الطّريق لم تكن سهلة: رحيل الكاتب والمسرحيّ رياض مصاروة

الرّاحل رياض مصاروة (1948 - 2016)

غيّب الموت، اليوم السّبت، 18 حزيران (يونيو) 2016، الكاتب والفنّان المسرحيّ الفلسطينيّ، رياض شحادة مصاروة، ابن مدينة الطّيبة، عن عمر ناهز الثّامنة والسّتّين عامًا، بعد صراع مع المرض، في مستشفى 'رمبام' بمدينة حيفا.

ولد رياض مصاروة عام 1948 في مدينة يافا، لينتقل بعدها مع أسرته إلى قرية الطّيبة في المثلّث، حيث درس المرحلتين الابتدائيّة والثّانويّة، ثمّ ليسافر بعدها إلى ألمانيا الشّرقيّة في منحة من الحزب الشّيوعيّ الإسرائيليّ، حيث حصل على الماجستير في الإخراج المسرحيّ من المعهد العالي للفنون المسرحيّة.

شخصيّة العام الثّقافيّة 2015

عمل رياض مصاروة مديرًا للمركز الثّقافيّ في النّاصرة على مدار سنوات طويلة، وكذلك مديرًا عامًّا لمسرح الميدان في حيفا، ومديرًا لمؤسّسة توفيق زيّاد في النّاصرة، وقد اختير ليكون 'شخصيّة العام الثّقافيّة لعام 2015'، من قبل وزارة الثّقافة الفلسطينيّة، لمناسبة يوم الثّقافة الوطنيّة الفلسطينيّة.

وقد قالت وزارة الثّقافة حول اختيارها مصاروة شخصيّة ثقافيّة لعام 2015، على لسان وليد عبد السّلام، مدير عام الإدارة العامّة للفنون في وزارة الثّقافة، إلى 'أنّ حياة مصاروة كما مسيرته المسرحيّة لم تكن مفروشة بالورود'، لافتًا إلى أنّ عمله الأوّل المقتبس عن رواية غسّان كنفاني 'رجال في الشمس'، ما كان ليرى النّور لولا المعارك الكبيرة الّتي خاضها الرّاحل توفيق زيّاد في مواجهة سلطات الاحتلال، ومشيرًا أيضًا إلى أنّ عطاء مصاروة الّذي يقترب من السّبعين، لا يزال يتواصل، فهو يعدّ لكتاب حول تطوّر نظريّات المسرح، بالإضافة إلى مسرحيّة جديدة.'

الشّاعر أحمد دحبور ورياض مصاروة في رام الله

وكان مصاروة قد قال على في كلمة له ألقاه في حفل تكريمه، معلّقًا على اختياره: 'الطّريق لم تكن سهلة، ليس لي فقط، بل لزملائي في تلك الفترة، أي في نهاية سبعينيّات القرن الماضي، حيث كانت الإمكانيّات المادّيّة شحيحة جدًّا، لكن رغم ذلك استطعنا، مع إمكانيات محدودة، أن ننجز الكثير من النّجاحات، وحسب اعتقادي فإنّ الفضل يعود في ذلك للجمهور الّذي كان مسيّسًا ومثقّفًا، ما ساعد كثيرًا في العمليّة الفنّيّة الّتي خضتها أنا وأبناء جيلي.'

وأضاف: 'نعم، كانت هناك نجاحات وورود، لكن بالمقابل كانت هناك إخفاقات وإحباطات وأشواك وأحجار، وكلّ المصطلحات الّتي تندرج في هذا الإطار، لكنّ التّصميم والإرادة جعلتنا نمارس الفنّ بنهم وعزيمة، ونصل إلى تحقيق إنجازات تسجّل، والفضل الكبير يعود للعمل الجماعيّ الّذي ميّز أبناء جيلنا.'

