دواء الفلسطينيّين في نباتهم

العلت (هندباء)

قد يكون الطبّ النباتيّ الموروث العلميّ الوحيد الذي لا يزال ممتلكًا لعناصر الحياة والتجدّد في ثقافتنا، ولا سيّما أنّه ينطوي على كنوز فريدة ومهمّة جدًّا لم يلتفت إليها الباحثون، العرب والعالميّون، بجدّيّة.

لهذا، ومع اتّساع الفجوة العلميّة، وفي ظلّ الشلل الفاضح الذي يصيب عالمنا العربيّ في ما يتعلّق بالمساهمة العلميّة والمعرفيّة الإنسانيّة، فإنّ الأمر يقتضي التفتيش عن مجالات مناسبة تضعهم في أفضليّة نسبيّة عن غيرهم، وتمكّنهم من اقتحام بوّابات الإسهام الحضاريّ، والممارسة الإنتاجيّة، والتنافس الفعليّ. ولعلّ الولوج إلى ميدان البحث والتطوير في مجال الطبّ النباتيّ خيار ذو أفضليّة للانطلاق.

خير الدواء ما كان غذاءً

لست أبالغ حين أؤكّد على أنّ موروثنا الطبّيّ، العربيّ الإسلاميّ، من أهمّ وأغنى ما خلّفته المجتمعات المتمدّنة عبر الأزمان، لاشتماله على جوهر المساهمات الحضاريّة للثقافات السابقة له، وخضوعها جميعًا إلى عمليّة تدوين، ونقد، وتطوير، وعلمنة غير مسبوقة في التاريخ. ويحضرني في هذا المقام ما ذكره المفكّر الكبير، المرحوم محمّد عابد الجابري، حين وصف وجه التميّز لدولة المأمون العبّاسيّة: 'دولة تكاد تتحوّل لمركز أبحاث وتطوير عملاق'، في إشارة منه إلى حجم العناية الفائقة الذي أولته الدولة لقضايا العلم والتمدّن.

طبيب يعدّ دواءً لمرض الجدري في القرن الـ 17 | من مخطوط عثمانيّ لكتاب ابن سينا: 'القانون في الطبّ'

إنّ أنظمة الرقابة الواضحة لجودة العقاقير، والمحاسبة القضائيّة الصارمة التي فرضتها الدولة وقتها على العاملين في الحقل الطبّيّ، أسهم كثيرًا في تأمين استمرار تلك الانطلاقة العلميّة قرونًا متوالية، وكان ذلك مبعث اعتزاز في زمن الازدهار، أمّا في زمن النكوص حتّى الاندثار، فحدّث ولا حرج.

'خير الدواء ما كان غذاء'، قولة تختصر فلسفة العلاج القديم، وقد كان الأطبّاء أكثر العارفين بمزاج الأغذية، وفنون الطبخ ومركّباته التي ينطوي تناولها على أثر دوائيّ وصحّيّ، إذ شكّل الغذاء خطّ الدفاع والعلاج الأوّل في التعامل مع الأمراض.

وبعد المعاينة وتحديد طبيعة المرض، كانت عمليّة العلاج تبدأ بإعداد لائحة طعام تناسب حالة المريض، وتتناغم مع متطلّبات 'نظريّة الأخلاط الأربعة' الطبّيّة المعتمدة وقتها، بل غالبًا ما كانت تُرفق بتفصيل كمّيّ ونوعيّ، وشرح لطريقة التحضير. وكان الطبيب يلجأ للدواء في الحالات الضروريّة فقط، وبعد أن يعجز الغذاء عن تأدية مهمّته العلاجيّة.

نحو صناعة دوائيّة عربيّة

محنة الطبّ العربيّ الراهنة، وتخلّفه عن غيره، مشتقّة من تعاسة الواقع العربيّ ورداءة أحوالنا، فكيف يمكننا معالجة الأبعاد الثقافيّة والتنمويّة المهدورة جرّاء الإهمال المعيب لموروثنا الطبّيّ، في بيئات ما زالت تتعامل مع إهدار كرامة الإنسان وسحق تطلّعاته وكأنّها أمر طبيعيّ؟

من كتاب 'الترياق'، القرن الـ 13

مجتمعاتنا العربيّة أبقت على حضور موروثنا الطبّيّ، ليس بالضرورة من باب الاعتراف بأهمّيّته وإمكانيّاته الهائلة، إنّما لكونه، أيضًا، الملجأ الأساسيّ لفقراء الناس في حصولهم على احتياجاتهم الصحّيّة والطبّيّة والتجميليّة، في ظلّ غياب محزن للتأمين الصحّيّ والخدمات العلاجيّة المناسبة لأبناء المجتمع في معظم البلدان العربيّة.

