فُرات: رحلة بحث موسيقيّة على ضفاف النّهر

كان ليل القدس عراقيًّا. من رام الله إلى القدس وصولًا إلى حيفا تدفّق 'فرات'، الإنتاج الجديد للفنّان نزار روحانا، يخوض فيه تجربة موسيقيّة جديدة بعد عمله السّابق 'سرد'، الصّادر عام 2008.

يقدّم لنا ثلاثيّ روحانا 'فرات'، في جلسة حنين تشترك فيها آلات العود، والكونتراباص، والإيقاعات، وهو يمثّل رحلة بحثيّة متعمّقة ومتأنّية في المشهد الحضاريّ الممتدّ على طول نهر الفرات.

تراثٌ... ولكن

في قاعة المبنى العريق الخاصّ بمعهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى في القدس، قدّم نزار روحانا عرضه الثّاني في فلسطين، وذلك ضمن جولة عروض لإنتاجه الجديد، شملت حيفا ورام الله، وقد كان عرضه في المعهد الوطنيّ مميّزًا، يحمل ذاكرة حميميّة، لا سيّما أنّ المعهد احتضن البدايات المهمّة في مشوار نزار روحانا المهنيّ، إذ عرف تدريس الموسيقى في المعهد، كما تلقّى الدّعم منه لعروضه في فلسطين. وهنا أشير إلى أنّ فنّان الإيقاعات في هذا العرض، معن الغول، كان أحد تلاميذ روحانا في المعهد، وقد حلّ محلّ الفنّان وسيم حلاّل، لتعذّر مشاركته في العرض، لكن من المنصف القول إنّ ما قدّمه الأخير في الأسطوانة كان أداءً متطوّرًا ومحترفًا.

منذ بداية العرض، تدرك أنّك أمام عمل موسيقيّ مُجَدِّد، يقدّم جدلًا موسيقيًّا غير مُكرّر، ويطرح لغة موسيقيّة يحاول روحانا من خلالها الخوض في التّراث الموسيقيّ، ليحكي سيرة بلد عربيّ خارج رقعتنا الجغرافيّة المحلّيّة، ويظهر جليًّا أنّ روحانا يحرص في هذا العمل على احترام وعي المستمع وحسّه الموسيقيّ، فيقدّم خطابًا لحنيًّا جديدًا دون تكرار أو استهلاك لأسطوانته الأولى، 'سرد'، باستثناء مقطوعته 'إمّ الزّينات'، و'يا رايح صوب بلادي' لأحمد قعبور، بتوزيع وقراءة خاصّتين بروحانا.

في كلا العملين، الحاليّ والسّابق، يحافظ روحانا على هاجس الفنّان بالبحث عن الأمكنة واكتشافها، ففي 'سرد' يقدّم مقطوعة 'العراق'، وفي 'فُرات' يحدّثنا عن بلدة 'الميادين' على ضفاف النّهر المتدفّق من سوريا إلى العراق، ويخوض أكثر في تفاصيل العراق.

أُلْفَة

ثمّة أُلفة موسيقيّة تظهر في 'فرات' بين عود روحانا وإيقاعات الفنّان معن الغول، وكذلك الكونتراباص المدعوم بجسد وأنامل العازف الرّومانيّ، ماتياس زنداي، وليس صعبًا في هذا الإنتاج استيعاب مدى الانسجام (harmony) بين مركّبات العمل، من حيث لغة المقطوعات وانعكاساتها الحسّيّة، وبين الآلات الموسيقيّة، فتدرك، بالتّالي، مدى المجهود المبذول في هذا العمل.

لم يعكس العزف المشترك معاني فنّيّة فقط، بل حمل دلالات حسّيّة ذات صلة بمضمون المقطوعة الموسيقيّة، وقد كانت المعزوفات الفرديّة (solo) غير مبتذلة ولا مستوجبة كما يحدث في بعض العروض، بل عكست اكتراثًا مهنيًّا كبيرًا بالنّصّ واللّغة، وهكذا بدا العزف الانفراديّ لكلّ من العود، والإيقاع، والكونتراباص، مساهمة حسّيّة عميقة للتّعبير عن لغة العمل، تتجاوز الحاجة إلى إظهار القدرات الفنّيّة للعازفين. وبهذا جاءت مقطوعات العمل الموسيقيّ، 'فُرات'، مترابطةً ومتماسكةً في شقّيها، الموسيقيّ والحسّيّ.

