"أوف - ريكورد"؛ مَنْ يصنع صمت المثقّف والمبدع الفلسطينيّ؟

Isabelle Dow

 

هذا الكلام "أوف - ريكورد"؛ لا تعيدوه ولا تقولوه لأحد.

الصمت سائد والكلام أصبح سرّيًّا؛ كي يبقى قائله معافًى من العواقب. يُمنع كتاب هنا ونصمت؛ فيُمنع عشرة هناك، يُعتقل واحد هنا ونصمت؛ فيُعتقل آخر ويُحكم عليه بألف جلدة هناك، تُقطّع جثّة صحافيّ بالمنشار أو تُذاب بالأسيد، وتُدافع المؤسّسة الرسميّة عن المشتبه بهم، فلا نجد مَنْ يحتجّ. ويستمرّ الصمت إلى أن يُسلب الحقّ، ويستمرّ الهدوء إلى أن تتلاشى الأولويّات، وتنخفض قيمة القضايا والبشر، ثمّ يكون ألّا يعود هناك ما نقوله.

لمسنا في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة خلال متابعتنا لأكثر من قضيّة تتعلّق بالشأن الثقافيّ، وعلمنا عليها، على نحو متكرّر ومطّرد، نزوعًا إلى الصمت، وعدم الرغبة في إبداء الرأي والتعليق، خلال توجّهنا إلى شخصيّات ثقافيّة وإبداعيّة، لسؤالهم حول قضايا متعدّدة ومختلفة، ولا سيّما إن ارتبطت بالمؤسّسة الرسميّة، الفلسطينيّة أو العربيّة، وطلبهم أن يظلّ كلامهم "أوف ريكورد"، أو أن يُكتب بعبارات مخفّفة، تختلف عمّا يقولوه لحظة الإدلاء الأولى بالرأي، أو أن يُنشر كلامهم دون إشارة إلى أسمائهم.

سألنا العديد من المثقّفين والعاملين في الساحتين الثقافيّة والإعلاميّة عن الصمت، وأسبابه وآثاره، وعن الخوف من الإدلاء بالرأي أحيانًا. وقد كانت الآراء متفاوتة، وبعضها متقارب، لكنّ الحيرة غلبت بعضهم: ماذا أقول؟ ماذا هناك ليُقال؟ وكأنّ الحيرة ليست تردّدًا في الحديث، بل تردّد في القضيّة نفسها؛ "خذي هذا الكلام أوف - ريكورد".

فماذا قالوا لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة "أون ريكورد؟".

 

سائد السويركي: حين يصبح المثقّف تابعًا

قال الشاعر والصحافيّ سائد السويركي، رئيس مكتب "روسيا اليوم" في غزّة: لا أعتقد أنّ الفلسطينيّين امتلكوا مشروعًا ثقافيًّا عبر تاريخهم المعاصر، فالصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ فرض وجود السياسيّ والعسكريّ على رأس سلّم صناعة القرار؛ فظلّت الحالة الثقافيّة مرتبطة بوجود الأفراد المبدعين في مختلف المجالات الفنّيّة والثقافيّة.

 

الإعلاميّ سائد السويركي

 

وحتّى بمجيء السلطة الفلسطينيّة لم يتغيّر شيء، ظلّ السياسيّ يتربّع على العرش، بينما المثقّف مجرّد تابع، وظلّت موازنة العسكر، على سبيل المثال، أكبر من ميزانيّة باقي الوزارات مجتمعة، وعلى رأسها "وزارة التربية والتعليم"، و"وزارة الثقافة".

ظلّ المثقّف غائبًا طوال الوقت، رغم المحاولات الفرديّة لنفخ الروح في الجسد الميّت. مصلحة كثير من المثقّفين ارتبطت بالسياسيّين؛ فكان على المثقّف أن يقف متسوّلًا - باستمرار - أمام أبواب صانعي القرار، أو معارضًا؛ وهذا سيجعله مستهدَفًا في ظلّ تراجع الحرّيّات العامّة.