هذا الواقع المشوّه يستدعي التصحيح، فلا يقتصر الموروث على كونه ملاذًا لفقراء الناس، بل يصبح اتّجاهًا صحّيًّا ممأسسًا ومعترفًا بدوره، بصفته جزءًا من النظام الصحّيّ الرسميّ. هذا المسعى سيكون وسيستمرّ حين نبدأ بقراءة تراثنا الطبّيّ قراءة علميّة نقديّة وتاريخيّة، وحمايته، وتعقّب ما تساقط منه أو اختفى، ودراسته وعصرنته، وإخضاعه للتجربة العلميّة البحتة، وجعله متجانسًا مع المواصفات العالميّة للمستحضرات الطبيعيّة، وقاعدة متينة للانطلاق نحو صناعة دوائيّة عربيّة منتجة.

وصاية استيطانيّة

محنة الموروث الطبّيّ الشعبيّ في فلسطين قد لا تشذّ جوهريًّا عن واقع الطبّ الشعبّيّ في العالم العربيّ، لكنّ مأساته تتضاعف كونه يكاد يخضع لوصاية شبه كاملة من الباحثين الإسرائيليّين، وغالبيّتهم ذوو توجه صهيونيّ ينزع إلى استجماع ما سلم واستُبقي في الذاكرة والممارسة الشعبيّة، وتوظيفه في مهمّة تأكيد مشروعيّة الاستيطان في بلادنا، وأحقّيّتهم المزعومة في روايتهم التاريخيّة السياسيّة على هذه البلاد.

'نباتات الرمبام الطبّيّة' - نيسيم كريسبيل

كثيرة هي الإصدارات العبريّة المتعلّقة بهذا المجال، والتي تبدأ بالتحايل على أهلنا باسم العلم والتوثيق، لاقتناص ما أمكن من معلومات، ثمّ تتناولها بالتحريف والتقطيع والتوصيل، لتُنشر تحت عناوين توراتيّة وتلموديّة مثل كتاب 'نباتات الرمبام الطبّيّة' (علمًا أنّ الرمبام موسى ابن ميمون ينتمي للحضارة العربيّة الإسلاميّة)، أو 'الأعشاب الطبّيّة التلموديّة وخصائصها اليهوديّة'، وغيرها الكثير.

إذا كان بوسعنا تحمّل هذا الواقع الغريب، فيه الباحث المهاجر المستوطن يكاد يهيمن بشكل كامل على ثقافتنا وتاريخنا في هذا الحقل المهمّ، ويتلاعب به خدمة لمشاريع سياسيّة، فإنّ الأكثر إيلامًا أنّك عندما تبحث عن جوانب علميّة لهذا الموروث في الأدبيّات العلميّة الحديثة، ستكتشف أنّهم في طليعة مَنْ يتحدّث عنه وينطق باسمه.

هذا الوضع المشوّه تحديدًا، دفع بنا، فلسطينيّين متنوّعي الاختصاص بهذا المجال، لاعتراضه من خلال جهد بحثيّ منسّق، شمل أغلب وجوه موروثنا الطبّيّ، لإعادته إلى الأيدي العربيّة، وقد أطلقنا على هذا المشروع اسم 'الطبّ اليونانيّ العربيّ الإسلاميّ'، وحقّقنا حتّى الآن جلّ أهدافه بنجاح لافت.

150 نبتة

لقد حبا الله فلسطين، على صغر انبساطها، بتنوّع جغرافيّ مناخيّ مميّز، بدءًا بجبالها السامقة، مرورًا بخاصرتها الساحليّة، فصحرائها، ووصولًا إلى أغوارها، ما وفّر لأرضها تنوّعًا بيئيًّا معقّدًا، استوطن فيه ما يربو عن 2600 صنف نباتيّ، وهو أكثر من ضعف ما ينمو في بريطانيا على اتّساع مساحتها.

العكّوب

أظهرت الأبحاث التي أجريناها أنّ قرابة ربع الغطاء النباتيّ لفلسطين استُخْدِمَ طبّيًّا بشكل أو بآخر، وهي نسبة غير مسبوقة عالميًّا، وتفوق ما هو قائم في كلّ الثقافات، والتي يتراوح معدّل ما استُخدم لغرض العلاج لديها بحوالي 5-7% من مجمل غطائها النباتيّ.

ما زال الفلسطينيّون يستخدمون، إلى هذه اللحظة، أكثر من 150 نبتة طبّيّة في حياتهم المعاصرة، ومن ضمنها نباتات غذائيّة مهمّة. نستعرض نموذجًا من تلك النباتات، وفوائدها الصحّيّة، واستخداماتها الطبّيّة.

