القدس في الأغنية العربيّة... حنين للحنٍ حرّ

فيروز تستلم مفتاح القدس من إميل غوري ومحيي الدين الحسيني عام 1968

 

لكلّ زمن أغنياته، لكنّك في بعض الأزمنة تُطْلِق صرخة حنينك إلى أغانٍ سادت في أزمنة أخرى... صرخة فرديّة تريد منها أن تصل إلى الجموع، لتعلن فيها رفضك لأغانٍٍ تسود في أزمنتك، أزمنة الرداءة والتطبيع. أزمنة يريد منك البعض فيها أن تخلع جلد عروبتك، أن تتنازل عن قِبلتك الأولى، عاصمتك. أغانٍ تدعوك إلى أن تركب موجة التطبيع مع عدوّك، تقول لك: "خذني زيارة تلّ أبيب، أرجوك يالنشمي اللبيب، أنا بدوي ونهجي رهيب، عاشت إمارات السلام"!

«أحنّ»! لعلّها الصرخة الوحيدة الّتي يكون عليك أن تُطْلِقَها في هذه الأزمنة، حنين إلى أزمنة غنّت فيها فيروز «القدس العتيقة» و«زهرة المدائن»، وغنّى فيها الثنائيّ خالد الشيخ ورجاء بلمليح «زنابق المزهريّة»، واجتمع فيها فنّانو مصر ليغنّوا أوبريت «القدس حترجع لنا».

 

«القدس العتيقة»

غنّت فيروز «القدس العتيقة» بعد زيارتها لمدينة القدس عام 1964، وهي أغنية من تأليف الأخوين عاصي ومنصور الرحباني. تصوّر الأغنية تفاصيل زيارة فيروز لمدينة القدس، ومشيها في شوارعها وأزقّتها وتفاعلها مع ناسها. تروي فيروز حكاية المرأة المقدسيّة الّتي اقتربت منها في أحد أحياء المدينة، وتحدّثت معها عن معاناة الفلسطينيّين، فتركت أثرًا بالغًا في نفسها وبكت، فما كان من المرأة المقدسيّة إلّا أن أهدتها مزهريّة للتخفيف عنها، لتكون بمنزلة ذكرى لها من المدينة الّتي تحبّها. تقول فيروز في الأغنية: "مرّيت بالشوارع، شوارع القدس العتيقة، قدّام الدكاكين، البقيت من فلسطين، حكينا سوى الخبريّة، وعطيوني مزهريّة، قالولي هيدي هديّة، من الناس الناطرين"[1].

 

 

إنّ ما يُميّز أغنية «القدس العتيقة» من غيرها من الأغاني الّتي تناولت المدينة، الطابع الحميميّ الّذي يغلب عليها، ويأتي نتاجًا لتجربة معايشة واقعيّة كانت فيها فيروز على تماسّ مباشر مع القدس وأشخاصها الحقيقيّين؛ إذ اطّلعت على تفاصيل حياتهم اليوميّة، وغنّت أغنيتها هذه لتصوّر حقّهم في مدينتهم وبلادهم. لم تأتِ فيروز في هذه الأغنية على ذكر القدس بصفتها الرمزيّة الدينيّة والتاريخيّة الكبرى، بل تطرّقت إليها بصفتها قدسَ أناسِها العاديّين الّذين يمشون في شوارعها؛ إنّها قدس الأطفال والكبار، قدس الكادحين الّذين يذهبون إلى دكاكينهم صباحًا لطلب الرزق، وكأنّها تريد أن تؤكّد في أغنيتها أنّ البشر، أهل القدس في هذه الحالة، أقدس مقدّسات الأرض.

