فنّ يتبع...

بانكسي | عدسة بينيامين ستون

 

أتطوّع في قطاع الفنون منذ ما يُقارب 5 سنوات، وقد تنوّعت تجاربي الشخصيّة الّتي أثّرت في عملي ضمن فرقتنا المسرحيّة «المسرح الشعبيّ»، بشكل إيجابيّ أو سلبيّ. بدأت عندما كنت لا أزال طالبًا جامعيًّا، والآن أصبحت موظّفًا بدوام كامل إضافة إلى عملي في الفرقة، وهذا ما جعلني ألاحظ الفرق بين المرحلتين؛ أنّ حياة العمل مع الفنون قد تكون منتجة، لكنّها تبقى محدودة بالالتزامات العمليّة.

خلال العامين الأخيرين فكّرت بجدّيّة في تفرّغي بشكل كامل للعمل بالفرقة، وكان خوفي ألّا أستطيع الحصول على مستحقّات كافية لأعيش، رغم كثافة العمل – نسبيًّا - في فرقتنا. هل اعتبرت هذا تقصيرًا منّي أو من الفرقة؟ الإجابة قطعًا لا. هل ثمّة فنّانون آخرون يعيشون من أعمالهم الفنّيّة بشكل تامّ؟ نعم، لكنّهم قليلون جدًّا نسبيًّا.

 

انتماء للإنسان

الفنّ الّذي نريده هو ذلك الّذي انتصر، ولا يزال، للإنسان وللعدل وللجمال وللحرّيّة، ويرفض كلّ أشكال الكراهية والبشاعة والظلم، وكلّ ما يبتعد عن الانتصار للحرّيّة والجمال قطعًا ليس فنًّا نفتخر به؛ لذلك لم أقبل يومًا بالفنّ المتدنّي أو بالفنّ التجاريّ، ولم يكن إصدار أعمال تتّجه بشكل واضح نحو البيع بمبالغ طائلة شيئًا أسعى إليه. ينتمي الفنّ إلى الإنسان، وكلّ إنسان يجب أن يكون قادرًا على ممارسة الفنون بحرّيّة، وأن يشاهد ذلك جميع الناس، وكلّ توجّهات الفنون – حتّى الحديث منها - يرفض الفنّان المتقاعس الّذي لا يحمل موقفًا واضحًا تجاه الظلم.

ثمّة أفكار تسيطر على عقل عدد كبير من الناس والمموّلين أيضًا، متعلّقة بشكل الفنّان أو – الإتيكيت - الّذي يحمله هذا الشخص في تفاصيل حياته، ما جعل العديد من الفنّانين النمطيّين، يلتقون بعدد من أصحاب الجيوب الكبيرة الممتلئة لإنتاج أشياء غير ذات جودة فنّيّة...

ثمّة قول يعجبني، وبشدّة، "المسرحيّون إمّا مجانين وإمّا قدّيسون". لم أشكّ يومًا في جنون أيّ مسرحيّ مستعدّ للتضحية، بكلّ الرخاء الّذي قد يحصل عليه في عمل آخر، لكنّه يترك ذلك ويفضّل البقاء في المسرح لإيمانه به. لكن أثار فضولي دائمًا التصنيف الّذي قد يكون أساسيًّا في تنميط الفنّان، أو آليّة ذلك التنميط.

ثمّة أفكار تسيطر على عقل عدد كبير من الناس والمموّلين أيضًا، متعلّقة بشكل الفنّان أو – الإتيكيت - الّذي يحمله هذا الشخص في تفاصيل حياته، ما جعل العديد من الفنّانين النمطيّين، يلتقون بعدد من أصحاب الجيوب الكبيرة الممتلئة لإنتاج أشياء غير ذات جودة فنّيّة، وترْك عدد من الفنّانين غير النمطيّين من دون فرص أو حدّ أدنى من الأمان الاقتصاديّ.