العكّوب: اسمه العلميّ Gundelia tournefortii؛ نبتة غذائيّة شائكة، تنتمي للعائلة النجميّة، وموطنها بلاد الشام وإيران وتركيّا. يستخدم المطبخ الفلسطينيّ السيقان، والأوراق، والرؤوس غير الناضجة في إعداد تشكيلة متعدّدة من أطباق العكّوب.

علينا التحذير الصريح بداية من الأذى الصحّيّ المترتّب عن الإفراط في استهلاكه، ولا سيّما لمن يعاني من ضغط الدم المرتفع، لأنّ العكّوب يرفع الضغط الدمويّ بشكل كبير. ما عدا ذلك، فهو يشتمل على أهمّ العناصر الغذائيّة، مثل الكربوهيدرات، والبروتينات، والحديد، والبوتاسيوم، والدهون المشبعة، والفيتامينات.

الفرفحينا

علاجيًّا: يعدّ العكّوب خافضًا لحرارة الجسم، ومدرًّا للبول، ومقاومًا للسموم، ومعزّزًا لنشاط الأعصاب والذاكرة والقلب، ومضادًّا للالتهاب، والإمساك، والكوليسترول، وفقر الدم، والسرطان، والباسور، والأمراض الجلديّة الناشئة عن خلل في جهاز المناعة.

الفرفحينا (البقلة الحمقاء): اسمها العلميّ Portulaca Oleracea L.؛ نبتة غذائيّة معروفة، تنتمي للفصيلة البقليّة. تتميّز بقيمتها الغذائيّة والصحّيّة العالية، ولا سيّما أنّها تحوي أعلى معدّلات من الدهون غير المشبعة من نوع أوميغا 3، ما يضعها في رأس قائمة النبات المقوّي للذاكرة والتركيز الذهنيّ.

علاجيًّا: تخفض معدّلات السكر لدى مرضى السكّري على نحو قويّ وبارز. كما تفيد في معالجة التهابات المسالك البوليّة، والجلد، والباسور، وإشفاء الحروق والجروح، ومقاومة الجراثيم، والفيروسات، والصداع، والنزف، والروماتيزم، وتساعد على طرد الديدان. 

العلت (هندباء): اسمها العلميّ Cichorium Intybus؛ نبتة غذائيّة تتبع للفصيلة النجميّة، غنيّة بألياف الأنولين.

علاجيًّا: تعدّ منشّطًا قويًّا للكبد، ومقاومًا للسموم، ما يحسّن أداء الجهاز الهضميّ. كما أنّها مقاومة للتوتّر النفسيّ، وخافضة لمعدّلات السكّر، والكوليسترول، والوزن الزائد، كما تساعد في علاج حصى الكلى والمرارة، وتحدّ من التعرّق المفرط، وتحسّن أداء القلب، وتقاوم الالتهابات بعامّة، والتهاب المفاصل بخاصّة.

الخبّيزة

الخبّيزة: اسمها العلميّ Malva Sylvestris؛ نبتة غذائيّة تتبع للفصيلة الخبّازيّة، غنيّة بالفيتامينات، والألياف، والعناصر الضروريّة مثل الزنك، والحديد، والمغنسيوم، والبوتاسيوم، وفيتامين ب 3، وفيتامين ب 12.

علاجيًّا: تُستخدم أوراق الخبّيزة لعلاج النزلات الصدريّة، ولالتهابات الفم والحلق والسعال، وأمراض الشتاء بعامّة. منقوع نبات الخبّيزة مدرّ للحليب، ويذيب حصى الكلى، ويعالج التهابات الأمعاء، والإمساك، واللثّة والأسنان، ويغذّي الجلد والشعر ويزيد من نضارتهما. كما تفيد الخبّيزة في حالة الوهن العامّ.

 

عمر سعيد

 

من كفر كنّا، شمال فلسطين. مهتمّ بنقد الموروث الفكريّ الإسلاميّ وموضوعة النهضة. باحث مختصّ في علم الأدوية والعقاقير؛ حاصل على الدكتوراه من معهد العلوم التطبيقيّة 'التخنيون' بحيفا، وله إسهامات في عالم الطبّ النباتيّ وتطوير الموروث الطبّيّ العربيّ الإسلاميّ. له عشرات الأبحاث العلميّة، كما أصدر كتابًا مرجعيًّا مع بروفسور بشّار سعد حول الطبّ العربيّ الإسلاميّ، عنوانه: 'Greco-Arab and Islamic Herbal Medicine' عن دار' وايلي أند سانز' العالميّة.

 

 

تعليقات Facebook