نزار روحانا: موسيقاي امتداد للتّراث دون تكراره

عدسة: محمّد بدارنة

سيصل بعد أيّام إلى فلسطين، الموسيقيّ وعازف العود، نزار روحانا (1975)، قادمًا من هولندا؛ البلد الّذي يسكنه منذ أيلول (سبتمبر) 2013 لدراسة الدّكتوراه، مطلقًا ألبومه الموسيقيّ الثّانيّ 'فُرات'، في جولة عروض يفتتحها في رام الله مرورًا بالقدس واختتامًا بحيفا.

تأثّر روحانا بوالده الّذي عزف على العود ووالدته الّتي كانت ترافقه على الإيقاع، ومنذ كان في الثّالثة عشرة من عمره، لم يترك آلة العود، فتعلّم الموسيقى والعزف والتّلحين واحترفها، ولا زال يبحر في عوالمها ويستكشفها، منغمسًا في التّأليف الموسيقيّ وتطوير ألحانٍ معاصرة، ومتأثّرًا بموسيقيّين من عوالم متنوّعة؛ باخ وبيتهوفن وبرامس وجميل بيك الطّنبوريّ ومحمّد القصبجي ومحمّد عبد الوهّاب وغيرهم.

عام 2008، أصدر روحانا ألبومه الأوّل، 'سرد'، الّذي حاور  فيه العود كلّ من الكونتراباص والقانون والإيقاعات، في خمس مقطوعات؛ سرد، إمّ الزّينات، عراق، عجم، حجاز، بالإضافة إلى 'سماعي فرحفزا' لجميل بيك الطّنبوريّ (توزيع الموسيقيّ خالد جبران)، ولحن أغنية 'يا رايح صوب بلادي' للموسيقيّ والمغنّي أحمد قعبور (توزيع خالد جبران).

في ألبومه الثّاني، واستمرارًا للأوّل، حضر العراق أكثر، بداية من اسم 'فُرات'، وانعكاس تدفّق النّهر على التّأليف الموسيقيّ في خمس مقطوعات؛ مدار حجاز، فُرات، ميادين، دالية، صفصاف أبيض، جورجينا بياتي، مقطوعة 'سماعي مُحيّر' لجميل بيك الطّنبوريّ، قدّمتها 'ثلاثي روحانا'، وهي مجموعة حوار موسيقيّة ما بين العود والكونتراباص والإيقاعات، يراها روحانا استمراريّة لألبومه الأوّل 'سرد'، مسارًا لتقديم علاقة موسيقيّة بين هذه الآلات، تجيب على السّؤال: 'كيف يمكن أن تتعايش هذه الآلات سويّة؟'

عشيّة جولة عروضه في فلسطين، أجرينا في فُسْحَة هذا الحوار الخاصّ مع نزار روحانا، عبر السّكايب وقبل وصوله إلى فلسطين، تحدّث فيه عن 'فُرات' واختلافه عن 'سرد'، عن العود، وعلاقة الموسيقى بالمكان، وغيرها. .

عدسة: محمّد بدارنة

فُسْحَة: سبع سنوات ما بين 'سرد' و'فُرات'، ماذا أضافت هذه السّنين في مسيرتك الموسيقيّة للألبوم الجديد؟

روحانا: 'بعد ألبوم سرد، شعرت بمسؤوليّة تقديم ألحان جديدة للجمهور، ليست موسيقيًّا أركّز على عزف الموسيقى فقط، كوني ملحّنًا أيضًا، تكمن مسؤوليّة أكبر في التّأليف الموسيقيّ. وأشعر أنّ فُرات أنضج لحنيًّا من سرد'.