ويدعم فكرة غياب الإحساس بوجود مشروع ثقافيّ أصلًا، مثلًا، التخلّي عن دفع إيجار "اتّحاد الكتّاب الفلسطينيّين" في غزّة ثماني سنوات؛ لتتراكم الديون على المؤسّسة، الّتي تعجز عن القيام بواجباتها حاليًّا تجاه المجتمع المحلّيّ. المثقّف أيضًا بدا كأنّه مغيَّب عن نكبة الانقسام، بل أعتقد أنّ كثيرًا منهم باتوا طرفًا في الصراع، بدلًا من أن يقدّموا رؤيتهم الخاصّة؛ لإعادة ترتيب البيت الداخليّ الفلسطينيّ.

 

مصلحة كثير من المثقّفين ارتبطت بالسياسيّين؛ فكان على المثقّف أن يقف متسوّلًا - باستمرار - أمام أبواب صانعي القرار، أو معارضًا؛ وهذا سيجعله مستهدَفًا في ظلّ تراجع الحرّيّات العامّة.

 

وتراجعت القضيّة الفلسطينيّة في ظلّ غيابهم، والآن تُمرَّر أخطر مراحل استكمال المشروع الإسرائيليّ عبر صفقة القرن، في ظلّ غيابهم أيضًا. عندما يصبح المثقّف موظّفًا، وتابعًا للسياسيّ؛ سيبحث عن مصلحته الذاتيّة ومشروعه الخاصّ، وعندما يكون ثمّة تدجين للوعي، سينأى الإنسان بنفسه عن دور المعارضة، وهذا ما فعله المثقّفون الّذين دُجّنوا فعلًا، ودُجّنت مؤسّساتهم الثقافيّة، وأصبحوا منفصلين عن واقعهم، وفقدوا دورهم. وأخيرًا فإنّ الثورة الّتي بلا وعي ستمرّ عليها قرون، قبل أن تكتشف أنّها لم تتقدّم إلى الأمام، بل عادت إلى الخلف.

 

رامي العاشق: لم يكونوا من تَمْرٍ حتّى إذا جعنا أكلناهم

قال الشاعر والمحرّر الفلسطينيّ السوريّ، من مخيّم اليرموك، رامي العاشق: إنّ الحديث عن صمت "المثقّفين" أقرب إلى الحديث عن صمت الإله (سيحبّون هذا التشبيه الّذي يرفع من أناهم).

 

الشاعر رامي العاشق

 

"المثقّف" لا يمكنه أن يكون صامتًا، لا يمكن أن يكون مثقّفًا إن لم يكن ذا صوت عالٍ وموقف واضح جذريّ، وهؤلاء اليوم كائنات أسطوريّة غير موجودة. مَنْ يسمَّون اليوم مثقّفين ليسوا كذلك، المثقّف الحقيقيّ هو الّذي يقول: "لا"، والمثقّف المزيّف لا يقول "لا" كالمثقّف الحقيقيّ، بل: "لا، ولكن..."، بحسب سارتر، هذه الـ "لكن" هي الّتي تخلق تطبيعًا مع الكارثة أو الجريمة.

القضيّة ليست في منع كتاب أو تمرير صفقة، ثمّة جرائم كبرى بحقّ الإنسانيّة تُرتكب باسم فلسطين، من السلطة ومن حماس، جرائم من اختصاص السفّاح بشّار الأسد، صديق السلطة الحاليّ وصديق حماس السابق، تمرّ دون ثورة، اعتقال وتعذيب وشبح، تهم مثيرة للسخرية من نوع "المساس بالروح الثوريّة"! هذا أمر يحتاج إلى انفجار حقيقيّ ينسف كلّ شيء. سلطة دون دولة أو جيش تفعل كلّ ذلك، ماذا لو أصبح لديها دولة!

