ريم بنّا... خوف الطغاة من الأغنيات

 

هل علاقة الفنّ بالسياسة علاقة انفصال أم اتّصال؟ وهل على الفنّان أن ينأى بنفسه وبفنّه عن الشأن السياسيّ بشكل كلّيّ، فلا يتحدّث فيه، ولا يُدخل فنّه معترك التعبير عن موقفه منه ومن قضاياه المختلفة؟

هي، وغيرها، أسئلة يولّدها جدل قديم ومتجدّد حول هذه القضيّة، وقد دفعت بها الثورات العربيّة، التي انطلقت أواخر عام 2010 وبداية 2011، إلى الواجهة، ولا سيّما في ظلّ خذلان مبدعين ومثقّفين كثر لشعوبهم ومطالبها العادلة، وانحيازهم إلى الأنظمة الاستبداديّة التي واجهت تلك الشعوب بالحديد والنار.

 

التزام قيميّ

فئة أخرى من المبدعين والمثقّفين انحازوا للشعوب، فغنّوا للحرّيّة، ورسموا للثورة والثوّار، وكتبوا عن العدالة. هؤلاء أدركوا رسالة الإبداع والثقافة الحقيقيّة، وأنّ دور الواحد منهم تغيير العالم لا تكريسه، تبديله لا تثبيته، وذلك يكون بوسائل مختلفة، لعلّ على رأسها إظهار الموقف بشكل جليّ، والتعبير عن الالتزام القيميّ تجاه مطالب الناس بالحرّيّة، والعدالة، والكرامة، والقيم الإنسانيّة، بعيدًا عن الحياد السلبيّ الذي يفقد المبدع أو المثقّف موقعه، بصفته فاعلًا مؤثّرًا في المجتمعات، ويجعل منه إمّا بوقًا ناطقًا باسم السلطة، أو، في أحسن الأحوال، شخصًا بعيدًا عن الواقع، متقوقعًا على ذاته، منعزلًا في برجه العاجيّ.

 

 

يقودنا هذا الجدل، بالضرورة، إلى الفنّانة الراحلة ريم بنّا، كونها من الفنّانين الذين شكّل الالتزام القيميّ عندهم دعامة ومبدأ أساسيًّا، فكان انحيازها الصريح لقضيّة شعبها الفلسطينيّ، ودفاعها عن حقوقه على طول مسيرتها الفنّيّة. كما لم يقتصر التزام ريم على قضيّة شعبها، بل تجاوزه إلى الالتزام تجاه قضايا الشعوب الأخرى، ما ظهر بشكل واضح من خلال انحيازها الكامل للثورات التي اندلعت في عدّة بلدان عربيّة أواخر عام 2010 وبداية 2011، والمعروفة بـ "الربيع العربيّ"، وقد ساهمت في إسقاط أو زعزعة عدد من الأنظمة الاستبداديّة التي كانت جاثمة على رقاب الشعوب في هذه البلدان.

 

تهاليل الأمّهات والجدّات

منذ انطلاق مسيرتها منتصف الثمانينات، وضعت ريم مشروعها الفنّيّ في خدمة القضيّة الفلسطينيّة، وعُرِفت بأغانيها الوطنيّة والتراثيّة، كما ارتبط اسمها بالمقاومة ومناهضة الاحتلال. واتّصفت أغانيها بمحاكاة واقع الفلسطينيّين وتفاصيل حياتهم اليوميّة، فهي، وقد كانت تؤلّف معظم أغانيها بنفسها، حرصت على أن تقترب كلماتها من وجدان المجتمع الفلسطينيّ وثقافته وتاريخه، كما حرصت على أن تعبّر من خلال أغانيها عن معاناة شعبها، وهواجسه، وأحزانه، وآماله. ويمكن أن نعدّ التهاليل التراثيّة الفلسطينيّة التي قدّمتها، دليلًا بيّنًا على توجّهها هذا[1].

 

 

وليست التهاليل الدليل الوحيد على مدى ارتباط ريم بالواقع والذاكرة الفلسطينيّين، إذ بدأت عام 1993 مشروعها الغنائيّ الخاصّ بحماية التراث الفلسطينيّ غير المادّيّ، وكان هدفها من هذا المشروع تسجيل أغاني الأطفال التي طالما ردّدتها الأمّهات والجدّات الفلسطينيّات، وانتقلت عبر أزمنة مختلفة، بالتواتر الشفويّ، لكن دون أن تؤرشف. وقد خصّصت لهذه الأغاني ألبومي "قمر أبو ليلة" (1995)، و"مكاغاة" (1996)[2].

 

حبّ، وطنيّة، طفولة

ولا ينحصر التزام ريم تجاه فلسطين في الجانب التراثيّ وحفظ الذاكرة، فراحت أغانيها، بداية الألفيّة الثالثة، تتّخذ منحًى جديدًا؛ إذ في ألبومها "وحدها القدس بتبقى" (2001)، عبّرت عن انتقادها تحويل القضيّة الفلسطينيّة إلى "تْرِنْد" وموضة فنّيّة شائعة، لتؤكّد على أنّ الشعب الفلسطينيّ وقضيّته يسموان فوق الحالة التي يظهران عليها في الفنّ العالميّ. وفي ألبومها "مرايا الروح" (2005)، قدّمت ريم مجموعة من الأغاني للأسرى الفلسطينيّين والعرب في السجون الإسرائيليّة. وفي ألبومها "لم تكن تلك حكايتي" (2006)، أهدت مجموعة من الأغاني للشعبين الفلسطينيّ واللبنانيّ، بالتزامن مع عدوان تمّوز (يوليو) الذي شنّه الاحتلال الإسرائيليّ على لبنان[3].

