رمضان يواجه التّهويد في شوارع البلدة القديمة

المسار الثّقافيّ

إذا ما حالفك الحظّ وسرت في منطقة باب العامود ببلدة القدس القديمة، يوم الخميس أو السّبت عصرًا من شهر رمضان، فإنّك ستصادف حتمًا مجموعة من الشّباب المقدسيّين الّذين سيغدقون عليك بمعلومات تعرّفك ببعض معالم مدينة القدس الّتي كنت، ربّما، تمرّ عنها دون أن تعيرها اهتمامًا. 

تكوّنت المجموعة بداية شهر رمضان الحاليّ، وهي جزء من 'رمضان بشوارع البلدة القديمة'، حملة من نتاج عمل مؤسّساتيّ مشترك بين 11 مؤسّسة مقدسيّة، هدفها تعريف النّاس بمدينة القدس، وحثّ القوى الشّرائيّة على التّوجّه إلى أسواق البلدة القديمة، وذلك ردًّا على سياسات التّهويد والحصار الاقتصاديّ الّتي يمارسها الاحتلال الإسرائيليّ تجاه مدينة القدس بعامّة، وبلدتها القديمة بخاصّة. 

دعمًا للاقتصاد

لا يقتصر هدف الحملة على تعريف المشاركين بمعالم مدينة القدس وتنشيط الحركة الاقتصاديّة فيها فقط، بل إنّ من أهدافها الأساسيّة تعريف المقدسيّين بالمؤسّسات الثّقافيّة الموزّعة في البلدة القديمة، والّتي لا تلقى أنشطتها وبرامجها عادة، إقبالًا كبيرًا من المجتمع المقدسيّ، ربّما لأنّه يجهل وجودها.

أمسية لفرقة 'مزاج' على سطح فندق الهوسبيس

يقول مدير تجمّع تاج للسّياحة والفنون، بشّار المشني، وهو أحد القائمين على الحملة لفُسْحَة: 'إنّ هدف الحملة تشكيل سور حصين أمام عجلة تهويد المدينة، إذ يحثّ القائمون عليها المقدسيّين على الوجود في البلدة القديمة، والّذي يحاول الاحتلال تجفيف الحضور العربيّ فيها، عبر الإجراءات الّتي يمارسها بحقّ أهلها من تفتيش مذلّ، أو تغيير أسماء الشّوارع والحارات العربيّة إلى أخرى عبريّة، أو تسريب البيوت للمستوطنين بطرق ملتوية، أو عن طريق استغلال حاجة بعض ضعفاء النّفوس.'

كما تتيح الحملة الفرصة للمشاركين للتّسوّق من بلدة القدس القديمة، إذ حُدِّدَ في إطارها مسار اقتصاديّ كلّ سبت خلال رمضان، وهو يمرّ من سوق خان الزّيت والعطّارين اللّتين تعدّان من الأسواق المركزيّة في البلدة. يقول بشّار المشني إنّ الحملة تسعى إلى تغيير الصّورة النّمطيّة عن التّجّار المقدسيينّ عند النّاس، إذ يرى أنّ نسبة كبيرة منهم استغلاليّون.

معرفة المكان

يتعرّف المشاركون من خلال هذه الحملة على أسماء الشّوارع الأصليّة في البلدة القديمة، وكذلك أسماء حاراتها، وعلى أسواقها الفرعيّة الّتي في الغالب لا يصل النّاس إليها كونها بعيدة نسبيًّا عن السّوق المركزيّة، مثل سوق الباشورة وسوق الحصر، بالإضافة إلى تعريفهم بمطلّات مدينة القدس، ومن ضمنها مطلّ 'سطح الخان'، الّذي تحوّل جزء منه إلى بؤر استيطانيّة.

المسار التّجاريّ الثّاني

وتقول المرشدة السّياحيّة في حملة 'رمضان بشوارع البلدة القديمة'، آلاء التّميمي، لفُسْحَة: 'يختلف الإرشاد في حملتنا عن غيره، فهو لا يقتصر على منح المعلومات للمشاركين من المرشدين، بل يتيح لهم تلقّيها من السّكّان وأصحاب المحلّات والمواقع الّتي تُزار، فتكون المعلومات حيّة وغير مدوّنة بالكتاب، لأنّها جزء من التّاريخ الشّفهيّ.'

