كأنّ الصور نفدت: عن سينوغرافيا عروض مهرجان فلسطين الوطني للمسرح 2

من مسرحيّة "الملح الأخضر"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

اختُتمت فعاليّات "مهرجان فلسطين الوطنيّ للمسرح" بدورته الثانية، بمشاركة عشرة عروض مسرحيّة محلّيّة الإنتاج، تنافسَ ثمانية منها على جوائز المهرجان، في ما كان عرض "قلنديا رايح جاي" للمخرج فتحي عبد الرحمن، وعرض "بيدرو والنقيب" للمخرج إيهاب زاهدة، على هامش المهرجان؛ لأنّ المخرجَين عضوان في اللجنة العليا للمهرجان، فكان عرضاهما على الهامش تحقيقًا لمبدأ الشفافيّة.

ولحسن الحظّ؛ تمكّنتُ من مشاهدة جميع عروض المهرجان، باستثناء عرض "سحماتا تحت أشجار الصنوبر" لـ "فرقة مسرح الحنين"، وسأتحدّث في هذا المقال عن سينوغرافيا العروض الّتي شاركت في المسابقة الرسميّة، باستثناء مسرحيّة "سحماتا".

 

شبّاك " الملح الأخضر"

ولتكن البداية مع عرض مسرحيّة "الملح الأخضر" لـ "المسرح الوطنيّ الفلسطينيّ - الحكواتيّ"، حيث استطاعت السينوغرافيا أن تضعنا في المكان المطلوب، وهو بيت هذه الأسرة الّتي فقدت ابنها الوحيد في الحرب، ونجحت من خلال شبّاك في منتصف المسرح أن تضيف بُعدًا آخر، وأن تُوهمنا بوجود الكثير ممّا لا نراه خلف هذا الشبّاك؛ وهو ما جعل الشبّاك نقطة القوّة الأساسيّة في السينوغرافيا، وقد كان هذا بسبب موقعه وشكله وتفاعُل الإضاءة والممثّلين معه. وكان المكياج بسيطًا يؤدّي الغرض المطلوب، وكان دوره مهمًّا على الأقلّ في مساعدة الممثّلين الّذين أدّوا أدوار الجنود في التنقّل من شخصيّة إلى أخرى.

تبقى السينوغرافيا عنصرًا هامشيًّا جدًّا في العرض، ولا استخدام له إلّا في حدود القليل، كأن يكون الديكور جدرانًا خلفيّة، وأن تُظهر الإضاءة وجه الممثّل فقط، وأن يقتصر دور الإكسسوارات على كرسيّ يجلس عليه الممثّل

أمّا ما لم يكن موفّقًا في سينوغرافيا "الملح الأخضر" بالنسبة إلى الديكور، فهو وجود كتلة على يسار المسرح لم تشكّل أيّ إضافة وظيفيّة، ولا يمكن أن نعتبر تعليق بعض الإكسسوارات على هذه القطعة تحقيقًا للجانب الوظيفيّ؛ لأنّ الإكسسوارات الّتي عُلِّقت لم تكن بحاجة إلى هذه الكتلة الضخمة، بل كان يمكن الاستعاضة عنها بشيء أصغر، أمّا جماليًّا فلم تُضِف هذه القطعة شيئًا، بل على العكس تمامًا كانت صمّاء. هذا من زاوية التصميم، أمّا من زاوية التنفيذ فكانت السينوغرافيا تحتاج إلى تعامل أدقّ مع التفاصيل؛ فعلى سبيل المثال كان الجدار الخلفيّ الّذي يحمل الشبّاك يحتاج إلى أن يُحجم حتّى يبدو بشكل ثلاثيّ الأبعاد، ليساعد أكثر على خلق فكرة الإيهام الّتي صنعها الشبّاك.

أمّا الإضاءة فقد كانت موفّقة في أغلب الوقت، وكانت وظيفيًّا تؤدّي ما عليها، وهو بشكل أساسيّ أن نرى وجه الممثّل، بل أضافت أيضًا بُعدًا جماليًّا في الكثير من الصور؛ أقصد هنا خيال الظلّ الّذي كان موفّقًا، والألوان الّتي كانت تعبّر بشكل جميل عن الحالة القائمة على خشبة المسرح، أمّا ما لم يكن موفّقًا - من وجهة نظري - فهو لون إضاءة الفانوس الّذي كنت أحبّ أن أراه بلون غير الأبيض، وكان يزعجني أن أرى ظلال الممثّلين دائمًا في الخلفيّة؛ فقد كانت هذه الظلال غير الموظّفة في مكانها تسرق نظري بين حين وآخر، وهو ما يشتّتني عن فعل يقوم به الممثّل.