 

 

وقد استمرّت أعمال ريم الغنائيّة تتأرجح بين الحبّ والوطنيّة، وكأنّهما خطّان يلتقيان دومًا ولا يفترقان؛ فألبومها "مواسم البنفسج" (2007)، تضمّن مجموعة من الأغاني والأشعار العاطفيّة الفلسطينية، وألبومها "نوّار نيسان" (2009)، احتوى على مجموعة من أغاني الأطفال التي أهدتها ريم إلى الأطفال اللاجئين الفلسطينيّين أينما كانوا[4].

 

الأسد أكبر مؤامرة

أمّا على صعيد التزامها القيميّ تجاه الشعوب الأخرى وقضاياها، فيُشهد لصاحبة "صرخة من القدس" أنّها لم تتردّد في إعلان مواقفها السياسيّة في ما يخصّ الثورات العربيّة المعروفة بـ "الربيع العربيّ"، إذ جاءت مواقفها مساندة لهذه الثورات، فلم تُخْفِ دعمها للثورة التونسيّة، وعبّرت عن هذا الدعم عندما غنّت في الحفلة التي نظّمها حزب العمّال لمناسبة ذكرى الثورة الأولى، بتاريخ 14 كانون الثاني (يناير) 2012. كما احتفظت ريم برمزيّة هذا التاريخ، واختارته عام 2013 لإصدار ألبومها الأخير "تجلّيات الوجد والثورة"[5]، الذي اختزل فلسفتها الفنّيّة التي لم تُبعِد فيها يومًا العواطف الإنسانيّة عن الثورة، كما تمّيّز ألبومها هذا بالنزعة الصوفيّة، إذ تضمّن قصائد للحلّاج وغيره.

 

 

أمّا في ما يتعلّق بالثورة السوريّة، كانت ريم من الفنّانين القلائل الذين عبّروا عن مواقفهم بشكل واضح وصريح؛ ففي تصريح لها عبر صفحتها على "فيسبوك" عام 2016، أدانت نظام الأسد متّهمةً إيّاه بالإرهابيّ الذي يقتل شعبه، حيث كتبت تقول: "بشّار الأسد سفّاح ومجرم وقاتل الأطفال... النظام الأسديّ أكثر نظام مجرم ومتخلّف في الوطن العربيّ... عار على الذين يستمرّون بصمتهم... في كلّ لحظة تمرّ ولا نتحرّك.. يُقتل فيها مئات السوريّين... أمّا بالنسبة لموضوع المؤامرة... فهو أكبر مؤامرة كونيّة على فلسطين وعلى سورية... هذا موقفي... حتّى لو ستتمّ مقاطعتي ومنعي وحرماني من دخول أيّ بلد عربيّ"[6].

 

أثمان باهظة

يوضح تصريح ريم هذا، أنّها كانت على وعي تامّ وكامل بنتائج التزامها القيميّ اتّجاه القضايا التي آمنت بها، وأنّها كانت مستعدّة لدفع الأثمان الباهظة جرّاء هذا الالتزام.

ويبدو أنّ ريم لم تتوقّف عن دفع هذه الأثمان حتّى بعد موتها؛ ففي خبر أوردته صحيفة "بلدنا نيوز" الإلكترونيّة الموالية لنظام بشّار الأسد، ذُكر أنّ قناة "سما" الفضائيّة التابعة للنظام، طردت، يوم 24 آذار (مارس) 2018، المذيع الذي أذاع خبر وفاتها ونعاها خلاله، من دون أن يتطرّق إلى مواقفها من رأس النظام[7].

 

 

وكأنّه كُتب على ريم أن تدفع ثمن مواقفها الملتزمة تجاه قضيتها وقضايا الشعوب الأخرى حتّى في مدفنها، هذا الذي حلّت فيه جسدًا لا روحًا، فالأخيرة ستبقى تحلّق فوق رؤوس الطغاة والمحتلّين تذكّرهم بحقيقة قالها محمود درويش يومًا، عن الخوف الذي يسكنهم: "خوف الطغاة من الأغنيات".


..................

 

[1] ريم بنّا... صوت الطفولة والمقاومة الفلسطينيّة. جريدة الشرق الأوسط. 24/3/2018.

[2] عمر بقبوق. ريم بنّا: تلك حكايتها من زمن العشق الأوّل. العربي الجديد. 24/3/2018.

[3] المصدر نفسه.

[4] المصدر نفسه.

[5] سارة قريرة. حكاية عشق طويلة مع تونس. ملفّ ريم بنّا.. وبُحَّ صوت فلسطين. جريدة الأخبار. 26/3/2018.

[6] عمر بقبوق. ريم بنّا: تلكَ حكايتها من زمن العشق الأوّل. مصدر سابق.

[7] بسبب موقفها من الأسد.. طرد مذيع نعى الفنّانة النصراويّة ريم بنّا. موقع العرب.

 

 

إسراء عرفات

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook