"مَنام" دينا الوديدي: كأنّك تنام في قطار

دينا الوديدي | O art-studio

 

لا يمكن التعاطي مع ألبوم "منام" الصادر مؤخّرًا، للفنّانة المصريّة الشابّة دينا الوديدي، بالشكل الكلاسيكيّ، لا من ناحية الاستماع ولا التقييم، ولا حتّى التأمّل وقراءة الكلمة المكتوبة أو الضمنيّة؛ فالألبوم عبارة عن تراكمات، تنتمي إلى مراحل عميقة مختلفة.

يمكن ضمّ هذا الألبوم إلى ألبومات موسيقى الثقافة التحتيّة (underground)، الّتي اختارت حيّزًا خاصًّا للتجريب، بعيدًا عن ضجّة "البوب"، هذا النوع من الموسيقى، وخلال رحلة توسيع دائرته عربيًّا، بدأ أيضًا يطوّر أدواته؛ وهذا ما ذهبت إليه الوديدي في ألبومها.

 

قطار

اعتمدت الوديدي في ألبومها الجديد على ثيمة محدّدة، تتّسع وتضيق داخل أغنيات الألبوم، دون أن تختفي، بطل هذه الثيمة كان القطار، الّذي وضعت صورته على غلاف الألبوم، بدلًا من صورتها، لماذا؟ لأنّه باء بالحمل الأكبر في التوزيع الموسيقيّ والرؤيويّ أيضًا؛ فتقدّم الوديدي رؤية جديدة متأتّية من محطّات القطار؛ وهذا يضيف نقطة إلى رصيدها، إذا اعتمدناها إحدى مطربات الثقافة التحتيّة، لما في ذلك من انسجام وتناغم.

 

 

"منام" اسم أوّل مسار (Track) في الألبوم، وهو موسيقى إلكترونيّة، تحيط بها أصوات القطار الكلاسيكيّ، إضافة إلى أصوات طبيعيّة من المحطّة، كأصوات الناس، والعصافير، وأصوات أخرى.

وكأنّ المسار هذا يأخذك إلى دوّامة النوم، الّتي سيحدث الألبوم بأسره داخلها، تتخيّل مثلًا أنّك غفوت في قطار، وسمعت هذا الألبوم في أحلامك؛ لتستيقظ فينتهي كلّ شيء، وقد وُفّقت دينا في رسم هذا الخطّ أيّما توفيق، ولكن هل وُفّقت في صناعة أغنيات تجعل هذا الحلم استثنائيًّا؟

 

"تجربة"

الألبوم مكوّن من 7 مسارات، ويقارب ثلاثين دقيقة، وهو مترابط ترابط المقطورات بالقاطرة؛ فكلّ مسار يبدأ من حيث انتهى سابقه، وكأنّ الألبوم أغنية واحدة، وهذا ما سعت إليه دينا على ما يبدو؛ ممّا يعزّز من فكرة حدوث الألبوم في منام ما، في قطار كلاسيكيّ قديم.

المغنّية الشابّة الّتي سبق أن تعاملت مع شعراء امتازوا بالمغامرة، مثل ميدو زهير على وجه التحديد، ومصطفى إبراهيم، ومايكل عادل، ومصطفى شكري، وغيرهم، وتعاملت مع ملحّنين وموسيقيّين متعدّدين، اختارت أن تخوض تجربتها الجديدة وحدها، وهذه مغامرة كبيرة، حاولت أن تتّقي نتائجها بكلمة "تجربة" الّتي وضعتها على الغلاف، ولكن هذه الكلمة تحوّلت إلى مغناطيس يجذب كلّ مهتمّ بالتجريب.

 

حلم

تضمّن الألبوم مسارًا بعنوان "مش محتاجة منّك"، وهي أغنية تشتبك مع حالة عاطفيّة خاصّة، تعبّر عن التنازل الّذي تقدّمه امرأة لرجل ما، مؤكّدة أنّها ليست في حاجة إلّا إلى العاطفة، وسط دوّامة أدرينالين تسحب - حتّى المستمع - إلى عمق محطّة القطار، ولكن الكلمات جاءت أبسط ممّا يجب، لا أعرف إن كان هذا مسعًى من مساعي الوديدي، لكنّني وجدت الكلام مقتربًا من السذاجة في محلّات عدّة. التوزيع كان جاذبًا وممتعًا، وعمل حقًّا على الحفاظ على حدود الحلم من الانهيار.