 

التناقض في "الجفرا"

أمّا العرض الثاني للمهرجان فكان مسرحيّة "الجفرا" لـ "فرقة المسرح القرويّ - طمرة". اعتمدت سينوغرافيا المسرحيّة على ثلاث قطع خلفيّة تشكّل أبواب بيوت أهل البلد، وقد كانت هذه القطع مقنعة بصريًّا، وخاصّة مع التفاصيل الّتي عُلِّقت عليها، من أشياء كانت تُستخدم في المرحلة الزمنيّة الّتي تحصل فيها أحداث المسرحيّة، وكانت ألوان هذه الأبواب والجدران موفّقة ومقنعة أيضًا، ولا سيّما عند تفاعل الإضاءة معها؛ ولهذا فإنّي أرى أنّها نجحت في وضعنا في الفترة الزمنيّة المناسبة.

 

من مسرحيّة "الجفرا"

 

في الوقت نفسه، لم تنجح سينوغرافيا هذا العمل في تحقيق المكان كما هو مطلوب، وقد بدا هذا جليًّا في مشهد جفرا مع أحمد، بعد زواجهما الّذي من المفترض أنّه داخليّ في بيتهما، لكنّه حسب السينوغرافيا كان خارجيًّا، وهو ما أحدث التناقض بين ما يُقال من حوار بين الشخصيّتين وما نراه من صورة على خشبة المسرح؛ ولهذا كنت أفضّل أن يكون الديكور أكثر مرونة ممّا كان عليه، ليتيح استخدامه في غير مكان؛ على الأقلّ ليفرّق بين ما هو داخليّ وما هو خارجيّ.

 

كراسيّ "لندن جنين"

وكان عرض مسرحيّة "لندن جنين" لـ "مسرح الحرّيّة" ثالث عروض المهرجان، وهو عرض اعتمد البساطة أساسًا في السينوغرافيا؛ فقد استخدم ستّة كراسيّ فقط يشكّلها الممثّلان على خشبة المسرح بتشكيلات مختلفة، وقد كانت هذه الكراسيّ ناجحة في التعبير عن المكان الّذي يحتاج العرض إلى وضعنا فيه، ولكنّ عرضًا ببساطة الديكور هذه يحتاج إلى أن يعطي أبعادًا بصريّة، عن طريق أحد عناصر السينوغرافيا الأخرى، ولا سيّما أنّ العرض لم يكن فيه مكياج وإكسسوارات، وكانت ملابسه بسيطة أيضًا ووظيفيّة ليست جماليّة؛ ولهذا أعتقد أنّ الإضاءة هنا هي خير وسيلة لخلق صورة بصريّة، وقد انتظرت طوال العرض أن أرى دور الإضاءة الجماليّ، لكنّها لم تؤدّ هذا الدور، وبقيت فقط في حدود وظيفتها الأساسيّة، وهي إظهار وجه الممثّل.

 

من مسرحيّة "لندن جنين"

 

وأنا لا أقصد بالجانب الجماليّ هنا الألوان، إنّما أقصد زوايا جديدة لا تعتمد فقط على الإضاءة الأماميّة والخلفيّة. وعلى الرغم من هذه البساطة في الإضاءة، إلّا أنّها لم تكن موفّقة أيضًا طوال العرض؛ إذ كان الممثّلون في كثير من اللحظات يخرجون من الضوء، بلا أيّ بُعد دراميّ لهذا الخروج.

 

جدران "عبّاس الفرّان"

أمّا رابع عروض المهرجان فقد كان مسرحيّة "عبّاس الفرّان" لـ "مسرح الحياة"؛ العرض الّذي اعتمد على خمسة جدران خلفيّة، رُسم عليها رسومات ناقصة تكتمل حين توضع الجدران الخمسة بجانب بعضها بعضًا، لتشكّل صورة لجدار الفصل العنصريّ، إضافة إلى دائرة في منتصف المسرح يدور عليها الكثير من الأحداث، مع ثلاثة مكعّبات تتنقّل حسب حاجة الممثّلين، وفي الحقيقة شعرت بأنّ فكرة الجدران أقرب إلى المسرح المدرسيّ منها إلى المسرح المحترف، وزاد هذا الشعور عندي عندما جُمع كلّها في آخر المسرحيّة؛ فجمْعها لم يُعطِني أيّ شعور بالدهشة، بل كانت الفكرة ظاهرة لي ومفهومة منذ بداية العرض.

الملابس كانت موفّقة في أغلب الأوقات، وقد ساعدت الممثّلين، الّذين يؤدّون أدوارًا مختلفة، على تقديم هذه الأدوار.

 

من مسرحيّة "عبّاس الفرّان"

 

فوضى "الغراب"

وخامس عروض المهرجان كان مسرحيّة "الغراب" لـ "مسرح الجوّال البلديّ"، العرض الّذي رأيت أنّه أكثر العروض تماسكًا من ناحية السينوغرافيا؛ فقد اعتمد على مكانين في السينوغرافيا، هما البيت الواقعيّ المليء بالفوضى المنظّمة، وفي الخلفيّة كان مكان آخر، كان الوهم والتجريد في خيال مروان الوحيد.

