المطبخ الفلسطينيّ: عودة إلى حضن أمّنا الطبيعة

عجّة الهليون

 

تتجلّى سلبيّات العولمة في مختلف مجالات الحياة، ومن ضمنها نظام الغذاء، فاللهاث وراء كلّ ما يبدو غربيًّا وعصريًّا يدفع كثرًا منّا لاستبدال المأكولات الطبيعيّة، الصحّيّة والأصليّة، بأطعمة مصنّعة وغريبة، فيها مضارّ صحّيّة وثقافيّة.

ومن مفارقات هذه الظاهرة اللافتة، أنّ كثرًا من الغربيّين يبحثون، اليوم، عن طرق تقودهم إلى حضن أمّنا الطبيعة من جديد، فيفتّشون عن كنوز المطبخ المشرقيّ، العربيّ تحديدًا، وهو الزاخر بالمأكولات الشهيّة والصحّيّة، بينما يصطفّ كثر من العرب في طوابير أمام مطاعم ومقاصف الأطعمة السريعة، كالهامبورغر وغيرها.

تستهوي مطاعم الوجبات السريعة الجميع، كبارًا وصغارًا، لأسباب عديدة، منها مذاقها الفريد بسبب البهارات والأصباغ، لكنّها قنابل غذائيّة موقوتة، كونها مشبعة بالدهنيّات والمواد الكيماويّة الحافظة.

سأقف في هذه المقالة على بعض مكوّنات المطبخ الفلسطينيّ، مبيّنة أهمّ ما يميّزه من قيم غذائيّة، وفوائد صحّيّة واقتصاديّة، ومدلولات اجتماعيّة وثقافيّة، ولا سيّما في ظلّ ما يتعرّض له هذا المطبخ من محاولات سرقة وتشويه لهويّته على يد الإسرائيليّين، الذين يتوجّه كثر منهم إليه بحثًا عن طعام صحّيّ وطبيعيّ.

حمّص فول

يملك المطبخ الفلسطينيّ، صحّيًّا، بنكًا غنيًّا من الأطعمة السليمة الحاوية على مختلف مركّبات الهرم الغذائيّ، والتي تمدّ الأجسام بالطاقة والعناصر اللازمة للنموّ، والبناء، وتقوية المناعة، وضمان التوازن في تكوين الجسم، وتناسب الوزن والطول مع العمر والجنس وهيكل الجسم.

حمّص

تعدّ البقوليّات ركنًا أساسيًّا في هذا المطبخ، ولا سيّما داكنة اللون، كالفاصولياء، والعدس، واللوبياء، والفول، وهي غذاء صحّيّ وسليم، إذ تحتوي على البروتين النباتيّ والحديد، وعناصر غذائيّة حيويّة لكلّ الفئات العمريّة.

يكرم علينا المطبخ الفلسطينيّ بوجبات الفطور المعدّة من البقوليّات، وعلى رأسها الحمّص الذي يشهد محاولات دائمة للسطو على هويّته وأسرلته، شأنه شأن شقيقته الفلافل. والفول قرين الحمّص، لكن ينبغي تناوله في الوقت المناسب، فهو في الصباح يكون لك، وفي الليل عليك، كما يقول المثل الشعبيّ الظريف: 'الفول فطور الأمير، وغدا الفقير، وعشا الحمير'.

ستّ الكلّ

بالإضافة إلى شوربات العدس، يقدّم المطبخ الفلسطينيّ سيّدة الأكلات الصحّيّة والتراثيّة، المجدّرة (مجدّرة العدس والأرز أيضًا)، وهي واحدة من بطاقات هويّته، بل رموزه، وتتميّز بكونها سريعة الإعداد، ومفيدة، وغير مكلفة، وشهيّة، ولا سيّما في فصلي الشتاء والربيع، إذ تزداد شعبيّتها في الرحلات والنزهات في أحضان الطبيعة.