حواريّة

في إنتاج روحانا الجديد، بدت إيقاعات معن الغول شغفة بمكان العرض وحجارته القديمة، والكونتراباص يؤدّي دورًا مميّزًا في التّوفيق ما بين هذه الآلة الغربيّة والنّصّ الموسيقيّ العربيّ الأصيل، الّذي يحاكي نهرًا عظيمًا. وبين هذا وذاك، يقود نزار روحانا عمله الموسيقيّ دون ارتباك ولا التفاتات تتفقّد سير العزف من حوله.

أظهر العمل إمساكًا كاملًا بالتّفاصيل والجزئيّات، فرتمه العامّ يُضْبَطُ دون أن تشعر بهيمنة سلبيّة على الموسيقى، فتسمع وتشاهد كيف يؤدّي  الكونتراباص في المقطوعة الأولى دور الصّدى ورجعه، وكأنّها مناداة يصحبها الأنين والذّكريات، مانحًا العرض الموسيقيّ رخامة تتجانس مع الحضارة العريقة المهدّدة بالضّياع. يساعد حدوث هذا التّناغم والتّجانس الإمكانيّات الصّوتيّة الّتي يمنحها معمار بناية المعهد وقاعاته، فتعطي جودة صوت نوعيّة، دون تدخّل أجهزة صوت. وبين حواريّة الإيقاع والكونترا، يواصل روحانا طرح جمل موسيقيّة متدفّقة وسلسة، تجعلك متيقّظًا ومتعمّقًا في عزفه.

أمكنة

في العمل الفنّيّ 'فرات'، ثمّة رحلة بحث للموسيقار عن ضواحي وأمكنة ممتدّة على طول الفرات، تحاول رسم موسيقى متدفّقة، لا تتوقّف، وإن توقّفت فهي وقفة تأمّل لتمضي قُدُمًا. وانطباعي أنّ فلسفة الموسيقار العراقيّ الكبير، منير بشير، قد تركت بصماتها على عمل روحانا، وقد أكون مخطئًا، إلّا أنّ أعمال بشير حضرت في ذهني لدى سماعي مقطوعات 'فرات'، لا سيّما مقطوعته المعنونة بـ 'بغداد'.

 في المقطوعة الأولى، 'فرات'، يبدأ العود عراقيًّا، وعلى ضفّة النّهر المتدفّق أيضًا، يداعب معن الغول إيقاعاته بمهارة، ليفسح المجال أمام حواريّة دافئة بين جملة العود وجرح الكونتراباص، ويحافظ التّدفّق على مستواه الموسيقيّ، لتنتهي الحواريّة بتقسيمة بغداديّة وإيقاع شرقيّ لا لبس فيه. في مقطوعة 'فرات'، يقدّم نزار روحانا تعبيرًا غير مباشر عن تطوّره الموسيقيّ ورحلة نضوجه المستمرّ.

وجع... حنين

في مقطوعة 'ميادين'، وهي مدينة سوريّة تقع على نهر الفرات، يتيح نزار للكونترا أن 'تستشرق' بشغف، لتطرح حالة وتريّة راسخة، مع لمسات ملهمة لفكر المستمع، وفي رحلته في 'الميادين' ينجح نزار مع ماتياس على الكونترا، في رأيي، باستنهاض مشاعر الوجع لما آلت إليه بلاد ما بين النّهرين وبلاد الشام؛ فالفنّان الّذي يبحث عن الفرات وتفاصيله تقلقه حالة الفقدان والهلاك، فتستفزّه ليترجمها إلى مشهد موسيقيّ جميل يحمل أوجاعا في ثناياه.