فُسْحَة: اختيار 'فُرات' اسمًا للألبوم، واختيار أسماء مناطق حول النّهر، وحضور مقامات وإيقاعات عراقيّة؛ كيف تحكي هذه الاختيارات ما يعيشه العالم العربيّ في هذه المرحلة؟ وكيف تحكي الموسيقى هذه القصّة؟

روحانا:  'كان الهدف من ألحان ألبوم ’فُرات‘ أن تحتوي على تدفّق. يجب على اللّحن أن يكون متماسكًا من بدايته إلى نهايته، جاريًا كالنّهر، فيه انسياب، وهذه هي الفكرة الأولى قبل اختيار الأسماء. حين ألّفت الموسيقى كانت بأسماء مؤقّتة، لكن حين اكتملت الصّورة، وبحضور مقطوعة مثل ’جورجينا بياتي‘ في الألبوم، وهي على إيقاع عراقيّ، وجدت أنّ الاسم الأنسب هو فُرات، كونه نهرًا، ولمعناه التّاريخيّ ورمزيّته. أنا، الفلسطينيّ، لا أتصوّر أن يأتي اليوم الّذي سأرى فيه الفُرات... لكنّني لطالما سمعت عن أهمّيّته الإنسانيّة وليس العربيّة فقط، وهذا يتزامن مع أحداث العصر، وقد حُوِّلَتِ العراقة الّتي أحاطت النّهر إلى مأساة نسمعها ونعيشها يوميًّا'.

فُسْحَة: منذ أن تعلّمت العود في سنّ الثّالثة عشرة، لم يرافقك غيره، على مستوى التّلحين والعزف. لماذا لا زلت تحمل العود شراعًا؟

روحانا: 'ممارستي للموسيقى، مُلَحِّنًا، كانت من خلال العود منذ بداياتي، وتنبع ارتجالاتي وأفكاري الموسيقيّة وألحاني من العود. حاولي عزف مقطوعة ’سرد‘، مثلًا، على آلة الكمان، فلن تستطيعي، لأنّها لا تصلح إلّا على العود. أشعر أّن ألحاني كُتبت للعود خصّيصًا، وهو الواجهة دومًا. ربّما سأخوض بعد ألبوم ’فُرات’ تجربة ثانية أجمع فيها آلات متنوّعة مبتعدًا عن فكرة تلحيني من قلب العود، لكنّني حاليًّا، عازفَ عود، كانت ولا زالت تربيتي الموسيقيّة نابعة منه، وأشعر أنّه لا زال هناك المزيد ممّا يُكْتَبُ له. تكمن في العود مساحات استكشاف عديدة لموسيقانا، لا سيّما الموسيقى الآلاتيّة، لأنّ موسيقانا، في عصر التّسجيلات، انحصرت في تلحين الكلام بهدف الغناء، ما أدّى إلى تهميش الملحّنين وظلمهم وتأليه المغنّي. أنا لست ضدّ ذلك طبعًا، لكنّني أشعر أنّ ملحّنًا مثل القصبجي، هو أعظم عازف عود في القرن العشرين، لكنّه لو ركّز أكثر في آلة العود والموسيقى الآلاتيّة، لَكُنّا فُزْنا بموروث موسيقيّ عظيم، إلّا أنّه خصّص حياته لتلحين الكلام، وهذا بالتّأكيد ليس سيّئًا. أشعر أنّ الموسيقى الآلاتيّة لا زالت في بداياتها، كما أشعر في هذه المرحلة من حياتي، أنّ ألحاني مفصّلة لآلة العود، وهذا أمر أساسيّ في عملي الموسيقيّ، إن لم يكن الأساسيّ. أرى أنّ ما يميّزني، عازفَ عود، هو أنّني قادر على كتابة ألحانٍ جديدة ومعاصرة خاصّة بالعود'.