لم ينقذنا هذا أيضًا من وجود فنّانين وفرقًا – على مستوى العالم – اختاروا لأنفسهم تبعيّةً، يدّعون أنّها هويّة فنّيّة، وذلك لضمان فرص عمل وجني أرباح أكثر. وقعت المؤسّسات الفلسطينيّة الفنّيّة والثقافيّة مؤخّرًا في فخّ التمويل هذا، عندما طلب منها الاتّحاد الأوروبّيّ والمؤسّسات الأمريكيّة التوقيع على اتّفاقيّة تدين «الإرهاب»، وقد رفضها الجميع تقريبًا لأنّها تدين الحقّ الفلسطينيّ في النضال، لكنّ هذا مسارٌ كثيرٌ ساهم في صناعته الكثير من الرافضين، وصولًا إلى هذه النقطة. ولن يخلو السجلّ من بعض المؤسّسات الّتي ستوافق على التوقيع، من منطلق التبعيّة الماليّة، وقد حدث هذا سابقًا في التمويل المشروط للعديد من المؤسّسات والفرق.

 

تساوي الفرص!

لم يقتصر هذا الشكل من الوصوليّة على الفنّ فقط، بل امتدّ إلى جميع الحقول الفنّيّة والعمليّة، وأصبح «تساوي الفرص» مجرّد كلام فارغ؛ لأنّ التجارب في معظمها كانت نتيجة علاقات شخصيّة، أو إعلانات غير حقيقيّة، وجعلتنا نتوهّم بأنّ ما هو قادم من الخارج يتّسم بالعدل، وستكون فرصنا جميعًا واحدة، والحقيقة أن لا شيء من ذلك حقيقيّ؛ فرأس المال الفاسد متغلغل في العديد من القطاعات، ولم يترك سوى القلّة دون أذًى واضح.

ثمّة فرق كبير بين أن يكون المال وسيلة لتنفيذ الفنون، وبين إنتاج أعمال فنّيّة لتكون وسيلة لإنتاج المال؛ المال يجب أن يكون وسيلة لا غاية.

هذه إجابة واضحة لتساؤل الكثيرين عن سبب وجود بطالة بشكل كبير في قطاع الفنون بعامّة. أحقًّا نحن مضطرّون إلى بيع أعمالنا لشركات أساسها المفاوضات حول السعر المدفوع، لأنّها مبنيّة على أساس رأس المال؟ هل حقًّا لا دخل للوطن في هذه القضيّة؟ إذن، لماذا نقوم بأعمال ذات طابع وطنيّ أو سياسيّ في كثير من التجارب الفنّيّة؟ هل حقًّا ولّى زمن الأعمال البسيطة الّتي تُدافع عن حرّيّتنا بشكل يُتَّهَم بأنّه كلاسيكيّ؟ أنا حقًّا لا أعتقد ذلك، وكلّ الفنّانين الّذين يعانون من البطالة ويضطرّون إلى العمل في المقاهي والمطاعم، ضحيّة عمليّة فساد عالميّة أساسها رأس المال. لا أدّعي أن لا حاجة إلى المال من أجل إنجاز الأعمال الفنّيّة، بل العكس، لا يمكن التطوّر إلّا بتوفير ميزانيّة جيّدة للفنون، لكنْ ثمّة فرق كبير بين أن يكون المال وسيلة لتنفيذ الفنون، وبين إنتاج أعمال فنّيّة لتكون وسيلة لإنتاج المال؛ المال يجب أن يكون وسيلة لا غاية.

 

النقد المهمّش

لا حركة فنّيّة تتطوّر من دون نقد بنّاء ومنهجيّ، وحركة نقديّة قادرة على متابعة جميع الأعمال الفنّيّة الّتي تحتاج إلى تقويم هنا أو هناك – صفة أيّ عمل فنّيّ ديناميكيّ - ومن الصعب بمكان أن يكون النقّاد مركزيّون في ظلّ رأس المال الّذي يتحكّم بالفنون حاليًّا؛ لأنّهم لا يشكّلون وزنًا في معادلة الشركات الداعمة، ويمكن المجادلة في أنّهم لا يشكّلون عاملًا في معادلة الراعي الرسميّ للفنون.