إنتاجات

ألّف مصاروة وأخرج العديد من المسرحيّات، كما ترجم عددًا من أعمال برتولد بريخت من الألمانيّة إلى العربيّة، نشرها في صحيفة الاتّحاد ومجلّة الجديد، وغيرها. ومن أبرز إنتاجاته المسرحيّة؛ “رجال في الشّمس” (1979)، في عكّا، عن رواية غسّان كنفاني المعروفة، ومسرحيّة 'الطّفل الضّائع' (1982)، و'بيروت' (1986)، و'جيفارا أو دولة الشّمس'، وهي مسرحيّة مترجمة للكاتب الألمانيّ فولكر براون، و'سرحان والسّنيورة'،  و'راشيل كوري'.

ولرياض مصاروة كتاب بعنوان 'أفعى الحبّ' (1983)، وهو عبارة عن أغان غجريّة مترجمة عن الألمانيّة، كما أصدر في السّنوات الأخيرة عملان روائيّان، هما 'ملهاة الألم' و'كابوس الأرض اليباب'.

ومّما جاء في 'كابوس الأرض اليباب': 'ما سأرويه كان حلمًا، بل أكثر، كان كابوسًا رافقني في نومي المتقطّع في الآونة الأخيرة. قال لي طبيبي: ’النّوم المتقطّع هو علامة تقدّم الإنسان في العمر. ذلك العمر الّذي تعرفه الفلسفة بالزّمانيّة، زمانيّة الإنسان، زمانيّة وجوده، تلك الفترة الزّمنيّة المتاحة بين الولادة والموت‘. لم أكن بحاجة إلى الاعتراف بتقدّم عمري، فهو يتقدّم مسرعًا دون أن يسألني، وأنا أعرف أنّ توقّف الزّمن هي فكرة لا نستطيع الإمساك بها. لم أحاول أن أقنع صديقي الطّبيب أنّ كابوسي لا علاقة له بتقدّم العمر، لأنّني كنت مجهدًا فكريًّا، ومجهدًا من التقاط الصّور الّتي أشاهدها يوميًّا على شاشات الفضائيّات العربيّة؛ الدّمار، الخراب، الدّم، نشيج الأمّهات، نشيج الأطفال، دموع الفاقدات لأحبّائهنّ، المقابر، الجنازات، أصوات تطلب الإغاثة، شيوخ مذلّون، وما نقصني في هذه المشاهد صور جرذان تزحف على بطونها تقضم عظام الموتى.

وكنت مجهدًا أكثر بعد أن قرأت قصيدة ت.س.اليوت ’الأرض اليباب‘، الّتي كتبها بعد الحرب العالميّة الثّانية. قرأتها أكثر من ثلاثين مرّة، وبعد كلّ قراءة كنت أرتعد وأرتجف، وأعود لأقرأ ثانية القصيدة بشكل متقطّع، أتصفّحها وأتوقّف عند فقرة هنا وهناك، ولم أفاجأ بتأثّر كبار الشّعراء بالقصيدة ومنهم محمود درويش. استوقفتني فقرة، على ما يبدو أنّها كانت سبب كابوسي الّذي رافقني في ليالي النّوم المتقطّع. يقول اليوت: ’حتّى الصّمت لا يوجد في الجبال/ بل رعد جافّ عقيم بلا مطر/ حتّى الوحدة لا توجد في الجبال/ بل وجوه حمراء عابسة تشخر وتنخر/ من أبواب بيوت طين متصدّع/ لو كان ثمّة ماء/ ولا صخر/ لوكان ثمّة صخر/ وماء كذلك/ وماء/ نبع/ بركة بين الصّخور/ لو كان ثمّة صوت الماء وحده/ لا الزّيز/ ويابس العشب يغنّي/ بل صوت ماء فوق صخرة/ حيث الحسّون يغرّد في أشجار الصّنوبر/ سقسق سقسق سق سق سق/ لكن ليس ثمّة ماء”.

مصاروة لدى تكريمه شخصيّة ثقافيّة للعام 2015
الباحث إيلان بابيه ورياض مصاروة في النّاصرة
مصاروة مع الرّاحل توفيق زيّاد
مصاروة في صباه
مصاروة في ندوة للحزب الشّيوعيّ في الثّمانينات

 

تعليقات Facebook