 

«زهرة المدائن»

تأتي «زهرة المدائن»، لفيروز أيضًا، على أطر مختلفة عن ثيمة اليوميّ والعاديّ، الّتي حرصت الفنّانة على تأكيدها في أغنيتها الأولى «القدس العتيقة»؛ فهذه الأغنية الّتي كتبها ولحّنها – أيضًا - الأخوان عاصي ومنصور الرحباني، غنّتها فيروز في إثر هزيمة العرب عام 1967، وكانت فيها كَمَنْ يرفض الهزيمة ويبشّر بعودة القدس زهرةً للمدائن والعواصم جميعًا، فتستحضر المدينة بما هي حلم، وبما هي عاصمة للعروبة ورمز للقضيّة الفلسطينيّة ومدينة الأديان السماويّة.

كانت فيروز حريصة، من خلال هذه الأغنية، على تأكيد ما تمثّله مدينة القدس للعرب من ناحية عمق الانتماء الدينيّ والقوميّ؛ فقد جاءت الأغنية لتؤكّد عبر لحنها الوجدانيّ والروحيّ مكانتها الدينيّة في التراثين المسيحيّ والإسلاميّ، ثمّ إنّها جاءت لتصوّر في كلماتها حالة الرحيل الرمزيّ العربيّ الدائم نحو المدينة، لمواساتها ونصرتها بعد سقوطها في يد الاستعمار الإسرائيليّ. تقول الأغنية في بعض كلماتها: "عيوننا إليكِ ترحل كلّ يوم، تدور في أروقة المعابد، تعانق الكنائس القديمة، وتمسح الحزن عن المساجد"[2]، فكأنّ هذا الرحيل الرمزيّ لمعانقة الكنائس وكفكفة دموع المساجد، رحيل حنينيّ يتطلّع إلى واقع المدينة الحاليّ، ويحنّ إلى واقع مغاير لم تكن فيه المساجد والكنائس ترزح تحت وطأة الاستعمار.

 

 

تصف فيروز الغضب الفلسطينيّ والمقدسيّ عندما يأتي بأنّه لا يأتي إلّا في أشدّ أشكاله سطوعًا ووضاءة. تزيد على هذه الصفات بأن تشبّه قدومه بالمعجزات، بالحوادث الّتي يتنزّل فيها وجه الله ليغمر الأمكنة بنوره وجماله. تصف السيّدة هذا الغضب عندما يأتي بقولها: "الغضب الساطع آتٍ، وأنا كلّي إيمان، الغضب الساطع آتٍ، سأمرّ على الأحزان، من كلّ طريقٍ آتٍ، بجياد الرهبة آتٍ، وكوجه الله الغامر... آتٍ آتٍ آتٍ"[3].

 

«زنابق لمزهريّة فيروز»

ترتبط أغنية «زنابق لمزهريّة فيروز» لخالد الشيخ ورجاء بلمليح بأغنية «القدس العتيقة»؛ فتلك الأغنية ألهمت الشاعر الفلسطينيّ سميح القاسم، فكتب في ديوانه الّذي حمل عنوان «دخان البراكين» (1968) قصيدة أهداها لفيروز، وعنونها بـ «زنابق لمزهريّة فيروز»، وتخيّل فيها سيناريو حواريًّا مُسْتَلْهَمًا من حادثة المزهريّة الّتي أُهديت للفنّانة آنذاك، وهذا السيناريو الحواريّ يجري بين صديق وصديقته العائدة من القدس.

وفي عام 1989، حوّل الفنّان البحرينيّ خالد الشيخ القصيدة إلى دويتو غنائيّ، بالاشتراك مع الفنّانة المغربيّة رجاء للمليح، وورد في مطلع القصيدة المغنّاة: "من أين يا صديقة حملتِ المزهريّة والنظرة الشقيّة؟ من القدس العتيقة؟ ومَنْ تُرى، رأيتِ في عتمة القناطر من شعبنا المهاجر، وما تُرى، سمعتِ؟"[4].