في أغنية "السما بتنقّط"، صرّحت الوديدي بأنّها في حلم، وأنّها حلمت بأنّ "السما بتنقّط كدب متلّج على الرجلين"، كان مدخلًا موفّقًا إلى الحلم وإلى الفكرة، لولا أنّ الكلام سقط في التوصيف لاحقًا، ولم يخلق حالة جديدة، ولم يقدّم فكرة سوى "الشجرة بتكدب وتفرّع" و"الوقت بيكدب ويسرّع"، ولكن ما الرابط بين الوقت والشجرة والسرعة والفروع؟ لم تقدّم الأغنية دليلًا على وجود رابط؛ وهذا يترك المستمع في مجابهة قاسية مع اللاجدوى.

أمّا التوزيع الموسيقيّ في الإنترو فكان مدهشًا، وتماهى في سياق العمل مع اللحن الّذي جاء فعلًا من الأحلام، وحاول إنقاذ الكلام بكلّ جهد، لكنّنا نحن العرب بالكلمة دائمًا، وهذا واحد من أسباب تفضيل الذائقة العربيّة للمسار الغنائيّ، أكثر من المسار الموسيقيّ.

 

صداع

في الألبوم محاولات للتمرّد على اللون السائد، حتّى في الثقافة التحتيّة (Underground)، مثل استخدام أسماء الأدوية في أغنية "صداع"، الّتي حاولت أن تعرّف الصداع بطريقة أكثر انحيازًا للواقع النفسيّ، منه للواقع العضويّ أو العلميّ، وهي أغنية موفّقة من حيث تزاوجها مع المرحلة، الّتي أصبح فيها الواحد منّا رهينًا لصداعات هو من استحضرها.

الأصوات الطبيعيّة في إنترو الأغنية جاء موفَّقًا جدًّا، أصوات ضجيج وناس، ثمّ نقر حديديّ، يتحوّل إلى مونولج داخليّ يتجلّى في جملة "بيقولّي يا دينا عادي"، ويحاول أن يعيد تعريف الصداع، قبل أن تباغتنا المغنّية بصرختها "لااااأاااا"، الّتي تعبّر عن ردة فعل طبيعيّة على الصداع. هل نجح اللحن في مهمّته؟ نعم. كيف؟ خرجت من الأغنية بصداع.

 

الاسترسال

افتقر الألبوم إلى الاسترسال؛ ففي الحقيقة كلّ الأغنيات - باستثناء أغنية "بزوغ القمر" و"وطني" - انبنت على تعثّر غير محمود؛ أو بمعنًى آخر تعثّر مُتعب للمستمع، الّذي سيظلّ في حاجة إلى إيقاف حسّه مع تعثّر الموجة؛ فيعني ذلك أن يتحوّل إلى آلة، ON\OFF ؛ فيفقد متعة مواصلة الإحساس.

"بزوغ القمر" جاءت مسترسلة، وبلهجة فريدة ذات ملامح بداوة مصريّة، منحت الأغنية غرابة حميدة، بالانسياق مع إيقاعات القطار، واسترسال دينا في الغناء؛ ممّا جعلها أغنيتي المفضّلة في الألبوم، ولو تمكّنت الوديدي من صوغ الألبوم بهذه الطريقة، لربّما نجحت في وضع بصمة أقوى، يتوافق ذلك مع أغنية "وطني"؛ فالكلمات في كلا العملَين كانت موفّقة أكثر، وكذلك اللوازم الموسيقيّة المصنوعة من مزج أصوات صافرات القطار. إنّ مسافات الجمل الشعريّة ساعدت الجمل الموسيقيّة على التماسك، وساعدت الإيقاع على بناء قوام خاصّ بالعمل. هاتان الأغنيتان جاءتا معاكستَين للألبوم الهلاميّ، هناك قوام واضح لهما، مريح للأذن أكثر، ويسلط الضوء على الغناء.

 

زعزعة

نجحت دينا الوديدي، في تقديم تجربة جديدة، واقتراح جديد، تضمّن الشكل والأسلوب. لقد عملت على زعزعة شكل الأغنية العربيّة وقوامها، وليس فقط محتواها؛ وهذا نجاح بلا شكّ، ولكن هل قدّمت محتوًى يخدم مسيرة الأغنية العربيّة، ويضيف إلى المكتبة لونًا جديدًا؟

لا يمكن الإجابة عن هذا التساؤل، إلّا بإنتاج معايير نقديّة جديدة، متخصّصة في نقد الألبومات الضجيجيّة، الّتي بدأت تظهر اليوم، مثل ألبومات مريم صالح، وتامر نفّار، وربّما "مشروع ليلى" أيضًا، وغيرها.

 

 

سلطان القيسي

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا، من مواليد الثمانينات، يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ "بائع النبيّ" عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

تعليقات Facebook