فنون ممزوجة: عن "قصص من زمن الخيول البيضاء"

عدسة ابتسام سليمان

نجح فريق المسرح الشعبيّ وفرقة وشاح للرقص الشعبيّ في الجمع بين الفنون، في العمل المسرحيّ الراقص "قصص من زمن الخيول البيضاء". بعد مشاهدة العرض الثاني للمسرحيّة في قصر رام الله الثقافي، لخّصت وجهة نظري في العمل بكلمتين: قيّم ومتميّز. أحاول في هذه المادّة أن أقدّم بعض أوجه هذا الحكم، كما أقدّم ملاحظاتي حول العمل.

مشاهد عالية

من أوجه تميّز العمل أنّه استطاع المزج بين التصوير السينمائيّ، والأداء المسرحيّ، والأغاني، واللوحات الراقصة، وذلك على نحو أنيق، وبتداخل سلس وإيقاع متناغم ومدروس إلى حدّ جيّد. يبدأ العمل بتصوير سينمائيّ احترافيّ، وبموسيقى خلّابة، لمشاهد الخيول العالية في مشهديّتها وإيقاعها وطاقتها، بتداخل مع رقصة تعبيريّة بالإيقاع نفسه تقريبًا. ليبدأ المشهد الأوّل بعد ذلك بهجوم نسائيّ صاخب على بيت مختار قرية "الهادية" للشكوى من شحّ الماء بسبب القحط، وتحريض المختار على جلب الماء من أبيار البيك "الهبّاب"، ممثّل السطوة والقوّة المحميّة بسلطة الدولة العثمانيّة، وبحوار متقن وموزّع بشكل جيّد بين نساء القرية والمختار وشيخ الجامع. كانت البداية موفّقة في رأيي، استطاعت أن تشدّ انتباه الجمهور وترفع توقّعاتهم من العمل.

أمّا الوجه الآخر للتميّز، فقد كان تحويل قصص روائيّة من الرواية المعروفة للكاتب إبراهيم نصر الله، "زمن الخيول البيضاء"، إلى نصّ مسرحيّ ألّفه وأخرجه مدير المسرح الشعبيّ فتحي عبد الرحمن، متناولًا المرحلة العثمانيّة فقط؛ فالنصّ الأصليّ لم يُكتب ليكون عملًا مسرحيًّا، وكان بحاجة إلى رؤية وترابط دراميّ أعتقد أنّ عبد الرحمن استطاع حبكها بشكل مقنع ومتسلسل.

رسالة

الوجه الثالث للتميّز كان في ارتكاز العمل على عناصر حقّقت نسبة عالية من الجودة، من جهة القصّة التاريخيّة التي قدّمت معرفة ومتعة، والموسيقى والأغاني التي ألّفها وأنتجها بشكلها النهائيّ المبدع عبد الحليم أبو حلتم، إلى المادّة السينمائيّة النظيفة والمركّزة التي صوّرها وأخرجها عبد الرحمن، إلى الرقصات الحيويّة التي أبدع محمّد عطا تصميمها، وأبدع الراقصون في أدائها، حتّى الأداء التمثيليّ الذي أظهر كمّ الجهد الذي بذله الممثّلون في أدوارهم.

بالإضافة إلى المتعة والمعرفة، تقدّم المسرحية رسالة هادفة ترسّخ الوجود الفلسطينيّ لدى المشاهد الذي يعايش مرحلة الاحتلال الإسرائيليّ، وذلك من خلال حكاية تاريخيّة تقدّم الفلسطينيّ بصفتها ثابتًا على الأرض، وتقدّم السلطة بصفتها أمرًا متغيّرًا، وهي تَعِدُ بأمل غير مباشر بزوال الاحتلال.

ضعف في الحوارات

ثمّة ملاحظات عديدة يمكن تسجيلها حول العمل، أجملها على النحو الآتي:

أوّلًا: الضعف الملحوظ في الحوارات الثنائيّة، من الناحيتين الدراميّة والأدائيّة، مثال ذلك:

في الحوار العاطفيّ بين الثائر خالد وحبيبته ياسمين. يُفترض في الحوار تقديم لحظة عاطفيّة لشابّ وفتاة قرويّين، بالارتكاز على نقطتين؛ الأولى غيرة ياسمين من فرس خالد البيضاء (الحمامة)، والثانية مفاجأة خالد بالمنديل الذي طرّزته ياسمين هديّة له، دليلًا على حبّها. لكنّ البناء الدراميّ هنا كان ضعيفًا في الفعل وردّ الفعل، ومرّر هاتين النقطتين بطريقة شبه إخباريّة.

