16 عامًا من الغناء لفلسطين... لماذا توقّفت "يُعاد"؟

بعض أعضاء جوقة "يُعاد"

'يُعاد' بطلة رواية 'المتشائل' للكاتب الفلسطينيّ الراحل إميل حبيبي، وتمثّل رمزًا للصمود والبقاء والعودة للفلسطينيّين، ومن هنا كان الاسم.

16 عامًا من العطاء والإبداع والفنّ الملتزم، جابت فيها 'يُعاد' البلاد طولًا وعرضًا بلا كلل أو ملل، وكانت سفيرة للأغنية الإنسانيّة والسياسيّة التي أحيتها ونشرتها في أرجاء الوطن وخارجه. ظهرت في مئات العروض داخل فلسطين وخارجها، أهمّها المشاركة في مهرجان قرطاج الدوليّ في تونس، كما فازت بالجائزة الأولى في مهرجان بير زيت.

من رامة الجليل

من بيت فلسطينيّ وادع في قرية الرامة جليليّة، انطلقت الجوقة عام 1983، ونمت لتحمل همّ الناس وتغنّي عن مأساة الشعب الفلسطينيّ؛ رحيله، وترحيله، واحتلاله، واقتلاعه، وهمّه، وانتفاضته، وأمله، وفرحه، وأعراسه، وتراثه، وفولكلوره. وفي عام 1999 توقّفت الجوقة عن العمل، تاركة خلفها تجربة إنسانيّة وثقافيّة خاصّة، مليئة بالتحدّيات والإنجازات، ومجموعة من الأعمال التي تحفظها الذاكرة.

نتجت 'يُعاد' عن حاجة مجموعة فنّانين من قرية الرامة، شمال فلسطين، إلى التعبير عن أنفسهم بالغناء السياسيّ لأغاني فرق من العالم العربي، مثل 'الميادين'، و'العاشقين'، و'الطريق'، بالإضافة إلى أغاني مارسيل خليفة وغيرها. انتقلت الجوقة تدريجيًّا بعدها إلى مرحلة الإنتاج الفنّيّ الخاصّ، فبدأت بتلحين أغانٍ خاصّة بها لأشهر الشعراء الفلسطينيّين، ثمّ أصدرت شريطها الأوّل بعنوان 'أغنّي'، والذي تعبّر فيه عن بطولة الفلسطينيّين وصمودههم أثناء حرب لبنان.

نهاية عام 1989، أصدرت 'يُعاد' شريطها الثاني بعنوان 'زغرودة كانون'، الذي يصوّر الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى، وهنا بدأ تدخل عناصر التمثيل والحركة على المسرح، بالإضافة إلى الغناء، لتنتج عملًا غنائيًّا يجسّد، ولو على نحو بسيط، معاناة أطفال الحجارة وبطولاتهم.

قطر الندى

غدت 'يُعاد' مع الوقت مؤسّسة ترعى الفنّ والثقافة الفلسطينيّين وتحرص على تطويرهما، وكانت آخر أعمالها دراما فنّيّة راقصة بعنوان 'قطر الندى'، وهي قصيدة للشاعر الفلسطينيّ الراحل سميح القاسم، كتبها في فترة الاجتياح الإسرائيليّ للبنان وخروج الفلسطينيّين من هناك وتشتّتهم من جديد عام 1983.

قطر الندى فتاة تهوى شابًّا أمرد من المخيّم، يفترقان خلال الأحداث، يبحث عنها ويجدها فعلًا، ويحاول العدوّ منع لقائهما، إلّا أنّهما يكافحان من أجل ذلك. ترمز قطر الندى للحرّيّة، عشيقة الشعوب في كلّ الأماكن والأزمان، وتظهر في النهاية لتؤكّد بأنّها 'باقية' ما دام حبيبها باق، تسكنه 'الماء والنار والعافية'، منطلقًا يردّد اسمها في الأماكن كلّها. عمل خرج إلى النور بعد جهود جبّارة.

