"سلام يا صاحبي": نغرس أصابعنا في جرح قديم

الفنّان تامر النفّار في كليب "سلام يا صاحبي" (2018)

 

سيّارة الإسعاف المتأخّرة عن مسرح الجريمة، صارت رمزًا أساسيًّا للحالة الاجتماعيّة المأساويّة في المدن الفلسطينيّة "المختلَطة"، وما يرتبط فيها من انتشار للجريمة، وتتجدّد قوّة هذا الرمز من تكرار الحدث في كلّ ساحة جريمة، لكنّ قوّته تنبع أصلًا، من أنّه يشبك بين الكارثة الاجتماعيّة الداخليّة المتمثّلة بالقتل من جهة، ومن جهة أخرى دور السلطة العنصريّة في الجريمة، وهو جزء جوهريّ لا يتجزّأ من أسباب الكارثة.

ثمّة عوامل أخرى ربّما أهمّ في خلق الحالة، مثل تقاعس الشرطة في مكافحة الجريمة قبل حدوثها، أو عدم كشفها عن القتلة، أو العنصريّة البنيويّة الّتي تشكّل ظروفًا اجتماعيّة تُنتج القتل والجريمة بشكل طبيعيّ، لكنّ هذه العوامل لا ترتبط بالقتل الفعليّ، وهي غير فارقة بشكل فعليّ "ملموس" بين الحياة والموت، وليست جزءًا من تلك اللحظة الأليمة الموجعة؛ لحظة القتل. أمّا سيّارة الإسعاف حين تتأخّر فتشارك في الجريمة، تشارك في اللحظة المأساويّة، تأخّرها يشارك في القتل... يُمهل النزيف وقتًا.

 

ولادة رمز

تبلور هذا الرمز في وعينا خلال فترة، تصاعدت فيها الجريمة في المدن "المختلَطة"، إلى مستويات غير مسبوقة في المجتمع الفلسطينيّ في أراضي 48، ولا سيّما مع بداية التسعينات؛ نتيجة ظروف وسّعت انتشار المخدّرات، وزادت الانتقالات الديمغرافيّة باتّجاه المدن "المختلَطة"، ولا سيّما انتقال المتعاونين مع إسرائيل وعائلاتهم، من الضفّة الغربيّة وغزّة باتجاه هذه المدن، الّتي - خلافًا للبلدات الفلسطينيّة الأخرى - كانت بنيتها العائليّة أقلّ تماسكًا؛ فسمحت عندئذٍ بدخول "الغرباء"، وعوامل كثيرة أخرى وأكثر عمقًا.

 

 

برز رمز "سيّارة الإسعاف المتأخّرة" في خطاب الناس، وعبّر هذا الرمز ليس عن شراكة السلطة بالقتل فحسب، بل عمّا هو أعقد في سياق المدن "المختلَطة": إنّ العنصريّة الاستعماريّة الّتي تواجه في أراضي 48، ليست مسألة قمع عسكريّ فحسب، وليس مسألة أمنيّة تمارسها الشرطة وأجهزة القمع، إنّما عنصريّة متغلغلة في جميع مناحي الحياة؛ في التعليم والعمل والخدمات، وتشترك فيها كلّ المؤسّسات، وعلى رأسها الجهاز الّذي يُفترض أن يكون الأكثر إنسانيّة والأقلّ تمييزًا، جهاز الصحّة.

على المستوى الثقافيّ، كانت أغاني "فرقة دام" عاملًا مركزيًّا في التعريف بحال المدن "المختلَطة"، منذ بداية سنوات الـ 2000، ورسمت أغاني الفرقة عنف الحالة، وصوّرتها ودفعتها إلى مقدّمة الوعي السياسيّ للفلسطينيّين في أراضي 48. في هذه الصورة، كانت "سيّارة الإسعاف المتأخّرة" حاضرة ومتكرّرة منذ الأغاني الأولى، وهو ما أسهم في تحويل الإسعاف رمزًا، هذا - تحديدًا - ما يلفت في أغنية "سلام يا صاحبي"، الّتي أطلقها تامر نفّار مؤخّرًا: يعود نفّار إلى لحظات تأخّر الإسعاف هذه وينبشها؛ ينبش الرمز القديم، يفتح ما قد تحوّل بفعل الزمان "كليشيه" ويبحث "الحياة" فيه. زمن حدوث الأغنية زمن تأخّر سيّارة الإسعاف؛ زمن رواية قصّتنا زمن تأخّر الإسعاف. يعود نفّار إلى الرمز الّذي شارك في رسمه، لكنّه يفتحه كمن يفتح جرحًا قديمًا. لحظة انتظار سيّارة الإسعاف في مسرح جريمة قتل، تتحوّل من سطر في الأغنية إلى لحظة دراميّة طويلة، تتلخّص وتتكثّف فيها كلّ القصّة؛ وهذا ما يعطي الأغنية قوّتها.

 

أغنية تبني قصّة... تبني عالمًا

يبني تامر نفّار أغنية قصصيّة، وهو نمط نادر في الراب الفلسطينيّ - إن لم تكن هذه الأولى - تتطوّر فيها شخصيّات وعلاقات وأحداث وأماكن، وتضرب منذ اللحظة الأولى بدراميّة عالية من العنف والدمويّة، الّتي لا تترك المستمع، دون أن يتخيّل أصابع صديق في ثقوب الرصاص في جسد صديقه؛ ليوقف النزيف.