 

ما دام "المثقّف" صامتًا، ومتواطئًا، وغير مؤثّر، وغير جذريّ؛ فهل نحتاج حقًّا إلى مثقّفين؟ هل نحتاج حقًّا إلى أن نسأل عن صمتهم أو صوتهم؟ هم لم يكونوا من تَمْرٍ حتّى إذا جعنا أكلناهم.

 

بالعودة إلى موضوع الإله، ما دام "المثقّف" صامتًا، ومتواطئًا، وغير مؤثّر، وغير جذريّ؛ فهل نحتاج حقًّا إلى مثقّفين؟ هل نحتاج حقًّا إلى أن نسأل عن صمتهم أو صوتهم؟ هم لم يكونوا من تَمْرٍ حتّى إذا جعنا أكلناهم.

 

هادي العجلة: الأحزاب عدوّ المثقّفين

من جهته، قال الباحث والأكاديميّ الدكتور هادي العجلة: إنّ حالة الصمت المريبة الّتي تجتاح المثقّفين العضويّين والفاعلين وأصحاب الفكر، نتاج عوامل عدّة، منها وسائل التواصل الاجتماعيّ الّتي أعطت الجميع الفرصة لرفع صوته؛ ومن ثَمّ خلق أشباه مثقّفين؛ وهنا فالمثقّفون والأكاديميّون الفاعلون الحقيقيّون أصبحوا يشعرون بأنّهم يخوضون معركة آراء مع أشباه مثقّفين؛ وهذا يتسبّب بابتعاد ذاتيّ.

 

الباحث هادي العجلة

 

من جهة أخرى، فإنّ كثرة النداءات، والتداخلات، والحراك الّذي يقوده هؤلاء المثقّفون، في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة؛ أصبحت لا تؤدّي إلى تغيير، وأصبحت معملًا، تتعرّض إلى التجاهل بعامّة من الأنظمة السياسيّة؛ فيتسبّب بنوع من التجافي، أو العزلة؛ فيحصر المثقّف والأكاديميّ ذاته في الإنتاج العلميّ المقتصر على الأبحاث والقراءات.

سبب آخر مهمّ، يكمن في التسييس الكامل للمثقّفين والأكاديميّين، أصبح لديهم تسييس يدافع عن حزب سياسيّ معيّن لا عن أيديولوجيّة؛ والتسييس والتحزّب والاستقطاب تتسبّب بعدم ثقة الجمهور بالمثقّف؛ ناتج عن عدم ثقتهم بالأحزاب الّتي ينحاز إليها المثقّف، الّذي أصبح مستهدَفًا أيضًا في ظلّ التجاذبات الراهنة.

 

أصبحت صناعة الأبطال والأوهام جزءًا من العمليّة كلّها، نحن جزء من عمليّة كاملة، حالة تخلق أشباه مثقّفين يفتقدون الأيديولوجيا والفكرة ومكوّنات المثقّف الحقيقيّ المؤثّر.

 

لا أحد يمكنه التدخّل بشكل فاعل في هذا الشأن، هذه مسيرة كاملة لا يمكن وقفها مع وجود وسائل التواصل الاجتماعيّ والتجاذبات والانقسامات وأشباه المثقّفين، أصبحت صناعة الأبطال والأوهام جزءًا من العمليّة كلّها، نحن جزء من عمليّة كاملة، حالة تخلق أشباه مثقّفين يفتقدون الأيديولوجيا والفكرة ومكوّنات المثقّف الحقيقيّ المؤثّر.

الأنظمة الأساسيّة تُستهدَف من خلال أحزابها، تحاربهم في الرزق والتسلّط عليهم والإزعاجات؛ فيفضّلون الابتعاد عن الحياة السياسيّة بهذا الشكل، وعمليًّا تمتدّ نتائج وضع كهذا إلى أجيال كاملة تتدمّر؛ فعمليّة خلق مفكّرين ومثقّفين وصحافيّين استقصائيّين تستغرق وقتًا طويلًا؛ لذا نحن الآن أمام معضلة كبيرة.

