هواجس سناء موسى

سناء موسى

يشكّل التراث لبنة أساسيّة في الثقافة الإنسانيّة، ويمكننا تبيّن أثره في الحضارات ودوه في بنائها. لكنّ الأمر يصبح معقّدًا عند الحديث عن الحضارة العربيّة وتراث شعوبها والربط بينهما، إذ لم تترك الاحتلالات التي توالت على المنطقة متنفّسًا للبناء المستمرّ والمتطوّر، ما أوقع مسؤوليّة كبرى على عاتق حرّاس التراث إزاء معاول الأعداء، التي لا تكفّ عن تهشيم الحقيقة وسرقة هذا التراث، ليصبح مسوّغًا لوجودهم في هذه المنطقة.

خفارة

يتجلّى هذا التحدّي أكثر ما يتجلّى في الحالة الفلسطينيّة، إذ لم يعمد الفلسطينيّون إلى توثيق تراثهم على مرّ العصور، لكنّ الأمر صار ضرورة قصوى في ظلّ احتلال يستغلّ كلّ فرصة للتدليس والتلاعب التاريخيّ الذي من شأنه أن يمنحه – على نحو مؤقّت – شرعيّة وحقًّا في البقاء. يترافق هذا الاعتداء مع ضعف في الدور الذي تؤدّيه المؤسّسة الفلسطينيّة على المستويين العربيّ والعالميّ، لكنّ أفرادًا يضطّلعون بهذا الدور من دوافع إبداعيّة، وإنسانيّة، ووطنيّة بامتياز، لم يتقاعسوا عن هذا الدور، ولا شكّ في أنّ الفنّانة سناء موسى واحدة من أبرز هؤلاء الذين يؤدّون خفارة طويلة لحراسة هذا الإرث الكبير والمدمى.

وُلدت سناء موسى في قرية دير الأسد في الجليل، شمال فلسطين، ونشأت في بيت فنّيّ، يولي الموسيقى اهتمامًا خاصًّا، إذ كان والدها، علي موسى، متمكّنًا من الموروث الكلاسيكيّ، الشاميّ والمصريّ والعراقيّ، ما ساعدها على سبر مساحات الغناء الكلاسيكيّ العربي بعامّة، والشعبيّ الفلسطينيّ بخاصّة.

بعد أن قدّمت سناء موسى ألبومها الأوّل، "إشراق" (2011)، والذي تناول موضوعات تراثيّة عديدة، فتطرّق إلى فترة التجنيد الإجباريّ أيّام الدولة العثمانيّة، الذي خلق حالات مأساويّة لن تمّحي من الذاكرة الفلسطينيّة، كما جسّدت في الألبوم الذي ضمّ 10 أغنيات، أجواء الفرح، والفراقيّات، والثورة، وغيرها.

أسلحة ناعمة

في ألبومها الجديد "هاجس" (2016)، تواصل موسى رحلتها في التراث، هذه الرحلة المجهدة فعلًا، والتي تمكّنت من خلالها أن تزور الجدّات الفلسطينيّات، والاستماع إلى قصصهنّ وأغانيهنّ التي يحفظنها، لتعيد بدورها إنتاجها بتصرّف معقول، من شأنه أن يقدّم الأغنية على نحو أنضج وأكثر لياقة، وهذا جهد تطلّب أكثر من 6 سنوات، تمكّنت خلالها من إضافة خطوة جديدة لمسيرتها، لا تتطابق مع التجربة الأولى، إنّما تشترك معها في صفات جوهريّة، لكنّها تتجاوزها لتعبّر عن مساحات جديدة في التاريخ الشاميّ بأكمله، لا الفلسطينيّ وحده.

أرفقت موسى شروحات مقتضبة حول كلّ أغنية، ما يؤكّد على اهتمامها بالرسالة الفنّيّة والإنسانيّة والتزامها بها، والتي من شأنها إحقاق الحقّ؛ فبأسلحتها الناعمة التي لا تؤذي أحدًا تنتصر لشعب كامل، ذاق مرارات جعلت أغاني الحبّ والفرح لديه شجيّة، ومتّشحة بحزن شفيف، كأنّها معادلة الهشاشة التي لا تستسلم، الهشاشة القاسية، تمامًا كأعواد القرفة.

ألم شاميّ

اشتمل الألبوم على 8 أغنيات، أولاها "عودة النوارس"، من كلمات الشاعر الفلسطينيّ زهير أبو شايب وألحان التونسيّ نزار الوحيشي، وتوزيع الفلسطينيّ طارق عبوشي. وقد مهرت الفنّانة هذه الأغنية، كغيرها، بفقرة قالت فيها: "العودة هي الهاجس الذي يلازمني ويلازم الكلّ الفلسطينيّ في كلّ جهات الأرض. وهو هاجس نتشاركه مع كلّ من رُحِّل عن أرضه عنوة. قد تتبعثر أطيافنا في ضجيج هذا العالم، لكنّ أرواحنا ستطوف أبدًا حول برتقال يافا وزيتون الجليل إلى أن نعود".

أمّا عن أغنية يا "طارش الدرب، ويارايح ع بلاد الشام"، فقالت: "اللحن والكلمات كانا نتيجة حتميّة لهاجس لم يفارقني منذ سنوات. قد أحاول أن أفهم بعض النظريّات في فيزياء الكمّ، لكنّي لم ولن أستوعب يومًا أن يكحّل الردى عيون الأطفال، فتقتلع هذه الزهرات بأبشع الصور". وقد ضمّت هذه الأغنية  موّالًا من التراث السوريّ، "يا طارش الدرب لا سلّم ولا كلّم/ يا دمع عيني سبقني وع الحجر علّم"، لحّنته سناء موسى، كما كتبت ولحّنت الأغنية التي تلته، "يا رايح ع بلاد الشامّ على مهلك/ ودّي لبردى منّي سلام على مهلك".

شوق الرجال

ولم تتقوقّع فنّانتنا في منطقة الشمال الفلسطينيّ هذه المرّة، إنّما زارت الجنوب، لتحمل لنا أغنية من "السامر"، والذي تقول عنه: "السامر هو قالب يغنّيه الرجال في جنوب فلسطين، عادة ما يغنيّه صفّان متقابلان من الرجال، يتغنّون فيه بأجمل ما حفظوه من حِكَم، ونُصح، وفخر، وغزل، وغيرها. في الأبيات المنتقاة، يعبّر الرواي عن هاجس الشوق والحنين لزمن جميل ما، مرتبط بأشخاص أحبّهم، مؤكّدًا ارتباطه بالوطن الذي يعيش فيه". وقد شاركها الغناء الفنّان علي موسى، ولحّن الكلام التراثيّ ووزّعه محمّد موسى، بالاعتماد على الألحان التراثيّة أيضًا.

"الحبّ هاجس يضيء حياة البشر أينما حلّوا، في هذه الأغنية الغزليّة التي يغنّيها الرجال، لا يبخلون ولا يدّخرون أيّ جهد لوصف جمال الحبيبة ومقارنة حياتهم بين ما قبل وبعد اللقاء بها". هكذا قدّمت لأغنية "طلّ القمر" التي أعادت هي نفسها كتابة كلماتها، أو لنقل إنها تصرفت تصرفًا حسنًا بالكلام التراثي، كما أعادت قولبة اللحن ولحنت الفواصل الموسيقية بالاعتماد على التراث.

نظم قديم

وقدّمت لأغنية "أذكر الحبَّ"، التي انتخبت أبياتها من النظم القديم، ولحّنها المصريّ داوود أفندي حسني، ووزّعها الفلسطينيّ سهيل نصّار، قائلة: "في هذه الأغنية، أيضًا، يسيطر هاجس الغرام والشوق (وهو درجة عالية في الحبّ) على وجدان الشاعر، ما يأخذنا في رحلة مثقلة بالمشاعر المتناقضة بين الحزن والفرح (ميلانكوليا)".

اشتمل الألبوم على أغنية "يا قلب" أيضًا، التي  جمعت كلماتها من النظم القديم أيضًا، ووضعتها على لحن "صفر بيك علي – بلاد الشام"، ووزّعها محمّد علي كامون من تونس.

"منديلي ضاع يا حلو" أغنية مشاكسة ملؤها الدلال والغنج الرزين، الذي لا ينفكّ عن الحياء، شرحت في مقدّمتها كيف كانت الصبايا يطرّزن رسائلهنّ على المناديل، ويرسلنهنّ مع الريح للعشّاق المنتظرين. وقد عدّلت مع تميم الأسدي الكلام التراثيّ الأصليّ. لحّن المقدّمة الموسيقيّة محمّد موسى، كما وزّع الأغنية أيضًا.

الجدّة وطفة

ولعلّ الأغنية الأكثر مفصليّة في الألبوم "لفّي محرمتك"، لأنّها الأكثر التصاقًا بسناء موسى من ناحية، وبكلّ فلسطينيّ من ناحية أخرى، تقول: "كلمات هذه الأغنية ارتجلتها جدّتي، وطفة محمّد موسى، حين حزمت أمتعتها وجدّي وهمّا بالرحيل إلى لبنان في النكبة عام 1948، حيث فهمت جدتي - كشابّة - معنى فقدان الأرض، ومعنى اللجوء إلى المجهول".

تقول وطفة في الأغنية: "لفّي محرمتك ع السيف لفّيها، يا امّي الوحيدة اغراظك ظبّيها". ثمّة سيف يختبئ تحت المحرمة إذًا، ثمّة قوة ستخرج من تحت هذا الضعف، لذلك فقط، يمكننا أن نقول إنّ هذه الأغنية بمثابة نبوءة ضلعت بها وطفة، لماذا؟ لأنّ هذا السيف خرج، فعلًا، بعد أن غادروا البلاد إلى لبنان، لتعود وطفة إلى فلسطين مع مَنْ تسلّل إليها، وتكون سببًا في ميلاد سناء في دير الأسد. وقد لحّنت موسى كلمات جدّتها، وتشاركت في التصوّر الموسيقيّ مع عيسى سقعان.

أمانة

يجدر ذكر أنّ الشروحات التي ترافقت مع أغنيات الألبوم ظهرت باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، في مرحلة نبدو فيها أكثر حاجة من أيّ وقت مضى إلى تعريف كلّ العالم بنا من خلال الفنّ والثقافة، ليفهم انتهاكات العدوّ بحقّ تراثنا ودمنا.

كما تجدر الإشارة إلى الأمانة العالية، التي تجلّت في إصرار موسى على توثيق مصادر أغانيها، فلم تتقمّص لحنًا لتنسبه إلى ذاتها، إنّما وضعت المساهمات في سياقاتها الصحيحة، ونسبت كلّ إبداع إلى صاحبه.

سناء موسى صوت يحمل فلسطين على أوتار كحبال الغسيل، تهزّها الريح، لكنّها لا تنال من الثوب المطرّز المعلّق عليها. 

 

سلطان القيسي

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا، من مواليد الثمانينات، يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ 'بائع النبيّ' عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

تعليقات Facebook