مجدّرة

تؤكل المجدّرة مع اللبن عادة، ومع سلطة الخضراوات المعدّة من البندورة، والخيار، والبصل، والنعناع، وزيت الزيتون، والقليل من الحامض. وهذه التوليفة الذكّيّة لا تجعل مذاق وجبة الغذاء شهيًّا فحسب، بل هي مفيدة صحّيًّا، إذ توازن الخضراوات المجدّرة بصفتها طعامًا ثقيلًا، وتبعد شرّ السمنة والدهنيّات، وتيسّر على الجهاز الهضميّ مهامه، علاوة على حاجتنا للعناصر الغذائيّة الكامنة في الخضراوات متعدّدة الألوان في الطبق الواحد.

غذاء ودواء

يتميّز المطبخ الفلسطينيّ بوفرة النباتات، من أعشاب، وخضروات، وفواكه ذات القيمة الغذائيّة الغنيّة، والوقائيّة، والعلاجيّة، ناهيك عن كونها زهيدة الثمن، بل تكون أحيانًا مجّانيّة، ولا سيّما في المناطق الريفيّة. ويُعدّ بعض النباتات البرّيّة غذاءً ودواءً، وعاملًا لتخفيف الوزن، كالزعتر، والعلت (الهندباء)، والخبّيزة، والعكّوب، والفرفحينة، والهليون، وغيرها من النباتات المتميّزة باحتوائها أيضًا موادّ مضادّة للأكسدة.

من النباتات التي تميّز المطبخ الفلسطينيّ العكّوب، ذات المذاق الشهيّ، سواء طُهيت طهوًا عاديًّا أو كانت 'عجّة عكّوب'، وهي تقوّي الجهاز العصبيّ والدم، وتعالج الجهازين البوليّ والهضميّ، وفيها موادّ تستخدم في علاج تسمّم الكبد وتشمّعه، كما هي الحال مع الهندباء والحويري المفيدة للخصوبة أيضًا.

خبّيزة

لطالما انتظر الفلسطينيّون بدء الشتاء ومطلع الربيع لقطف الهليون واستخدامه طعامًا بأشكال مختلفة، من أبرزها  طهوه مع البيض أو مع البندورة والبصل. والهليون الذي يُقطف من الطبيعة نظيفًا من آثار المبيدات والأسمدة الكيماويّة، مفيد في علاج التهابات المسالك البوليّة، والكليتين، وتنظيف المثانة من الحصى والترسّبات، وتفتيت الحصى، ودرّ البول، وفتح الشهيّة، وهو مفيد في علاج بعض حالات الروماتيزم، ومكافحة حالات الإرهاق، وتنشيط الجسم.

أمّا الخبّيزة، فهي واحدة من العلامات الفارقة في المطبخ الفلسطينيّ، ولا تخلو بيوت الفلسطينيّين منها، سواء في المدن أو  الأرياف، وتكمن قوّة حضورها في كونها طعامًا بسيطًا، ومفيدًا، وصحّيًّا،  وخاليًا من الموادّ الكيماويّة.

تحتوي الخبّيزة على معادن وفيتامينات عديدة، وموادّ فيها فوائد وقائيّة لعضلة القلب والأوعية الدمويّة. والجميل في الخبّيزة سهولة إعدادها وسرعته، وهي تُطهى بعد مرحلة التنظيف والتقطيع مع البصل وزيت الزيتون، لتكون 'الحوسة' بالمحكيّة، كما يسمّيها البعض.

الأيقونة 

تعدّ نبتة الزعتر، في نظري، أيقونة المطبخ الفلسطينيّ، والبعض يلقّبها، وبحقّ، بـ 'أمّ النباتات العطريّة'، فأقراص ومخبوزات الزعتر التي تعدّ في مطابخنا ذات مذاق طبيعيّ وطيّب جدًّا، وحين يقترن تناولها مع شرائح البندورة، لا يمكن القول سوى: عظمة على عظمة.

أقراص الزعتر

وممّا يضاعف أهمّيّة الزعتر، قيمتها الطبّيّة وغناها بمضادّات الأكسدة، إضافة لموادّ مضادّة للجراثيم والبكتيريا، ومخفّفة لأوجاع الحلق والجهاز الهضميّ.