 

نجاح عوض الله: إحباط عامّ وإحساس بعدم الجدوى

قالت المخرجة نجاح عوض الله: الصمت ناتج عن حالة من الإحباط والشعور بانعدام الجدوى، حين يخرج المثقّف عن صمته؛ فلا يكون ثمّة متابعة، ولا أثر تراكميّ لهذا العمل؛ يكون هذا الخروج انفعالًا لحظيًّا غير إستراتيجيّ وغير مُمأسس، يكون وليد لحظة واحدة ونتيجة ظرف ما؛ نتيجة فورة دم أو فورة أعصاب، ولا تراكم لأيّ أثر ولا يكون لها أيّ متابعة.

 

نجاح عوض الله

 

ثمّة إحباط عامّ، وإحباط من الجمهور ناتج عن انعدام جدوى الحراكات والمبادرات، إذ لم يعد لها نفع، أو لم يعد لها أثر، كأنّ الأمر خرج من أيدي المثقّفين، وكأنّ ما يقولونه لا يسمعه أحد ولا يجد صدًى، هذا يأتي من الحالة العامّة أيضًا، ولا ينطبق على المثقّفين فحسب.

 

ثمّة إحباط عامّ، وإحباط من الجمهور ناتج عن انعدام جدوى الحراكات والمبادرات، إذ لم يعد لها نفع، أو لم يعد لها أثر، كأنّ الأمر خرج من أيدي المثقّفين، وكأنّ ما يقولونه لا يسمعه أحد ولا يجد صدًى

 

يأتي ردّ الفعل أحيانًا بشكل عمل فنّيّ أو أدبيّ في فترة لاحقة، لكن هذا لا يُعَدّ نشاطًا أو موقفًا، بل يُعَدّ إنتاجًا فنّيًّا تابعًا للحالة.

 

خضر محجز: تجري صناعة مثقّفين مبتسمين "ما بيزعلوش حدا"

قال الأستاذ الجامعيّ خضر محجز: الصمت عادة؛ أي أنّه نتيجة التعوّد، تعوُّد المثقّفين على الصمت، فقد أصبحوا يمارسون عمليّة نقد ذاتيّ مسبق، قبل أن يتكلّم الواحد منهم يحسب حساباته وعواقب ما سيقوله أمنيًّا، أو وظيفيًّا، أو مجتمعيًّا، أو حتّى على مستوى الأحلام، وهو المستوى الأخطر.

 

الأستاذ الجامعيّ خضر محجز

 

يتوقّع المثقّف الّذي يحاول أن يكون مَرضيًّا عنه، أن يحصل على مزايا أو منح أو علاقات، وأن يكون أوّل المرشّحين، وآخر مَنْ يُعترض عليه نتيجة هذا الرضا، وهكذا يكون تقديمهم مثقّفين مبتسمين "ما بيزعلوش حدا"، ويبدو أنّ الثقافة العربيّة أصبحت تتميّز بهذا الأمر، وأصبح المثقّف غير الصامت يُعَدّ مشاغبًا أو مسبّبًا للمشاكل، وتلحقه هذه الوصمة، حتّى لو لم يواجه عواقب بشكل رسميّ؛ فإنّه يواجه تهميشًا واستبعادًا وتحجيمًا من الوسط الثقافيّ "المرضيّ عنه"؛ فيختصر المثقّف المتاعب ويصمت؛ تفاديًا لهذه العواقب.

 

نبال ثوابتة: ليس صمتًا فقط، بل إحجام عن المشاركة

وقالت مديرة مركز تطوير الإعلام في جامعة بير زيت، نبال ثوابتة: الحقيقة أنّ انتهاك حرّيّة الصحافيّين والأكاديميّين والمثقّفين أضحى أمرًا واقعًا يصعب تغييره، وربّما صارت الحالة تزيد سوءًا كلّ يوم. يمكن القول إنّ حالة الصمت هذه، ليست مختزلة فقط في عدم قدرتنا على الكتابة أو على التعبير عن آرائنا، بل انتقلت إلى مؤسّسات ونقابات وشخصيّات اعتباريّة صارت تنزوي وتُحْجِم عن المشاركة في أيّ مبادرات أو حراكات.

