ما وحشناك: عسّاف مستمرّ في البحث عن هويّته

محمّد عسّاف

أطلق الفنّان محمّد عسّاف، قبل أيّام، ألبومه الثاني 'ما وحشناك'، الذي اشتمل على عشر أغنيات تنوّعت في اللهجة واللون، إذ جاءت بالمصريّة، واللبنانيّة، والبدويّة الشاميّة، والجزائريّة، والخليجيّة، بالإضافة إلى العربيّة الفصحى، وقد تنوّعت ألوانها بين الرومانسيّ، والجبليّ، والشعبيّ، والكلاسيكيّ.

وفي الوقت الذي نراجع فيه منجز عسّاف الفنّيّ، لا بدّ من التخلّي عن العاطفة لصالح الحيلولة دون تراجعه ولو خطوة واحدة إلى الوراء، ولا سيّما بعد أن حظي بتأييد جماهيريّ كبير داخل فلسطين وخارجها، ومن قبل الفلسطينيّين والعرب وغيرهم، وكونه أيقونة للفنّ الشبابيّ الفلسطينيّ.

تعدّد الألوان

أثبت عسّاف قدرته العالية على غناء الألوان الفنّيّة جميعها، ليس من خلال ألبومه الأخير فقط، إنّما من خلال الألبوم السابق 'عسّاف' (2014) ومشاركاته الفنّيّة أيضًا، لكن ثمّة أسئلة مهمّة في هذا الصدد: هل تجدي هذه القدرة نفعًا؟ أو هل تعود على عسّاف بتوسيع دائرة شهرته ومحبّيه؟

لا يتوجّب على الفنّان أن يتقن الألوان والأشكال الغنائيّة جميعها، بل عليه أن يفلح في انتقاء أنسبها إليه، لروحه ولجمهوره، لمزاجه ولتطلّعاته، فلقد مرّ في حياة الغناء فنّانون أصرّوا على لون واحد يتّسق ومزاجاتهم، وأسّسوا مدارسهم على الرغم من محدوديّة إمكانيّاتهم الصوتيّة، مثل ملك الراي، الشابّ خالد، وحميد الشاعري، وعمرو دياب، وغيرهم، لذلك لا بدّ من أن يختار عسّاف لونًا أو اثنين، ليشكّل هويّة فنّيّة مستقلّة، نستطيع من خلالها نسب أغنيات لاحقة إلى مدرسته. لماذا؟ لأنّ اللحاق بتعدّد الألوان هذا يفقد الصوت خصوصيّته، ويوقعه من دون أن يشعر في فخّ تمثّل أصوات الآخرين من أصحاب المدارس الراسخة. ولا شكّ في أنّ عسّاف ما زال ماضيًا في رحلة البحث هذه، فمن خلال تجريبه لهذه الألوان سينتهي إلى اللون الذي يحبّه الناس ويميلون إليه، لكن يجب ألّا تطول فترة التجريب كي لا ينزلق نحو عدم الاستقرار والتأرجح الذي يؤذي مكانته الفنّيّة التي يسعى إليها، لتكون صنو نجوميّته.

خليجيّة ومصريّة

الأغنية التي حمل الألبوم اسمها، 'ما وحشناك'، وجاءت باللهجة الخليجيّة، وهي من كلمات علي الخوار، وتلحين وتوزيع هادي شرارة، أغنية مصنوعة لصوت عسّاف وقدراته، إذ يمكن تبيّن فخامة صوته في القرار ونظافته في الجواب، كما أنّها أبرزت إحساسه الذي ساهمت غزّة، بظروفها اليوميّة القاسية، في جرّه نحو الصخب، وذلك على الرغم من أنّ الكلمات جاءت أضعف من اللحن، إذ اعتمدت على قوالب مسموعة وجاهزة أضرّت بفخامة الأغنية.

علي الخوار

اشتمل الألبوم على ثلاث أغنيات مصريّة: 'أنا مش هفرض نفسي'، و'حكايتي معاه'، و'ذكرياتنا الحلوة'، ويبدو أنّ عسّاف مصمّم على خوض التجربة المصريّة بحبّ، ويبدو ذلك جليًّا في ألبومه السابق أيضًا، الذي اختار أن يصوّر منه أغنية 'أيوة هغنّي'، إلى جانب الأغنية الرئيسيّة.

ومن المعروف أنّ الذائقة الغزّيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا وتاريخيًّا بمصر، إذ تقع غزّة على خطّ متوتّر بين حضارتين مختلفتين اختلافًا كبيرًا، الشاميّة والمصريّة، ويمكن استعراض آثار هذا التوتّر من خلال الأعمال الإبداعيّة الغزّيّة كافّة، وليس ما يقدّمه عسّاف فقط. لكن إلى أيّ مدًى يمكن أن يضرّ هذا التصميم بشخصيّة عسّاف الفنّيّة؟ وهل يمكن أن يحمل العصا من المنتصف إلى الأبد؟ هذا تحدًّ صعب، ربّما لم يجرّبه أحد من قبل إلّا في طريقه إلى هويّته، فثمّة واد كبير بين الغناء الجبليّ والغناء المصريّ الرومانسيّ، وبخاصّة الحديث.