سيّارة الإسعاف تُمهل النزيف وقتًا، والشخصيّة المركزيّة على نقيضها؛ تحاول مقاومة النزيف. هذا هو الصراع الأساس الّذي يتطوّر من خلاله سرد القصّة، ويأتي هذا السرد بأسلوب المخاطبة بين الشخصيّتين، لكنّه يأخذ المخاطبة السرديّة الّتي قدّمها - مثلًا - إيمينيم في "ستان" - حيث يتشكّل السرد من خلال مخاطبة المُعجَب المنتحِر "ستانلي" لإيمينيم بواسطة الرسائل - ويقرّبها؛ فالعلاقة هنا ليست علاقة إعجاب مهووس بنجمه، إنّما علاقة أخوّة قريبة، يكون الرابِر فيها جزءًا من اللحظة الناريّة، من العائلة الثكلى المتكسّرة، أصابعه تنغرس في لحم القتيل؛ وبطريقة السرد هذه؛ ينقل الراب حقيقة انخراط الرابِر الصادق في ألم المشهد وعمقه.

 

أعضاء فرقة DAM في البدايات

 

القصّة الّتي يحيكها تامر نفّار في هذه الأغنية تبني عالمًا متكاملًا، تبطيؤه للحظة الموت الّتي تراقب صدر "العريس" وهو يرتفع ويهبط، مكان الأُمّ في هذه القصّة الموجعة، من توقها إلى الحجّ إلى معرفتها الحزينة بأوضاع ابنها حين تسأله أين بات، وصولًا إلى الرعب العاطفيّ الّذي يعيشه تامر؛ من أن يبلّغ الأُمّ بموت ابنها.

طفولة الشخصيّات الّتي تعطيهما بُعدًا وعمقًا فيه من المشاكسة المشاغبة، في سرقة الدرّاجة الهوائيّة، والسخرية المضحكة من أسئلة المعلّمين - الّتي تتحوّل لاحقًا إلى سخرية من محقّقي الشرطة - إضافةً إلى وعي طبقيّ وسياسيّ فطريّ في أنّنا "منسرق منهم لأنّه عندهم واحنا معنّاش"، وأنّ الروسيّ "إذا سأل كيف أوصل البيت، قلّه عشان توصل بدّك طيّارة مش بسكليت". ويضاف إلى هذا عامل مهمّ وأساسيّ: عدم محاولة تبرئة الضحيّة، إنّما فهمها وحُبّها كما هي. لا تحاول الأغنية التنصّل من الجريمة والتطهّر منها، أو عرض الضحيّة على أنّها ملاك بريء، إنّما تنبش في فهم دوافعها ومصادرها في القهر والبؤس الاجتماعيّين، ودون الابتعاد عن أسلوب المجتمع في رؤية الضحيّة، وفي أنماط التعامل مع الموت، على المستوى النفسيّ الجماعيّ، باعتباره "عرسًا"، كما تُظهر لازمة الأغنية.

 

التقاط صورة المكان

الجانب الآخر اللافت هو "الفيديو كليب" الّذي أخرجه سهيل نفّار، وإن كنت لا أعرف كيف يمكن أن يؤثّر هذا الفيديو، في إنسان لم ينشأ في أحياء الفقر في المدن "المختلَطة"، هذه الأحياء الّتي بُنيت بنمط عمارة جارف، وبسرعة مهولة لتلائم موجات هجرات المستعمِرين الإسرائيليّين، ثمّ هجرها اليهود بعد أن تحسّنت أوضاعهم، ولم تعد إلّا مباني ضخمة يتكدّس فيها الفلسطينيّون، في علب "سردين" ضيّقة ومخنوقة.

 

"صناديق بريد": من الكليب

 

هذه الأحياء لها أشكالها الخاصّة المتشابهة ورموزها، وتطوُّر الحالة الاجتماعيّة الكارثيّة ينسجم إلى حدّ بعيد بهذا الشكل المعماريّ. ومكمن قوّة هذا الفيديو في التقاط سهيل نفّار للرموز البصريّة لهذه البيئة الحضريّة: من المواسير والكوابل الفوضويّة الّتي نعبث بها لسرقة الماء أو الكهرباء، إلى ساحة لعب الأطفال ذات الشكل "الأبوكليبتيكيّ"، إلى مدخل العمارة ومحطّة الباص، وتوحي كلّها بقضبان السجن اليوميّ الّذي نعيشه، وصولًا إلى صورة صناديق البريد على مدخل العمارة، تلك الّتي تتعدّد الأسماء عليها، مكتوبة بأقلام "توش" سوداء بدلًا من الأسماء الأصليّة للمهاجرين اليهود، الّذين سكنوا في هذه العمارات قبلنا، أسماء عائلاتنا الّتي تنتقل من بيت إلى آخر وسط الضائقة السكّانيّة الخانقة، تلك الّتي نكتبها بأحرف عبريّة حتّى يميّزها ساعي البريد، وهي صناديق بريد مكسّرة؛ لكثرة ما عبث بها الأطفال، الّذين لا يملكون مكانًا آخر للعب غير مدخل العمارات، ولكثرة ما عاد الشبّان ثملين غاضبين على صندوق؛ لا تأتي منه إلّا بلاغات فواتير الكهرباء والماء والضريبة.

 

 

مجد كيّال

 

 

صحافيّ وروائيّ. وُلد في حيفا عام 1990 لعائلة مهجّرة من قرية البروة. صدرت له رواية "مأساة السيّد مطر" عن الدار الأهليّة، ودراسة "كيف يتغيّر النظام الصهيونيّ؟" عن مركز "مسارات".

 

 

 

 

تعليقات Facebook