يمكن تلخيص مطالباتنا - نحن الأكاديميّين - بأمرين أساسيّين هما: أوّلًا، إقرار حقّ الحصول على المعلومة، وثانيًا، تعديل قانون الجرائم الإلكترونيّة الفلسطينيّ، الّذي تجب إعادة مناقشته؛ كونه يمسّ بحرّيّة الجميع، ومنهم الصحافيّون والمثقّفون، وكذا الحدّ من الانتهاكات للصحافيّين والمدنيّين على حدّ سواء.

 

نبال ثوابتة

 

نحن، على الصعيدين الشخصيّ والرسميّ، نؤكّد دائمًا - في كلّ محاضراتنا وأبحاثنا الّتي نقدّمها - أنّ القوانين يجب ألّا تتجزّأ، ولا سيّما تلك الّتي لها علاقة بحرّيّة التعبير والرأي وحرّيّة الصحافة؛ فالقوانين مكمّلة لبعضها بعضًا. ثمّة حالة عرج نعيشها مع مزاجيّة صانع القرار، في ما يتعلّق بإصدار القوانين، ويمكن القول إنّ ما يقع على عاتقنا، في بداية الأمر، المطالبة بإيجاد تشريعات وقوانين تصحبها رقابة على عملها.

 

إيهاب زاهدة: بلا هدف، بلا مصداقيّة، بلا مشروع

قال المخرج المسرحيّ إيهاب زاهدة: إنّ المثقّف لم يعد ذا دور رياديّ ولا قياديّ في المجتمع الفلسطينيّ، ولا في المجتمع العربيّ، كصورة أوسع لمجتمعنا؛ وهذا يؤدّي إلى تهلكة للوعي وفقدان الشعب للاتّجاه.

 

المسرحيّ إيهاب زاهدة

 

أمّا ما يؤدّي إلى هذا، فهو تهميش دور المثقّف الحقيقيّ بشكل كبير، من قِبَل المؤسّسة الرسميّة وتحجيمه؛ ما جعل تتفيهه حالة عامّة تؤدّي إلى صمته. المشكلة أنّ الخطّ الثقافيّ متراجع، بينما كان متقدّمًا جدًّا في السابق، فترة الثورة الفلسطينيّة، حين كان المثقّف والسياسيّ في خندق واحد. أمّا الآن، فالمثقّف لا يقدّم ولا يؤخّر؛ لأنّه لا يجد أذنًا صاغية، وإن خرج عن الصمت، وقد أصبح التعامل معه كأنّه قطعة ديكور؛ ففقد مصداقيّته.

المثقّفون الآن بلا هدف، وبلا مصداقيّة، وبلا مشروع، وإنتاجهم الثقافيّ تقلّ جودته ويصبح خجولًا يومًا بعد يوم. إنّ ألف شاعر دون مقولة لا يساوون شيئًا، بينما لو كان لدينا عشرة شعراء، ذوي موقف ومقولة وإنتاج جدّيّ ذي مصداقيّة، لكفوا لصناعة حالة وعي وتغيير اجتماعيّ وسياسيّ أيضًا. أمّا ما يحدث الآن، فهو الكثير من المؤتمرات والمهرجانات، دونما مخرجات فعليّة، ودونما أثر تراكميّ، وبلا أثر طيّب وحقيقيّ؛ لإنتاج حالة وعي وثقافة جديدة.

 

ما يحدث الآن، فهو الكثير من المؤتمرات والمهرجانات، دونما مخرجات فعليّة، ودونما أثر تراكميّ، وبلا أثر طيّب وحقيقيّ؛ لإنتاج حالة وعي وثقافة جديدة.