التزام وانفتاح

واكب الجوقة العديد من الفنّانين المحلّيّين على مدار سنوات، عازفين ومغنّين، وتركوا بصماتهم الفنّيّة في أعمالها ومهرجاناتها التي أثرت الساحة الفنّيّة والسياسيّة.

الفنّان نبيل عازر يقف وراء جلّ أعمال 'يُعاد'، إذ كان المدير الفنّيّ للجوقة، أشرف على تدريبها، ووضع الألحان، وأخرج الأعمال. وقد تابع نبيل مسيرته الفنّيّة بعد أن توقّفت 'يُعاد' عن الظهور، وقد أخرج ولحّن العديد من الأعمال الموسيقيّة والمسرحيّة، ولا زال يقدّم حتّى اليوم من إبداعه، وقد قال لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة إنّ خميرة أعماله واستمراريّته اليوم، كلّها تعود لتجربة 'يُعاد'.

يؤمن نبيل أنّ الفنّ من دون هويّة يكون مهزوزًا ومبتذلًا، وأنّ الهويّة الحضاريّة شرط من شروط الإبداع والفنّ الراقي والصادق، ولا يمكن للفنّان عزل نفسه عن قضايا شعبه ومجتمعه، والفنّان المبدع يعبّر عن نفسه وحضارته، وبها، ومن خلالها، يستطيع الانفتاح على حضارات وثقافات أخرى. ويؤكّد أنّ 'قطر الندى' مثال على ذلك، إذ جاء العمل فلسطينيًّا، لكنّه يستفيد من التراث العالميّ.

وعن مميّزات 'يُعاد' الفنّيّة يقول نبيل إنّ 'تجربتها سمحت بالاستفادة من تراثنا الشعبيّ الفلسطينيّ، وإعادته بشكل جديد وجميل، مثل شريط 'زغرودة كانون'، الذي يتضمّن أغاني يا أولاد حارتنا، وتجلاية العروس، والصلاة، وشتّي شتّي وزيدي، وغيرها. كان اتّجاه الجوقة عامًّا، ولم نخلق أسلوبًا خاصًّا بنا، لكنّ الفنّ الذي قدّمناه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بثقافتنا، وفولكلورنا، وقضيّتنا.

الظاهرة

تواصلت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة مع عدد من الفنّانين الذين عايشوا تجربة 'يُعاد'، وسألتهم عنها، منهم يوسف حنّا في الولايات المتّحدة، الذي قال: 'كانت الجوقة عملًا رائعًا وانتهى مثل كلّ شيء، لكن لديّ العديد من الموادّ والأشرطة المسجّلة التي يجب أن نجتمع معًا لنحييها، ونخرج هذا التاريخ إلى الحيّز العامّ، يحتاج الموضوع إلى قليل من الجهد.'

أمّا هالة قسّيس غطّاس، التي كانت مغنّية أساسيّة في الجوقة وعملت معها مدّة 16 عامًا، وهي اليوم تعمل في مستشفى صفد وأمّ لثلاثة جامعيّين، فقالت لنا: 'حظيت بتجربة مميّزة، صقلتني، وطوّرت هويّتي الذاتيّة، وزرعت بي معاني الأصالة وإدراك الوطن. جبنا البلاد، تعرّفنا إلى جذورنا وإلى شخصيّات مرموقة، وبصفتي امرأة، فقد عزّز وجودي في الجوقة الثقة بالنفس، هويّتي الأنثويّة كما الوطنيّة تبلورت في ’يُعاد’'.'

وتضيف هالة: 'لم يكن مفهومًا ضمنًا أن نخرج بشكل مستمرّ ونسافر مسافات بعيدة، وكذلك خارج البلاد، وأن نعود في ساعات متأخّرة إلى بيوتنا. شكّلت ’يُعاد’ حالة اجتماعيّه فنّيّة سياسيّة خاصّة، وقد قدّمنا أرقى الأغاني لأفضل الشعراء، وحسب رأيي، تركت ’يُعاد’ إرثًا فنّيًّا لا يُستهان به.'

ويقول حبيب شحادة، الموسيقار والملحّن الذي واكب 'يُعاد' عازفَ عود مرافق، ثمّ شقّ طريقه في عالم التلحين: 'لا شكّ أنّ لـ ’يُعاد’ أهمّيّة من ناحية ثقافيّة، إذ تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعيّة، ولا سيّما في باب تعزيز الانتماء الوطنيّ، إذ ثمّة أناس كثيرون بذلوا طاقات هائلة عملوا متفرّغين لكنّهم كانوا متطوّعين، وهذا يعود إلى فكر سياسيّ وفنّيّ نبيل. كان التعامل صادقًا تمامًا، لكن كانت تنقصه ’المَهْنَنَة’ (من مهنيّة) من كلّ النواحي، وما تبقّى من ’يُعاد’ في الذاكرة اليوم، ’يُعاد’ الظاهرة.'

أسباب التوقّف

وحول أسباب توقّف 'يُعاد' يقول نبيل عازر: 'عملنا بصفتنا هواة كلّ تلك المدّة، بكلّ ما في الكلمة من معنى، وكان يجب إمّا أن نتوقّف أو نتحوّل إلى الاحتراف كي نستطيع الاستمرار. كانت المشكلة تكمن في شحّ الموارد، حدّ انعدامها. عملنا تطوّعًا، أخذنا قروضًا بنكيّة من أفراد مؤمنين بالجوقة، وعملها، ودورها الوطنيّ الثقافيّ من أجل تغطية المصاريف الجارية. الآلات الموسيقيّة كانت مع العازفين أنفسهم، ولولا السيّد يوسف حنّا في حينه لما استطعنا التقدّم (يعمل اليوم مهندس كمبيوتر في الولايات المتّحدة)، إذ له الفضل الكبير في التوزيع، والعزف، والتقنيّات، لأنّه وفّر لنا احتياجاتنا الموسيقيّة بواسطة أورغه الخاصّ المتطوّر، وهذا صعب جدًّا.'

ويضيف نبيل: 'أحلامنا كانت أكبر من إمكانيّاتنا بكثير، كما أنّ أعضاء الجوقق تغيّرت ظروفهم الاجتماعيّة والمهنيّة، العشرات من الشباب والصبايا العازفين الذين انضمّوا إلى الجوقة اضطّرّوا إلى تركها خلال فترة عملها لهذه الأسباب.'

أمّا أشرف حنّا، الفنّان والمصمّم المسرحيّ، والذي كان عضوًا في إدارة 'يُعاد'، فيقول حول أسباب توقّفها: 'جاء توقّف ’يُعاد’ عن العمل نهاية عام 1999 وبداية الـ 2000، وهي مرحلة مثيرة للدراسة والفحص، بعد أوسلو وتشكّل السلطة الفلسطينيّة، وقبل الانتفاضة الثانية. كانت ’يُعاد’ في هذه المرحلة تحاول أن تخطو خطوة فنّيّة جديدة، فتحوّلت من مرافقة المهرجانات السياسيّة الوطنيّة بالأساس، في أراضي 48 والضفّة الغربيّة، إلى مؤسّسة تنتج عملًا مسرحيًّا كبيرًا مثل ’قطر الندى’، وهذا جميل وطبيعيّ، لكن بعد هذه الخطوة غدا من الصعب الرجوع إلى القالب الأوّل، ليس تقنيًّا، بل لأنّ الأمور تغيّرت، ولأنّ العمل الفنّيّ غدا قائمًا بحدّ ذاته، وليس جزءًا من مهرجان سياسيّ ما، وهذا كان يحتاج إلى أدوات عمل أخرى تختلف عن السابق. كانت تلك المرحلة مثل وقفة على مفترق طرق، ولم تكن أيّ دراسة أو قرار لفحص كيفيّة التقدّم بأسلوب آخر.'

 

سوسن غطّاس

 

من مواليد الرامة في الجليل عام 1960. متخصّصة في مجال توجيه المجموعات والوالديّة. لها مجموعتان شعريّتان بعنوان 'متاهات الدنى' و'فوضى الذات'.

تعليقات Facebook