في الحوار بين الهبّاب والمرأة التي أحبّها وقتل زوجها كي يحظى بها (ريحانة)، وهي تكرهه وترفضه، يرتكز المشهد على الشرط الذي وضعته ريحانة أمام الهبّاب بأن يروّض حصانها الجموح (الأدهم) حتّى تقبل به زوجًا. وأعتقد أنّ هذا المشهد المركزيّ في المسرحيّة يتطلّب بناءً أعلى لأسطورة الحصان الجامح الذي لا يُروّض، ولا سيّما أنّ العمل قدّم مشهدًا سينمائيًّا بديعًا ومتقنًا لمعركة الهبّاب مع الحصان التي تنتهي بسقوط هيبة الهبّاب، فيبلغ حقده درجة إطلاق النار على الحصان.

في حوار ثلاثيّ بعد قرار الثائر خالد أن يسترجع حصانه من أيدي الجنود العثمانيّين، ويشرع بالخروج من البيت، فتحاول أمّه أن تمنعه، لكنّ والده يسمح له بالخروج. يُفترض بشخصيّة الأب أن تمثّل كبرياء وقوّة الرجل الذي يسمح لولده بالذهاب لمواجهة الموت حتّى لا تنكسر رجولته أمام نفسه، ويصوّر مكابرة هذا الرجل أمام خوف الأمّ على ولدها، لكنّ هذا المشهد جاء كأنّه حدث عابر في السياق.

في المشهد الأخير، وبعد رحيل العثمانيّين، يلقي الثائر العائد إلى قريته خطابًا أمام أهل القرية بعد أن يعزلوا المختار، رمز الخنوع والذلّ، ويطلبوا الكلمة من البطل، رمز الثورة. مع تحفّظي على هذا الربط الشعبويّ بين السياسة والخضوع، والشرعيّة القياديّة للثورة، كان خطاب الثائر "شعاراتيًّا"، ولا يليق بختام مسرحيّة كهذه، وكنت أفضّل شخصيًّا، بعد أن يطلب الناس كلمة من الثائر، أن يتحدّث بكلماته القرويّة، مثلًا، عن قصّته الشخصيّة مع عشق الخيل البيضاء، وكيف أصبحت هذه الخيل رمزًا للحرّيّة والعنفوان في مخيّلته البسيطة.

كانت هذه ملاحظات حول البناء الدراميّ لبعض الحوارات، ولا سيّما الثنائيّ منها، مع الإشارة إلى تميّز الحوارات الجماعيّة وتوزيع الأدوار بين الشخصيّات الكثيرة بشكل جميل، ولا سيّما في المشهد الذي يجتمع فيه مخاتير القرية عند بيت الهبّاب بحضور مساعده (الحمدي)، ودخول الباكباشي، ممثّل الدولة العثمانيّة، عليهم.

ما الحاجة لكلّ هذا الرصاص؟

ثانيًا: المبالغة في طول بعض المشاهد، مثل لطميّة (ريحانة) بعد مقتل حصانها، والرقصة المصاحبة لزفاف ياسمين.

ثالثًا: كثرة مشاهد القتل في العمل، فصحيح أنّه يمثّل صراعات دمويّة بين السلطات والثوريّين، لكن كان بالإمكان بناء المشاهد التي تعبّر عمّا بعد الموت دون الحاجة إلى كلّ هذا الرصاص.

وفي النهاية، لابدّ من الإشارة إلى مشاهد جميلة ومتميّزة، بالإضافة إلى مشهد المخاتير المذكور أعلاه، منها مشهد موت الهبّاب، ومشهد الحوار بين الأمّ والأخوات لطلب يد العريس، والرقصة الاستثنائيّة في مشهد التضرّع الصوفيّ إلى الله من أجل المطر (ربّ الخير يا ربّي).

وأخيرًا، فإنّ القيمة الكبرى لهذا العمل شجاعته في خوض معركة التجريب، ونجاحه فيها إلى حدّ كبير، وإنّ هذا الفعل التجريبيّ يعطي مؤشّرًا على حيويّة الدور الذي يؤدّيه المسرح الشعبيّ وفرقة وشاح في الحالة الفنّيّة الفلسطينيّة.

 

فارس سباعنة

 

شاعر وإعلاميّ. يعمل مسؤولًا عن العلاقات العامّة والشراكات المحلّيّة في مؤسّسة محمود درويش. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ 'يصدقني الكمان' (2016)، و'كأنّها سحابة' (2012). ساهم في العديد من المبادرات والحملات والمهرجانات الأدبيّة والثقافيّة، مشاركةً أو تنظيمًا، منها مبادرة 'بسطة شعر' (2009 – 2010). يكتب المقالة  في منابر فلسطينيّة وعربيّة. أعدّ وقدّم برنامج 'الناظم' المختصّ بالشعر العربيّ الكلاسيكيّ على فضائيّة القدس التعليميّة.

 

تعليقات Facebook