عسّاف وزياد برجي

أغنية 'بزعل على مين'، من كلمات أحمد ماضي وتوزيع عمر الصبّاغ، ليست التعاون الأوّل بين عسّاف والملحّن زياد برجي، فقد سبقها تعاونهما في ثلاث أغنيات ضمن ألبومه السابق: 'لوين بروح'، و'فلّي بلا ما تحكي'، و 'تعا نقعد'، وكان جليًّا تأثّر عسّاف بأداء برجي، وهو تأثّر لم يكن في صالحه، فبرجي فنّان مهمّ، تمكّن من استغلال إمكانيّات صوته المحدّدة في صوغ أغنيات جميلة، سمعناها وأحببناها، لكنّ ألحانه التي قدّمها عسّاف، وبخاصّة 'بزعل على مين' و'لوين بروح'، حدّت من عَدْوِ صوته في البراري، وكيّفته مع قياس إحساس برجي ومساحة لحنه، فبدا صوت عسّاف مشوّهًا ومرتبكًا.

زياد برجي

ولن يخفى على المستمع المتمرّس التدخّل الجائر في هويّة الصوت، وذلك من خلال المكساج الذي حاول تطويع صوت المغنّي ليتّفق مع اللحن، بدلًا من أن يفعل العكس.

زياد برجي ملحّن ومغنّ ممتاز، لكنّه أخفق في صناعة كيمياء تحتوي صوت عسّاف وتتفاعل معه لتنتج مزيجًا جديدًا، بل أعاد إنتاج صوت أَلِفْنَاه.

النسخة الأصليّة

ثمّة إجماع جماهيريّ كبير على أغنية 'عاللومة عاللومة'، ربّما لأنّها تمكّنت من تقديم النسخة الأصليّة من صوت عسّاف الذي بايعناه، وقد كتبت كلماتها الشاعرة السوريّة حياة إسبر، ولحّنها شريكها في الجمال فضل سليمان، وقد صنعا مؤخّرًا مجمل ألبوم 'طول اليوم' لناصيف زيتون، الذي حاز جوائز عدّة.

وفي حديث لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، أعربت إسبر عن سعادتها الكبيرة في أن يكون عسّاف سفيرًا لكلماتها، بصوته القويّ وإحساسه المرعب، كما عبّرت عن فخرها بالنجاح الذي حازته تجربتها مع فضل سليمان، الذي عدّته صانع هذا النجاح، وأكّدت أنّه شخص استثنائيّ على المستوى الإنسانيّ، والمهنيّ، والفنّيّ.

حياة إسبر

تتّسم معظم أغنيات إسبر بقدرتها على تمثّل إحساس 'الرجل الشرقيّ'، وقد علّقت على ذلك قائلة: 'أحاول أن أعيش الحالة وأتخيّل إحساس صاحبها قبل أن أكتب'.

 تتّضح في الأغنية متعة صوت عسّاف وهو يحوم فوق الجبال، بحنكة الحسّ الشاميّ العليّ، معاتبًا معشوقته التي يخاطبها بصيغة المذكر امتثالًا للعرف البدويّ والريفيّ؛ يعاتبها بأنفة وصخب، تاركًا لعُرَبِه أن تنفلت من عقالها كما تشاء، متّكئًا على التوزيع الظريف الذي تولّاه فادي جيجي.

عربيّة وعالميّة

كما لحّن له فضل سليمان أغنية 'بدّك عناية'، من كلمات مازن ضاهر، وشاركه الغناء فيها Gente De Zona، وهي تجربة فريدة أيضًا، أظهرت النسخة المحبوبة ذاتها من صوت عسّاف وشخصيّته، إذ استطاعت الأغنية خلق انسجام بين اللحن الغربيّ وإيقاعاته من جهة، واللحن الشرقيّ وأحاسيسه وهواجسه من جهة أخرى.

أمّا أغنية 'يلّي القمر' التي كتبها الشاعر الكبير نزار فرنسيس، أحد عرّابي الأغنية اللبنانيّة، ولحّنها رواد رعد، واللذان سبق أن قدّما لعسّاف أغنية 'يا حلالي ويا مالي'، و 'يا هالعرب'، فقد تميّزت بجزالة النصّ وحلاوته، وتمتّعها باللحن العريق الذي يعيدنا إلى أيّام نجوى كرم في أوجها.

محمّد عسّاف والشابّ فضيل

قدّم عسّاف مفاجأة كبيرة في هذا الألبوم، أغنية 'راني'، التي شاركه فيها الفنّان الكبير الشاب فضيل، والذي يتمتّع بشهرة عالميّة. الأغنية من كلمات محمّد المرضي، باللهجة الجزائريّة واللغة الفرنسيّة، ومن ألحان وتوزيع RedOne & The Ghosts Producers، وقد حقّقت مليون مشاهدة في أسبوعها الأوّل.

ما يستحقّ الحياة

من وجهة نظري، كان على عسّاف تحديدًا أن يغنّي قصيدة لمحمود درويش، لتكون بمثابة رصيد فنّيّ له، وقد أحسن اختيار قصيدة 'على هذه الأرض'، وأحسن اختيار مقاطع منها. لحّن الأغنية الفلسطينيّ ياسر عمر، ووزّعها الفلسطينيّ سعد هنيّة، فألبساها ثوبًا هائل الجمال يقف في منزلة راسخة بين الحماسة والرزانة، ما يمنحها أسباب الخلود الرواج على حدّ سواء.

هذا الألبوم خطوة جديدة فعلًا في مشوار عسّاف، ففي الألبوم اقتراب من هويّات محدّدة، وإن كانت ما تزال متعدّدة، إذ تمكّن من حصر الأغنية المصريّة باللحن الرومانسيّ، والغناء الشاميّ بالرومانسيّ والجبليّ، والأهمّ من ذلك أن شخصيّته بدأت تسيطر على أغنياته على الرغم من تنوّعها، أكثر من ذي قبل. 

 

سلطان القيسي

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا، من مواليد الثمانينات، يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ 'بائع النبيّ' عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

تعليقات Facebook