يمكن اعتبار النقد والحركة النقديّة مؤشّرًا للفنّانين الّذين يريدون النهوض بالفنون، حتّى لو ظهرت توجّهات جديدة في الفنّ. النقد لم يكن يومًا يرفض التجديد والتغيير، لكنّه يرفض التجديد الضعيف الّذي يفتقر إلى الإبداع المؤسَّس على المتانة، والمعرفة الّتي قد يضيفها وجود نقّاد قادرين على تفكيك النظريّات الفنّيّة القائمة أو تطويرها، معرفة مستمرّة. أيمكن ادّعاء أنّ الثقة في المثقّف أصبحت هشّة، نظرًا إلى تجربتنا مع العديد من المثقّفين الّذين لم تكن آراؤهم موضوعيّة وصادقة، أو تطمح إلى التطوير فعلًا؟ أصبحنا نرى هذا في كلّ كلمة قد تُقال عن أيّ عمل فنّيّ، وأصبح ثمّة خلط بين الموقف الشخصيّ تجاه الفنّان والموقف الفنّيّ تجاه أعماله، أو الموقف السياسيّ تجاه توجّهاته.

هل سيستطيع الفنّ النجاة وسط هذه التوجّهات المادّيّة في جميع المناحي؟ لا بدّ من وجود طرف رسميّ يستطيع ضمان حياة كريمة للفنّانين، ويبتعد عن فكرة وجودهم في سوق المنافسة الفوضويّة، ويرفض أن يتّخذوا هويّة تبعيّة، تغدو نمطًا متكرّرًا في أفكارهم وأعمالهم الفنّيّة ومنشوراتهم.

هل سيستطيع الفنّ النجاة وسط هذه التوجّهات المادّيّة في جميع المناحي؟ لا بدّ من وجود طرف رسميّ يستطيع ضمان حياة كريمة للفنّانين، ويبتعد عن فكرة وجودهم في سوق المنافسة الفوضويّة...

منذ سنوات، أحاول دراسة القدرة على إصدار نشرة تتضمّن مقالات ثقافيّة فنّيّة نقديّة، لكن لم يكن الكتّاب موجودين للكتابة، ولم تكن الأموال موجودة للإنتاج، ولن يكون مفيدًا أن نأتي بمقالات جاهزة من الخارج؛ فالظروف والأعمال الفنّيّة وكلّ الحيثيّات مختلفة، ولهذا قد يكون هذا وقتًا ضروريًّا للبدء بحالة تنفيذ ونقد – ذاتيّ على الأقلّ - لكلّ ما قمنا به خلال السنوات الماضية، ولنحاول معرفة ما أضفناه إلى حصيلة الفنون المحلّيّة مبدئيًّا، وإلى حصيلتنا الشخصيّة.

 

إفساد الحسّ

ما أودّ قوله في المحصّلة، إنّ الشكل الاقتصاديّ السائد للفنون، لا يضمن تطوّرًا أو قيمًا جماليّة أكيدة، وإنّما يضمن ظهورًا لبعض الأشكال الّتي يقابلها قبول عامّ – لرماديّتها - وفرص عمل لأفراد قد يكون بينهم فنّانون حقيقيّون، لكنّ هذا التوجّه سيُفْسِد الحسّ الفنّيّ العامّ، تراكميًّا، ويستبدل به آخر مادّيًّا قبيحًا.

لا بدّ للفنّان من التأمّل في أشياء كهذه، ولا بدّ من خلق فرص تُمَكِّن أولئك الراغبين في إنتاج فنّ نقديّ وحرّ وجميل. ربّما ما ينقصنا معهد حقيقيّ للفنون المسرحيّة، وحركة نقديّة ديناميكيّة قادرة على التطوّر وخلق فنّ حيويّ، وثقافة فنّيّة تُعَمَّم في المناهج الدراسيّة والتربويّة، كي تُنْشِئ جيلًا يتردّد على المسارح والمعارض ودور السينما، لقناعته بأنّ الفنّ عنصر أساسيّ في الحياة، حتّى لا تكون الفنون محصورة بفئة نخبويّة، كما هي الحال الآن.

 

 

محمّد مشارقة

 

 

 

درس الهندسة الميكانيكيّة في جامعة بيرزيت، ويدرس التمثيل في أكاديميّة الشارقة. يتطوّع في فرقة «المسرح الشعبيّ» برام الله.

 

 

 

تعليقات Facebook