 

من مسرحيّة "الغراب"

 

البيت الّذي كان يضمّ أغلب الأحداث، كان مليئًا بالإكسسوارات المبعثرة على المسرح بطريقة عشوائيّة فوضويّة، لكنّها غير مزعجة بصريًّا، بل كانت فوضًى منظّمة ومنطقيّة؛ لأنّ شخصيّة مروان تسمح له بأن يكون بيته فوضويًّا بهذا الشكل، وقد أعجبتني هذه الإكسسوارات وسهولة تحريكها ونقلها من مكان إلى آخر؛ الأمر الّذي نقل إليّ هذا الشعور بالفوضى والتيه الّذي كان يشعر به مروان. أمّا المكان الثاني فقد كان مُتقَنًا أيضًا، وقد نُفِّذت فيه الصور الجماليّة بدقّة عالية جدًّا، بصورة كانت تُدهشني في كلّ مرّة كان الممثّلون يذهبون فيها إلى ذلك المكان. مشكلتي الوحيدة مع السينوغرافيا في مسرحيّة "الغراب"، عدم وضوح مفاتيح التنقّل من المكان الأوّل إلى الثاني.

 

تنوّع مواقع التمثيل في "كلب الستّ"

وكانت مسرحيّة "كلب الستّ" لـ "مسرح القصبة"، سادس عروض المهرجان، وهي المسرحيّة الّتي حصلت على جائزة "أفضل سينوغرافيا" في المهرجان. اعتمدت السينوغرافيا في هذا العرض على ثلاثة جدران خلفيّة، عُلِّق عليها القليل من الإكسسوارات، وصورة للجدّ وهو صاحب البيت، وفي مرحلة من العرض تُستبدل بصورة الجدّ صورة كبيرة لكلب الستّ، إضافة إلى طاولة صغيرة وكرسيَّي قشّ لها أهمّيّة وظيفيّة.

 

من مسرحيّة "كلب الستّ"

 

في الحقيقة أنا لا أرى أنّ هذه السينوغرافيا تستحقّ أن تحصل على جائزة "أفضل سينوغرافيا"؛ لأنّها لم تكن تحمل أيّ تصوّر جديد لسينوغرافيا ابتكاريّة، بل كانت عاديّة جدًّا، ولم تكن متكاملة تمامًا، فقد كان ثمّة خلل كبير في تفاعل الإضاءة مع الديكور، وكأنّ كلًّا منهما كان منفصلًا عن الآخر إلّا في مشاهد قليلة. ثمّ إنّ الديكور كان يحتمل أن يكون فيه تفاصيل أكثر، تُدلّل على أنّ هذا بيتُ فقير، أو تدلّل على خلفيّة ساكني هذا البيت. ولعلّ ما يُحسب لسينوغرافيا "كلب الستّ"، أنّه خلق مستويات مختلفة من مواقع التمثيل؛ أي أمام الجدار وخلفه وأعلاه، ولكنّ هذا لا يعني أنّها الأفضل، ففي عروض أخرى كان ثمّة تنوّع أكثر في الصورة البصريّة، وكان هناك اجتهادات سينوغرافيّة على مستوًى أعلى، وتحديدًا في عرضَي "الملح الأخضر" و"الغراب".

 

السينوغرافيا هامشيّة

في النهاية، أعتقد أنّ السينوغرافيا في المهرجان ككلٍّ، لم تكن بمستوًى عالٍ؛ فإمّا ثمّة تشابه في العديد من الصور بين عروض عدّة، وكأنّ الصور والأفكار قد نفدت، فأصبح التنافس على مَنْ ينفّذها بشكل أدقّ، خاصّةً الصور الّتي لها علاقة بخيال الظلّ، وصور الخطّ الخارجيّ لجسد الممثّل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إمّا تبقى السينوغرافيا عنصرًا هامشيًّا جدًّا في العرض، ولا استخدام له إلّا في حدود القليل، كأن يكون الديكور جدرانًا خلفيّة، وأن تُظهر الإضاءة وجه الممثّل فقط، وأن يقتصر دور الإكسسوارات على كرسيّ يجلس عليه الممثّل.

لا أختلف على أنّ السينوغرافيا أساسًا وُجدت لتكون عنصرًا مساعدًا للممثّل، لكنّها تطوّرت لتساعده بشكل أكثر جماليّة، وتحوّلت من خلفيّة لتصبح موظّفة في صُلب العمل المسرحيّ. ومع التطوّر التقنيّ والتكنولوجيّ المهول، أصبح بإمكاننا أن نخلق لها مساحة أكبر، على أن تبقى في حدود وظيفتها الأساسيّة، وهي أن تساعد الممثّل على إيصال الفكرة والحالة إلى المشاهد.

 

 

محمّد فروخ

 

 

مسرحيّ فلسطينيّ. خرّيج "معهد الحارة" لتدريب الفنون الأدائيّة. يعمل في "جمعيّة المسرح الشعبيّ" حيث شارك معها في العديد من أعمالها مصمّمًا ومنفّذًا للسينوغرافيا.

 

 

تعليقات Facebook