"Palestine Underground": عن الموسيقى وتجاوز الشرذمة

Boilerroom

 

الفيلم الوثائقيّ القصير "تحت أرض فلسطين Palestine Underground"، الّذي أنتجه مشروع "Boiler Room"، بالتعاون مع "معازف" و"4:3"، يتناول عمل موسيقيّات وموسيقيّي HipHop وTechno وTrap من فلسطين. حقّق الفيلم في أيّام قليلة مئات آلاف المشاهدات، ويجري عرضه في عدد من دول العالم. لا يعود هذا الانتشار الواسع إلى مضمون الفيلم فحسب، إنّما إلى قوّة مشروع "Boiler Room" وانتشاره، وهذا المشروع يعمل منذ عام 2010، في أكثر من 100 مدينة حول العالم، على إنتاج العروض الموسيقيّة وبثّها. الفيلم موجّه - بالمعنى الإيجابيّ للكلمة - إلى الجمهور المعنيّ بالموسيقى الإلكترونيّة، وغالبيّته الساحقة من الأوروبّيّين المتابعي المشروع، ومع هذا، فإنّ الفيلم يحمل نقاطًا مهمّة بالنسبة إلى المشاهد الفلسطينيّ، ولو لم يكن معنيًّا بالموسيقى الإلكترونيّة.

 

قوّة الموسيقى

في باطن الفيلم، تكمن فكرة باتت شعارًا مركزيًّا في عولمة الإنتاج الموسيقيّ: "الموسيقى توحّد الناس". إنّ هذه المقولة - حتّى وإن باتت شعارًا - ليست "كليشيه" فارغًا عديم المعنى. الموسيقى قادرة فعلًا على أن توحّد الناس، هذا صحيح، لكن صحّة هذه الفكرة لا تعني أنّها إيجابيّة بالضرورة؛ فالموسيقى قادرة على أن توحّد الناس؛ لأنّها قادرة على تجاوز اللغة والقفز فوق المعنى والمقولة.

 

 

الموسيقى لا تقول شيئًا في الغالب، وحتّى إن رافقتها الكلمة الّتي تطلب القول، فإنّ الموسيقى قادرة على تحجيمها، لكنّ الموسيقى تعمل في مجالات ذهنيّة عاطفيّة مختلفة، ومستويات متفاوتة بين الوعي واللاوعي؛ ولهذا فقد يشترك الناس عليها بمعزل عن مقولتهم الاجتماعيّة أو السياسيّة، وبمعزل عن موقفهم القوميّ أو الجندريّ. هذه قوّة الموسيقى الّتي تجعلها سلاحًا بحدّين. 

 

توحيد المقموعين

هذه القوّة الكامنة في الموسيقى، هي الّتي تجعلها أداة رئيسيّة، لمؤيّدي تطبيع العلاقة بين القامع والمقموع، بوصف الموسيقى "أسمى" من الموقف السياسيّ. ويتحوّل بعض الموسيقيّين - مثلهم مثل فنّانين تشكيليّين أو حتّى أدباء - إلى وكلاء ومبشّرين بهذه الرسالة، لكنّ الحدّ الآخر للموسيقى – الّذي يظهر بشكل واضح في "تحت أرض فلسطين" - أنّها قادرة على توحيد الناس المقموعين، حتّى في ظروف تنعدم فيها اللغة "بمعنى الرموز" المشتركة، وتنعدم فيها الظروف المادّيّة المشتركة، بكلّ ما يحمله المصطلح، من مجالات مشتركة، على مستوى الجغرافيا، والسوق، والتجربة الاجتماعيّة، والعمل السياسيّ. حين تنعدم كلّ هذه المقوّمات – الّتي تشكّل اللغة - تصبح الموسيقى أداة مركزيّة؛ لتوحيد الناس الّذين لا يجمعهم شيء، غير الانتماء إلى هويّة وطنيّة مقموعة.

 

 

الهاجس

الموسيقى الإلكترونيّة موضوع "تحت أرض فلسطين"، والعمل الموسيقيّ لبناء مشهد موسيقى إلكترونيّة و"هيب هوب" في البلد، هو الحبكة الحقيقيّة والصادقة، لكنّ مقولة الفيلم ليست موسيقيّة بأيّ شكل من الأشكال. إنّ المقولة الوحيدة الّتي ينشغل فيها الفيلم من أوّله حتّى آخره، وعلى لسان كلّ شخصيّاته، محاولة تجاوز واقع القمع، والفصل، والتشتيت الّذي تفرضه إسرائيل علينا؛ أمّا الفيلم فمنشغل بالدوافع الإنسانيّة والثقافيّة لمواجهة هذا الفصل، ويستعرض الموسيقى باعتبارها وسيلة.

إنّ الفيلم - على هفوة هنا وأخرى هناك - يقدّم هاجسًا أساسيًّا في حياة الثقافة الفلسطينيّة: التقاء الفلسطينيّين في مواجهة التشتيت، بتعريفه التقاء يوسّع مساحة الحوار والجدل والتعاون والاختلاف في العمل الثقافيّ. هذا هو المجال الحيويّ للثقافة: ليس الإنتاج فحسب، إنّما الإنتاج من خلال التفاعل ضمن حركة، وهذه الحركة - مهما اتّسعت فيها الفجوات والخلافات - فإنّها تحتاج إلى الحدّ الأدنى من ظروف اللقاء، وتضمن إمكانيّة مشاركة جميع الفلسطينيّين، وهو موجود ومعروض وقويّ، في عمل المجموعات الّتي يوثّقها "فلسطين تحت الأرض": التناقض مع إسرائيل، والسعي إلى مقاطعة كلّ ما يمثّلها.

 

 

ما يغيب

مع هذا، ثمّة إشكاليّة يمكننا أن نلقي عليها الضوء؛ وهي أنّ الإنسان يستطيع أن يشاهد الفيلم من بدايته حتّى آخره، دون أن يتعلّم شيئًا عن هذه الموسيقى، يتعلّم الكثير عن ظروفها الاجتماعيّة وسياقها السياسيّ، ولكنّ الموسيقى ذاتها، تطوّرها وتغيّراتها، وما يميّزها عن جيل سابق من "الهيب هوب" الفلسطينيّ مثلًا، أو ما يميّزها من أعمال موسيقى إلكترونيّة في الوطن العربيّ، أو حتّى في أوروبّا، وكيف أثّر هؤلاء الموسيقيّون في موسيقى بعضهم بعضًا، وأسئلة كثيرة فنّيّة أخرى؛ كان من الجميل والجدير أن تُطرح، بلا أدنى فصل بينها والسياق السياسيّ والاجتماعيّ، الّذي يؤثّر هو أيضًا في شكل الموسيقى.

 

 

مجد كيّال

 

 

صحافيّ وروائيّ. وُلد في حيفا عام 1990 لعائلة مهجّرة من قرية البروة. صدرت له رواية "مأساة السيّد مطر" عن الدار الأهليّة، ودراسة "كيف يتغيّر النظام الصهيونيّ؟" عن مركز "مسارات".

 

 

 

 

تعليقات Facebook