من ضمن المسارات التّعريفيّة في إطار الحملة، زيارات للقرى المقدسيّة المهجّرة، والّتي هدمها الاحتلال بعد سيطرته على غربيّ مدينة القدس عام 1948، وذلك لترسيخ الصّلة بين المقدسيّين وقراهم، ولمعرفة حكاية كلّ قرية من تلك القرى ودحض الرّوايات الإسرائيليّة الّتي حوّلت تلك القرى إلى مسارات رياضيّة، أو أحراش ومتزّهات للمستوطنين.

يشمل مسار القرى المهجّرة، والّذي حُدّد موعده كلّ أحد من شهر رمضان، تعريف المشاركين بتاريخ القرى وعدد سكّانها، ومهنهم وعاداتهم الخاصّة، ومن ثمّ تنظيم إفطار جماعيّ على أطلال تلك القرى، لتختتم الزّيارة بفعاليّة موسيقيّة أو ترفيهيّة.

قصص

يأخذ الحكواتي في حملة 'رمضان في شوارع البلدة القديمة' حيّزًا كبيرًا من اهتمام المشاركين، حتّى المارّين في شوارع البلدة، فبزيّه الشّاميّ الأصيل، حيث يرتدي الطّربوش والقمباز، يسرد الفنّان حسام أبو عيشة قصصًا قديمة يستقي منها المستمعون عبرًا كثيرة، والّتي يبدأها دائمًا بالقول: ' اللّي بعيش ياما يشوف... واللّي بشوف ياما يتعلّم'.

قراءة خلال أحد المسارات الثّقافيّة

يخلط الفنّان حسام أبو عيشة العبرة بالفكاهة، فيخرج بأجمل القصص الّتي يهدف من خلالها إلى توعية النّاس وتغيير الأفكار النّمطيّة السّائدة في المجتمعات العربيّة، ومن ضمنها التّعامل مع المرأة بدونيّة، كما يسعى إلى إعادة الأجواء التّراثيّة للبلدة القديمة، حيث كان الحكواتيّ يؤدّي دورًا مهمًّا في تجميل لياليها، من خلال سرد قصصه على أهل المدينة وضيوفها في المقاهي الّتي كانت تملأ باب العامود داخل الأسوار، وقد اندثرت المقاهي الّتي كانت تعمل على تجميع النّاس، وحلّت مكانها حوانيت الملابس والخضراوات وغيرها.

مسار ثقافيّ

يقول المشارك في حملة 'رمضان في شوارع البلدة القديمة'، أحمد أبو ارميلة، لفُسْحَة، إنّه يشارك في جميع مسارات الحملة، سواء الاقتصاديّة أو الثّقافيّة أو مسارات القرى المهجّرة، مؤكّدًا على استفادته الكبيرة من الحملة، كونها عرّفته بعدد من المؤسّسات الثّقافيّة في بلدة القدس القديمة، لا سيّما مكتبة جامعة القدس الّتي يقرؤون فيها مدّة نصف ساعة خلال المسار الثّقافيّ.

وأضاف أبو ارميلة أنّهم يتعرّفون خلال المسارات على تاريخ شوارع البلدة القديمة، لا سيّما تاريخ شارعها الرّئيسيّ، الّذي يُسمّى شارع الكارديو، وهي تسميته اليونانيّة، ويمتدّ من باب العامود شمالًا إلى باب المغاربة جنوًبا. كما يتعرّفون خلال زيارتهم على تاريخ المعالم الّتي يصادفونها في طريقهم، مثل المساجد والكنائس والأسبلة والحارات.

مسار قرية القبو المهجّرة

تعدّ حملة 'رمضان في شوارع البلدة القديمة'، إحدى الحملات الّتي أطلقها المقدسيّون في شهر رمضان الحاليّ لتنشيط مدينة القدس وإثبات عروبتها، لا سيّما في ظلّ تراجع إقبال النّاس عليها في الفترة الأخيرة، بسبب تكثيف الاحتلال لسياساته التّعسّفيّة، في محاولة منه للحدّ من نضال المقدسيّين المستمرّ منذ مدّة ليست بالقصيرة.

الحكواتيّ - الفنان حسام أبو عيشة
المسار الثّقافيّ
إفطار في إحدى القرى المهجّرة
المسار التّجاريّ

 

تعليقات Facebook