منطقة النقب | عارف العارف

من "المجلّة الزراعيّة العربيّة" [01 تمّوز 1947] | جرايد

 

المصدر: المجلّة الزراعيّة العربيّة.

تاريخ النشر: الثلاثاء، 1 تمّوز  1947.

موقع النشر: جرايد.

 

عارف العارف(1)

 

يقع نظرنا في الصحف العربيّة على كلمة "نقب"، فنمرّ عنها مرّ الكرام دون أن نسأل عن معناها، ويكتفي البعض منّا بالقول إنّها تعني منطقة بئر السبع. إنّها في الحقيقة كلمة قديمة معناها الجنوب، غير أنّها كما أعتقد لا تشمل سوى الشطر الجنوبيّ الشرقيّ من قضاء بئر السبع.

أمّا البدو، فإنّهم يسمّون الطرق الوعرة والمسالك الضيّقة الّتي يجتازها المرء إذا ما أراد أن يقطع الجبال القائمة بين فلسطين وشرق الأردنّ بالنقاب، أو النقابة، ومفردها نقب. وفي استطاعة مَنْ يحتلّ أيّ نقب من هذه النقاب أن يصدّ العدوّ الّذي تحدّثه نفسه بالمجيء إليه، مهما كان عدده. وهناك إلى الشرق من منطقة بئر السبع، وفي القسم الجنوبيّ من فلسطين، ثلاثون نقبًا.

 

 

ويقع بين منطقة النقب هذه وشرقيّ الأردنّ، وادٍ عميق يسمّيه البدو وادي العربة، ويسمّونه أیضًا وادي النار، أو مجمع القيمان. إذ ما من غزوة أو حرب نشبت فيما مضى بين قبائل شرق الأردنّ وفلسطين، أو بين هذه وعربان سيناء، إلّا وكان لهذا الوادي نصيب من ضحاياها. ويبلغ طوله مئتا کیلومتر، ويمتدّ من البحر الميت في الشمال إلى خليج العقبة في الجنوب، أمّا عرضه فيتراوح بين أربعة كيلومترات واثني عشر كيلومترًا.

وممّا هو جدير بالذكر، أنّه البقعة الوحيدة الّتي لم تحتلّها دولة ذات سلطان في هذه البلاد منذ أفل من سمائها نجم الأنباط في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد. وممّا يبعث على هذا الظنّ، أنّ الرومان أنفسهم، بعد أن قهروا الأنباط واستولوا على هذه البلاد، تحصّنوا في الجبال والمرتفعات المطلّة على وادي العربة، ولم يجوسوا خلال الوادي نفسه إلّا في فترات متقطّعة. أمّا الأتراك، فإنّي على يقين تامّ من أنّ أقدامهم لم تطأه خلال وجودهم في فلسطين.

كثيرًا ما نقرأ في الصحف أخبارًا متناقضة عن خصب أراضي النقب وإمكان تحويل تلك المنطقة القاحلة إلى جنّة غناء، وعندي أنّ هذا الزعم مبنيّ على الخيال.

 

عارف العارف (1892 - 1973)

 

فالتجارب الّتي قامت بها الحكومة في سنتي 1936 و1937 للبحث عن المياه في أنحاء مختلفة، لم تكن مشجّعة للحدّ الّذي يمكننا أن نتفاءل خيرًا. فإنّ الآبار الارتوازيّة الّتي حفرت عامئذ، وعددها واحد وعشرون، والّتي وصل عمق الحفر في بعضها إلى 357 مترًا، لم يعثر على ماء في أكثرها، والقليل الّذي وُجد فيه الماء ينقسم إلى قسمين: ماء صالح لكنّه قليل، أو ماء غزير لكنّه مرّ كالعلقم أو مالح.

يدلّك على هذا أنّ بعض المستعمرات الّتي سمعنا أنّها تأسّست في الجنوب، جُرّ الماء إليها بالأنابيب من ينابيع تبعد عنها ستّين كيلومترًا أو يزيد، وهذه عمليّة زراعيّة غير رابحة.

 

(1) السيّد عارف العارف، قائممقام رام الله، له عدّة مؤلّفات تاريخيّة قيّمة، منها مؤلّفه عن قبائل بئر السبع، وقد وافانا حضرته بهذه المعلومات عن منطقة النقب.

 

 

عَمار: رحلة دائمة تقدّمها فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لقرّائها، ليقفوا على الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة الّتي شهدتها فلسطين قبل نكبة عام 1948، وليكتشفوا تفاصيلها؛ وذلك من خلال الصحف والمجلّات والنشرات الّتي وصلت إلينا من تلك الفترة المطموسة والمسلوبة، والمتوفّرة في مختلف الأرشيفات المتاحة. ستنشر فُسْحَة، وعلى نحو دوريّ، موادّ مختارة من الصحافة الفلسطينيّة قبل النكبة، ولا سيّما الثقافيّة؛ لنذكر، ونشتاق، ونعود.

 

 

تعليقات Facebook