لم أشعر يومًا بالراحة النفسيّة والسعادة في المطبخ، وأنا أعدّ مأكولات بيتيّة، مثل شعوري حين أعدّ مخبوزات الزعتر الذي تعطّر رائحته البيت، بل الحارة. حال الزعتر  كحال فنجان القهوة في الصباح، فإعداد مخبوزاته مناسبة للقاء الأحبّة والجيران، وهي ترتبط بمضامين ثقافيّة وتربويّة كبيرة للأبناء.

الزيتون وزيته

لا يمكن تخيّل المطبخ الفلسطينيّ من دون حبّات الزيتون، أخضرها وأسمرها، والأهمّ الزيت الساحر مخمليّ اللون، الذي يُستخدم في إعداد مختلف صنوف الطعام، وله قيمة غذائيّة عليا أيضًا، ولا سيّما عندما يضاف إلى الطعام بعد انتهاء مرحلة الطهو كي لا يتأكسد.

الزيتون وزيته

حين أعدّ فطورًا بيتيًّا بحضور أقراص الزعتر، والألبان والأجبان البلديّة، والبيض المسلوق أو العجّة المتبّلة بالكثير من نباتات الحديقة أو الحاكورة، فإنّ الوجبة لا تكتمل من دون طبق السلطة العربيّة المكونّة من الخضراوات والنعناع، بالإضافة إلى زيت الزيتون والحامض، اللذين يمنحانها مذاقًا مميّزًا يفتح الشهيّة.

شراب

ينفرد المطبخ الفلسطينيّ، أيضًا، بمشروبات وعصائر طبيعيّة، ولعلّ سيّد العصائر الباردة الليمون (المقشّر جزئيًّا) والنعناع، الذي يضاف له القليل من السكّر لتحليته، وثمّة مَنْ يضيف القليل من الحليب لينال لونًا وشكلًا أجمل.

 أمّا المشروبات الساخنة، فإنّ المطبخ الفلسطينيّ يقدّم أبعد بكثير من الشاي والقهوة العربيّة، وذلك باستخدام حبوب اليانسون، والحلبة، وأعشاب الشاي في الحديقة والبرّيّة، مثل 'دقّة العدسوالنعناع، والزعتر، والمردقوش، والشومر وغيرها، وهي طيّبة المذاق وخالية من منبّهات الكافئين التي قد لا يُرغب فيها، ولا سيّما في الليل.

حلوان

يوفّر المطبخ الفلسطينيّ فرصة للتحلية الشهيّة المجّانيّة، وأقول مجّانيّة لأنّها تغنينا عن اقتناء حلويّات مشبعة بالقطر والدهون. وطالما أنّنا نعدّها بأيدينا، فإنّنا لا نتحكّم بمذاقاتها فحسب، بل بمدى صحّتها، ومنها كعكة البرتقال التي تعدّها الأمّهات، وقد عشقها الأبناء جيلًا بعد جيل. كذلك المهلبيّة المعدّة من الموادّ المتوفّرة هي الأخرى، كالحليب، والأرزّ، والنشا، والتي توارثناها بمحبّة وإتقان.

مهلّبيّة

مأكولات ومشروبات المطبخ الفلسطينيّ سريعة إلى قلوبنا، لا إلى بطوننا فحسب، لأنّها تنمّي بمدلولاتها الروابط الوجدانيّة بين الإنسان والمكان، أي بيننا ووطننا الذي يمنحنا كلّ هذا الخير بحبّ، والقدرة على البقاء والتجذّر في الأرض والطبيعة، ونحن من نقول تعبيرًا عن ذلك: 'باقون ما بقي الزعتر والزيتون'.

 

سهير سلمان منير

 

 

مستشارة غذائيّة، ومختصّة في الطبّ المكمّل – العلاج عن طريق كفّ القدم. تكتب مقالات أسبوعيّة في عدد من المنابر الإلكترونيّة والمطبوعة، وتشارك في برامج تلفزيونيّة وإذاعيّة، حول الصحّة العامّة والغذاء السليم.

تعليقات Facebook