاناة المستمرة للاجئين. علي البزي، اسمٌ لبنانيّ بامتياز، يمنحك فرصة للتفكير في ألبوم طويل من التّاريخ اللبنانيّ- الفلسطينيّ، بين التاريخ الإقصائيّ والتّاريخ الحاضن.
أميرة

لا أبالغ إذا قلت إن أمام المسرحية الجيدة تحديات، ومن بين هذه التّحديات: التّحدي المعرفيّ والخطابيّ. فالنص الملحميّ المسرحيّ، الذي نقله إلينا حليحل، لم يكتف بالتّعرف على الشاعر ونكبته. وإن كان ذلك بقصد أو بغير قصد، فمن يشاهد مسرحية 'طه'، يتعرف على المرأة، الأنثى 'أميرة'، يتحول اسم المعشوقة لدى المشاهد المسرحيّ رديفًا لشخصية ولقصائد طه محمّد علي. ليس هذا فحسب، فالعمل المسرحيّ يولد تساؤلات في حالة العبث، التي يكون فيها الحبّ محكومًا للسياج وللحدود وللهويّات، ويطرح تفكيرًا في دوامة 'مفرغة'، حول احتمالات الحبّ الممكنة بين من هم بين شقيّ السّياج. 'أميرة' تُدفن على أرض لبنان وتتولد أفكار جدليّة عن العلاقة بين الحبّ والتّراب، بين العاشق والأرض. وهذا التّوسع الإخراجيّ المسرحيّ في شخصية 'أميرة'، كان توسعًا ملحًّا وحيويًّا، وهو توسع ليس للعاشقين فقط، لا يثقلنا بأغنية وقصيدة حبّ فاترة، فالحديث عن 'أميرة' يحتضن كل حالات العشق الممكنة؛ لصفورية، لحيفا، للسخلات، للدخان ولمرجعيون...

في جميع مشاهدها وتنقلاتها لا بد أن أذكر تجليات أساسيّة وهامّة في التّحول بين اللهجات، من العاميّة إلى الفصحى، من المحكيّ إلى الإلقاء الشّعريّ. الانسيابيّة، التّوقيت والدّخول بهدوء من مكان إلى مكان، بلحظة واحدة دون إحداث إرباك لدى الممثل ولا لدى المشاهد. وفي هذه التّحولات كانت الموسيقى تدخل بقدر مضبوط، لا تطربك ولا تراقصك ولا تحتمل الملل. موسيقى موظفة لنجاح النّص وفكرته، تدخل للحظات، تفعل فعلها في الرّبط، في الدّخول، وتغادر صامتة لتضفي ترقبًا لما سينطق به حليحل وهو ممسكًا بشخصية 'طه' بكل اختلاجاتها واحتمالاتها.

المكان 3: الناصرة

العودة- التسلل: وهو مشهد يتيح قراءات حسيّة مختلطه ومرتبكة. يمثّل وروده حضورًا تراجيديًا، ففي الوقت الذي يثبت تداعيات النّزوح، اللجوء وضياع 'أميرة'، فهو يمثّل لحظة فوزٍ كبير بعودة الشّاعر لبلاده، وهو تراجيديّ بلجوئه مرة أخرى داخل بلاده. من الرّينة، ولقاء والده بالمختار وبالحاكم العسكريّ إلى الانتقال للناصرة ونشوة شراء قاموس 'تاج العروس'، حيث تبدأ مسيرته الشّعرية بالنضوج وبالتبلور.

هنا، في هذا المشهد المُتقن تمثيلًا، الذي يمثّل حقبة مركزية في حياة الشّاعر، كنت أود لو مارست طمعًا مستحبًا في مطالبة مخرج العمل بفتح مساحات لهذا المشهد وتنوير الخطاب المسرحيّ لهذه الحقبة. فمرحلة الصعود الأدبيّ لدى طه وشبق الكتابة الشّعريّة ولقائه بعالم المبدعين ونضالات البلاد، كان يحتمل بعض دقائق إضافية على خشبة المسرح، اعتبرها حيوية للمشهد المسرحيّ. هذه المساحة الإضافية بمركباتها: النصّ، الحكاية، الشّعر والحركة المسرحيّة، تمكن المشاهد من التفرُّس بصعود اللغة الشّعريّة والحياة الأدبية – السّياسيّة لدى طه.

لملمة الأوراق

هي لندن، هي لندن. بدأت المسرحيّة مع الطّفولة وإذاعة لندن وانتهت المسرحيّة بتصفيق للشاعر في لندن. الشّاعر المجهول المرتبك، استحق هذا التّصفيق من قبل شعراء عرب كبار، واستحق بأن يحظى بهذا العمل المسرحيّ الجميل المتميز.

توثيق الشّعر، الذّكريات، الشّخصيّات في المقدمة، الشّخصيّات في الظّل، توثيق هُويّة الأمكنة، العاشقة وتوثيق رحلة السّخول هي مهمة المسرح في توثيق الحياة واستنهاض الذّكريات لتحقيق الأحلام، هي ليست أرشفة بمعناها الأكاديميّ الجّاف. إنها رصد مبدع نحو البعث من العبث. لقد لعب ويلعب المسرح، كباقي الفنون دورًا في اللهو والتّرفيه، إلا أنه، كباقي الفنون، أيضًا، أمامه مساحة مفتوحة، لكنها صعبة، للعب أدوار إضافية على أرض الصراع، فله أن يساهم بدوره في لملمة الأوراق المبعثرة. 

تعليقات Facebook