سيرك شادي زقطان

شادي زقطان

 

التجاوز بين الشعر والموسيقى، ليس أمرًا جديدًا على الموسيقى العربيّة، لكنّ تقديم الشعر كآلة والإلقاء كحدث، يحدث من داخل الأغنية لا من الشعر، هو الّذي يميّز ما يفعله شادي زقطان بموسيقاه، منذ أوّل أسطوانة "بشوفك في البلد" حتّى الآن. لكنّ الشعر ليس وحده صانع الحدث، الخليط بين الجاز والشعر والموسيقى والحكي، يصنع مزاجًا مستعدًّا للاستمتاع والتعرّف والكشف.

 

إخراس الضجيج

موسيقى الهرب من الحياة، تبدو موسيقى الشباب الفلسطينيّ المعاصر، الّذي ملّ كلّ شيء حقيقيّ حوله.

أضع سمّاعاتي على أذنيّ، وأنا أعبر الحاجز، وأدع روبي تغنّي "طب ليه بيداري كده"، وأطقطق أصابعي بكلّ فرح، وأنا أفكّر في أنّه في حال حدوث إطلاق نار خلفي، سأموت من غير أن أنتبه، وسيكون هذا ممتازًا؛ فما داعي الانتباه لحدث مثل هذا أصلًا؟

 

 

الهرب من الحياة، من اتّخاذ القرارات، الانغماس في حياة ليليّة تستدعي نومًا طويلًا في النهار، حين تحدث الأشياء غير المهمّة، لكن هذا لا يشبه ما يحدث في أغنية "خزّان المي"؛ إذ يعرف الشباب "نوع الرصاصات، وأرقام الدبّابات، ومن أيّ معسكر جايات".

تلك كانت أيّام الانتفاضة؛ إذ يعمّ الصمت وتعلو أصوات الرصاصات فقط، الآن، الضجيج في كلّ مكان، ووحدها الموسيقى تُخرسه.

 

الهامش يصنع الجديد

الحرب ما زالت هنا، الحرب الّتي تحتاج إلى الانضباط، إلى أوركسترا وأغانٍ "ملتزمة" كما يطلق عليها مَنْ يحبّون إطلاق المسمّيات، ليس من عاشقين الآن، لكن ثمّة نبش في أغاني التراث، في تحريكها موسيقيًّا، وفكفكة وتيرتها ذات المفهوم الواحد المطلق.

لم يعد ثمّة مطلق وأكيد، هذا ما تقوله الأغنيات والموسيقى والشعر. علينا الاعتراف بأنّ الهامش موسيقيًّا هو ما يصنع الجديد، الفرق الموسيقيّة هي الّتي تتكلّم موسيقيًّا في الوطن العربيّ، الهيب هوب والراب والجاز واختلاطها بالموسيقى الشرقيّة وعذوبة الناي، وانعدام الرأفة في لوعة العاشقين وقسوة البلاد، هي ما تقول الأشياء الآن، خاصّة في بلاد مثل فلسطين، ولولا وجود برامج موسيقيّة عربيّة أنتجت نجومًا فلسطينيّين ليعرفهم الوطن العربيّ، لكانت فلسطين بعيدة عن ساحات الوطن العربيّ الغنائيّة، الّتي لا تتقبّل من الفلسطينيّ أن يكون مغنّيًا جماهيريًّا وشبابيًّا كالآخرين، لكنّ الفرق الموسيقيّة الملتزمة بالوعي وإنتاج المعرفة الجديدة، في هذه الحالة السياسيّة والاجتماعيّة والمعرفيّة المتفكّكة، موجودة وحاضرة، ويسمعها أبناء الطبقات المتوسّطة الّذين يعيشون حياة ضبابيّة جغرافيًّا واجتماعيًّا، في مدن محتلّة تقترب من الحداثة، بينما تنتشر موسيقى الزجّالين والمغنّين الشعبيّين، في أفراح القرى وحفلات شبابها.

 

من جملة واحدة

أصدر شادي أسطوانة جديدة نهاية 2018، وربّما يكون عنوان "موسيقى الجملة الواحدة" أوّل ما يخطر بالبال عند سماع الألبوم، شادي الّذي غنّى يومًا "لحداعشر ألف محلّ فاضي"، و"بشوفك في البلد"، في رسائل سياسيّة واضحة؛ بعد عشر سنوات ينتصر للآلة، لإبرازها الناي، والإيقاع، والطبول.

 

 

شادي المنحدر من عائلة شعريّة بكاملها، من لوحات نساء طريّات على الجدران، القادم من غربة طويلة؛ ليعيد بناء عزلته داخل مغارة، يصنع لنا سيركًا من موسيقى وصمت وشعر، ويتكلّم في كلّ شيء حين لا يتكلّم.

كمنجات وخيول وجغرافيا في أغنية واحدة "أنا ما لي ساحات ألاقيكي، وإنت مش هون أصلًا"، الخيول الّتي تصهل، وتمشي وتتنفّس، هي نفسها الّتي لا تأتي شادي في أغنية "الليل عليّ طوّل، لا خيل جتني ولا حتّى حدا حوّل"، أغنية كاملة من جملة واحدة، وموسيقى بيانو، وإيقاع طبول، كأنّها حالة ثبات ومراوحة، كما هي حال كلّ شيء من حولنا، الخيول الّتي لا تأتي والليل الّذي يطول.

 

أحبّة طائشون لرام الله

وكما تُعاد صياغة البلاد سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، لتخلق حالات مزاجها الجديدة، تُعاد صياغة أغنية "في بلد"، الّتي صدرت في ألبوم سابق، تُعاد في الألبوم الجديد؛ لتليّن الكمنجات الحدّة الّتي تُحدثها أوتار الغيتار. وفي أغنية "دولة" ينفض شادي الرمل عن السجّاد بعد كلّ حرب، ويكون عيسى على الحاجز وعلى الصليب، وتُعلَن الدولة عند كلّ فجر جديد. وفي أغنية "بالجيبة" يُخرج لنا كلّ ما لديه ولدينا؛ من أجرة الطريق إلى الهُويّة، وهو "يهرب وطنو بغنّيّة".

لا نريد أن يترك شادي حبيبته رام الله، رغم أنّها حبيبة مزعجة وضاغطة وخانقة أحيانًا، إنّها وظيفة الحبيبات؛ وهذا ما يجعل الهرب منهنّ يُنتج كلّ هذا الإبداع.

رام الله القاسية والمحتلّة تحتاج إلى أحبّة طائشين.

 

 

مايا أبو الحيّات

 

روائيّة وشاعرة فلسطينيّة من مواليد بيروت. صدرت لها ثلاث روايات، آخرها 'لا أحد يعرف زمرة دمه'، وثلاث مجموعات شعريّة، وعدد من قصص الأطفال. تعمل حكواتيّة وممثّلة ومترجمة أدبيّة، وتدير ورشة فلسطين للكتابة، وهي مؤسّسة متخصّصة تهدف إلى تشجيع القراءة.

 

 

تعليقات Facebook