 

 

 اللحن الأوركستراليّ الّذي استخدمه خالد الشيخ في تقديم هذا السيناريو الحواريّ، لحن جاء بما يمسّ القلوب، ويُشعرها بحقيقة التغيّرات وأوضاع التهويد الّذي طال وجه مدينة القدس ومقدّساتها، وذلك كما في مقطع الأغنية القائل: "رأيتُ في الشوارع ليلًا من العيون، وأخوةً يبكون وألف طفل ضائع، رأيتُ في المداخل عصفورةً جريحة، وطفلةً كسيحة تبكي على المآذن، تبكي على المآذن، تبكي على المآذن"[5].

 

أوبريت «القدس حترجع لنا»

شارك في أوبريت «القدس حترجع لنا» أكثر من 40 فنّانة وفنّانًا من مصر، وقد قُدِّم عام 2000، على إثر اندلاع «انتفاضة القدس والأقصى» واستشهاد الطفل محمّد الدرّة، وهو من تأليف الشاعر مدحت العدل وتلحين رياض الهمشري وتوزيع حميد الشاعري ويحيى الموجي، وقد أخرجه طارق العريان.

جاء هذا الأوبريت بمثابة صرخة إجماع عربيّة من قلب مصر، تأكيدًا على حقوق الشعب الفلسطينيّ والتزام العرب تجاهها، وأنّ الانتفاضة هي السبيل لحماية هذه الحقوق، ومن ضمنها الحقّ في مدينة القدس عاصمةً عربيّة وإسلاميّة. وقد أكّد الأوبريت على التضحيات الفلسطينيّة والعربيّة سبيلًا نحو ذلك: "من هنا بنقول أرضنا، عرضنا دمّنا أمّنا، وإن مات ملايين منّنا، القدس حترجع لنا"[6].

 

 

اختتم الأوبريت بنصّ أشبه ببيان سياسيّ شديد الوضوح في التزامه تجاه حقوق الشعب الفلسطينيّ ودعم الانتفاضة، تؤكّد على أنّ الفنّان العربيّ، وتحديدًا المصريّ، جزء منها، ينتفض في إطارها هو أيضًا: "وبعد، هناك انتفاضة في القدس، وهذه هي انتفاضة الفنّان المصريّ العربيّ من أجل القدس. القلب مع القلب، واليد في اليد، والهدف واحد. إلى كلّ العرب في كلّ مكان، تجمّعوا، اتّحدوا، دماء الشهداء تناديكم، تستصخركم: واقُدساه! أيّها الطفل الفلسطينيّ المناضل، الجريح، المجاهد، الشهيد، نحن معك، نحن معك، دماؤك الزكيّة رفعت رؤسونا عاليًّا، دماؤك الزكيّة رفت رؤوسنا عاليًّا، دماؤك الزكيّة رفعت رؤوسنا عاليًّا"[7].

كلّ هذه الأغاني وغيرها إنّما جاء في أزمنة أخرى، كانت فيها القدس تقع على مقدّمة أجندات الشعوب العربيّة والإسلاميّة، أزمنة هي أبعد ما يكون عن أزمنة الرداءة والتطبيع الحاليّة الّتي تقودها أنظمة استبداديّة متحالفة مع النظام الاستعماريّ الإسرائيليّ نحو تقويض حقوق الشعب الفلسطينيّ في وطنه. فهل تعود تلك الأزمنة؟

..........

إحالات:

[1] فيروز، من أغنية «القدس العتيقة»، 1964.

[2] فيروز، من أغنية «زهرة المدائن»، 1967.

[3] نفس المصدر.

[4] خالد الشيخ ورجاء بلمليح، من أغنية «زنابق لمزهريّة فيروز»، 1989.

[5] نفس المصدر.

[6] مجموعة فنّانين، أوبريت «القدس حترجع لنا»، 2000.

[7] نفس المصدر.

 

 

* تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «العاصمة»، الّذي تخصّصه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتسليط الضوء على الفعل الثقافيّ في مدينة القدس، والمتعلّق بها، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين «لانتفاضة القدس والأقصى»، وفي ظلّ السياسات الحثيثة والمتزايدة لنزع فلسطينيّة وعروبة المدينة.

 

 

إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

تعليقات Facebook