من 'الميادين' ينتقل ثلاثي روحانا ليقدّم مقطوعة 'دالية'، وهو اسم بلد عراقيّ صغير وقديم، عمره 5000 عام، وفيها ينفرد روحانا بالعزف، حيث السّرد الموسيقيّ الّذي يولّد حالة حنين للعراق وللفرات والشّام، وتعرف المقطوعة تحوّلات عزف متقنة، وتعبيرًا موسيقيًّا جميلًا ومؤثّرًا.

فرح

مقطوعة 'صفصاف أبيض'، نسبة لاسم شجرة تبنت على الفرات، وهي حلقة من العمل الكامل المكرّس لنهر عظيم اشتقّت منه حضارة عظيمة، ويقدّم هذا الصّفصاف في 'فرات' على شكل مقطوعة ذات تقاسيم منفردة.

أمّا مقطوعة 'إمّ الزّينات' من ألبومه السّابق، 'سرد'، فقد قُدّمت ضمن قراءة أكثر انفتاحًا، فالرّتم السّابق استُبْدِل بحالة فرح موسيقيّ راقص ورتم سريع، حيث إيقاعات معن الغول الرّائعة تهيمن على المقطوعة، وتغازل الكونتراباص الّذي يردّ مشاكسًا ببراعة.

ولا يتوقّف العطاء في المعزوفة، فيمنح المؤلّف مسافات إضافيّة لتميّز وتدفّق آلتي الكونترا والإيقاعات، ويحضر عازف الكونترا ليمنح المقطوعة مسحات جميلة من الجاز، ومن ثمّ العودة لهرمونيّة شرقيّة حميمة، فيها من الطّرب الكثير.

الطّنبوريّ وقعبور

ولا يفوت العرض الموسيقيّ، الّذي قُدّم في هذا الصّرح الموسيقيّ المقدسيّ، أن يمرّ بعبقريّة جميل بك الطّنبوريّ، الّذي يُعَدّ من أهمّ المؤثّرين في الموسيقى العربيّة، فيقدّم ثلاثي روحانا 'سماعي  مُحَيَّر' للطّنبوريّ، وهي مقطوعة كلاسيكيّة، ووحده الكونتراباص يذكّرنا بالتّحديث الّذي تعرّضت له مؤلّفات الطّنبوريّ من قبل العديد من الموسيقيّين الأتراك والعرب. ويبدو في هذه المقطوعة الوعي الموسيقيّ والمسافات الّتي قطعها روحانا في مشواره البحثيّ الموسيقيّ.

قدّم ثلاثي روحانا أيضًا، مقطوعة 'يا رايح صوب بلادي'، بحلّة جديدة، كما هي في 'سرد'، وفيها يتميّز الكونترا ليعطي صبغة مختلفة قليلًا عن الأصل، كما قدّمه قعبور، لكنّها لا تجازف ولا تبتعد كثيرًا لتحافظ على دفئها المعروف، إلى أن تتسلّل إليها مداخلة عود متجدّدة مختلفة عن الأصل، ترافقها جُمل مبهرة للإيقاع والكونتراباص، ليكون روحانا بذلك قد أعاد قراءة أحمد قعبور بإضافة متميّزة، لأعدّه نوعًا من التّحرّش الموسيقيّ المهذّب الجميل.

جورجينا بيات

ينهي روحانا ومرافقاه، الغول وزنداي، عرضهم بمقطوعة 'جورجينا بيات'، وهي قراءة مثقّفة وواعية لإيقاع الجورجينا العراقيّ، وفيها من الصّخب الجميل والتّناغم المتقن الكثير. فيها يعزف الكونتراباص إيقاعًا عراقيًّا معقّدًا، يجاري فيه الأداء الإيقاعيّ المتميّز للغول في العرض، كما قدّمه في الأسطوانة بشكل رائع الفنّان وسيم حلّال.

لقد لخّصت هذه المقطوعة مشوار روحانا البحثيّ في موسيقى، جغرافيا وتراث العراق، وهي تُظْهِر رتمًا متداخلًا متفاوتًا في حوار واشتباك موسيقيّين، وتعدّ في رأيي من أهمّ المقطوعات في هذا الإنتاج، كونها تعكس مجهودًا موسيقيًّا جدّيًّا، تمخّض عنه فعل موسيقيّ نوعيّ.

تعليقات Facebook