فُسْحَة: معظم مقطوعات ألبوم 'فُرات' من تأليفك وتوزيعك، باستثناء 'سماعي مُحيّر' لجميل بيك الطّنبوريّ. أعرف أنّك متأثّر به. لكن لماذا اخترته واخترت هذه المقطوعة لأن تكون جزءًا من النّهر؟

روحانا: 'الطّنبوري، في رأيي، كان أهمّ ملحّن للموسيقى الآلاتيّة في الشّرق، وسيبقى جزءًا من موسيقاي. الطّنبوري ملحّن عبقريّ، استطاع أن يخلق موسيقى قادرة على أن تعيش إلى الأبد. حين أعزف مقطوعة موسيقيّة له، اليوم في عام 2016، أشعر أنّني أعزف مقطوعة جديدة وليست موسيقى متحف. ثمّة العديد من الأعمال الموسيقيّة الّتي تقوم على إعادة وإحياء التّراث، وهذا جيّد، لكنّ فكرتي تكمن في أن أكتب موسيقى لا تكرّر التّراث، إنّما تنبع منه وتمثّل امتدادًا له، موسيقى تتواصل مع التّراث، تستخدم مخزونه وتكمله، وأشعر أنّ أعمال الطّنبوريّ الموسيقيّة تتيح هذه الإمكانيّة، وتعطيك شعورًا بأنّه خارج الزّمن، ويتعايش مع أيّ زمن تحضر فيه موسيقاه'.

فُسْحَة: كيف أثّرت الحياة، بعيدًا عن فلسطين، على مسارك وإنتاجك الموسيقيّ؟

روحانا: 'تنكشفين في أوروبا على تجارب موسيقيّة عديدة ومتنوّعة، بسبب وجود موسيقيّين من عدّة ثقافات، خلافًا عن فلسطين، وذلك في ظلّ الواقع السّياسيّ الّذي تعيشه، حيث لا أشعر بوجود بيئة للإنتاج الموسيقيّ فيها، والّتي يحتاجها الموسيقيّ بالدّرجة الأولى كي يستمرّ. الإنتاج لا يحتاج إلى جوّ لطيف وما إلى ذلك، بل إلى تواصل، إلى أن يعيش الموسيقيّ حياة موسيقى بأكملها؛ التّعرّف على موسيقيّين والسّفر والتّنقّل بسهولة... وهذا توفّره أوروبا'.

فُسْحَة: في 'سرد'، حاور العود كلًّا من الكونتراباص والقانون والإيقاعات، أمّا في 'فُرات'، فذهب القانون ليبقى الكونتراباص مع الإيقاعات. مع من سيتحدّث العود في مشروعك القادم؟ وهل من رغبة بتلحين كلام لأغانٍ؟

روحانا: 'أتعمّق أكثر في العود، بحوار العود مع العود. سيكون مشروعي القادم مع أخي الموسيقيّ، ميشيل روحانا، مشروعًا لآلَتَيْ عود بدعم من مؤسّسة المورد الثّقافيّ، وهذه من أكثر التّجارب الّتي أرغب في خوضها، علمًا أنّ مقطوعة ’عراق’ في ألبوم ’سرد’ لآلَتَيْ عود؛ لكن، للأسف، لم يكن ذلك واضحًا في التّسجيل، لأسباب تقنيّة، أو ربّما لم يكن واضحًا في النّصّ المرفق بالألبوم، لكنّني أريد أن أكرّر التّجربة على شكل مشروع، وهي أيضًا استمراريّة لألبوم ’سرد‘.

أمّا فيما يتعلّق بتلحين الكلام، فأنا مهتمّ جدًّا طبعًا، لكنّني قبل ذلك يجب أن أجد الكلمة الّتي ستحرّكني لتلحينها، وهذه معضلتي الأساسيّة، صعوبة إيجاد النّصّ المعبّر والقادر على أن أعبّر عنه موسيقيًّا. متى سيحدث هذا؟ لا أعرف... لكنّني آمل أن تكون لي تجربة في تلحين الكلام قريبًا'.

من الجدير ذكره أنّ عروض 'فُرات' الموسيقيّة في فلسطين ستُقام في: معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى برام الله يوم 19 نيسان (أبريل)، ومعهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى في القدس يوم 20 نيسان (أبريل)، ومسرح الميدان في حيفا يوم 21 نيسان (أبريل)، بمرافقة ماتياس تزانداي (كونتراباص) ومعن الغول (إيقاعات).

 

تعليقات Facebook