 

نحن بحاجة إلى بذل جهد مضاعف على الصعيد الثقافيّ؛ لنعيد إلى قضايانا بريقها في فلسطين والعالم. إنّ الأمر ليس سياسيًّا فحسب؛ فالجانب الثقافيّ ذو علاقة بالمجتمع كلّه، ويحتاج إلى خطاب ثقافيّ تقدّميّ محدث وعصريّ، على ألّا نتخلّى عن إرثنا المشرّف، وحالتنا التقدّميّة الديمقراطيّة الّتي كان يُعرف الفلسطينيّون بها في العالم.

 

منذر جوابرة: الصمت سياسيّ وثقافيّ

بدوره، قال الفنّان التشكيليّ منذر جوابرة: أعتقد أنّ الحديث في هذا الموضوع، يجب أن يُدرس من خلال بُعدين مهمّين: سياسيّ وثقافيّ. المثقّف في مجتمعنا لم يصل إلى مرحلة يكون فيها أداة ضاغطة في الرأي العامّ، وهو في الوقت نفسه، ذو مسؤوليّة في مجتمعنا، وله دور مهمّ. يجب أن ندرس حالة المثقّف لاكتشاف مكامن الخلل؛ فثمّة أنواع كثيرة من المثقّفين، جزء منهم يغازلون السلطة، وغالبًا لا نجد مثقّفًا ليس لديه مرجعيّات سياسيّة، كما أنّه ثمّة مثقّفون يختارون الحياد.

 

الفنّان منذر جوابرة

 

ولا نجد موقفًا مشتركًا للمثقّفين تجاه قضيّة انتهاك معيّنة، ولا وحدة أو جسد متجانسًا؛ ومن ثَمّ فالشعور بالخطر نتيجة طبيعيّة، إنّ أحد أسباب الخوف والامتناع عن حرّيّة التعبير، يكمن في عدم وجود تضامن فعليّ على أرض الواقع.

في الوقت الّذي تراجع فيه دور المؤسّسات، برزت فكرة المبادرة، وفكرة التطوّع، وفكرة الحراكات الشبابيّة، إنّ هذا ما يمكن أن يبشّر بتغيير ما، ويخلق مساحة للحوار والاتّفاق على مرجعيّة ثقافيّة، تترك أثرًا في المستوى السياسيّ والاجتماعيّ.

من الواضح أنّ المجتمع الفلسطينيّ، الّذي كان قبل سنوات أقرب إلى صيغة المجتمع المدنيّ، وقد قطع مسافة كبيرة في التعبير عن الرأي، بات يتراجع ليكون مجتمعًا رجعيًّا، كالرجعيّة العربيّة، ونحن في فلسطين نعيش أولى الخطوات نحو مجتمع تسود فيه الجاسوسيّة والمخابرات؛ فالمخابرات لدينا لا تعمل عملها الطبيعيّ؛ هي لا تعمل خارج البلاد، بل تعمل ضدّ مواطنيها. المؤشّرات كلّها تدلّ على وضع خطير وسيّء، في ما يتعلّق بواقع الحرّيّات، وحرّيّة الصحافة والتعبير والرأي.

إن كنت أريد الحديث عن الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة، فهي ممتازة، مقارنة بدول عربيّة أخرى، إلّا أنّ كلّ القرارات الرسميّة الّتي يعانيها الفلسطينيّ؛ تجعله يذهب إلى خيار يتمثّل في حالة التراخي والعجز، ولذلك نرى كلّ هذه التدخّلات الهائلة في الواقع الفلسطينيّ، إقليميًّا أو دوليًّا. نحن بحاجة إلى مزيد من الوعي، وتقع هذه المسؤوليّة، في المقام الأوّل، على المثقّف الفلسطينيّ.

 

في الوقت الّذي تراجع فيه دور المؤسّسات، برزت فكرة المبادرة، وفكرة التطوّع، وفكرة الحراكات الشبابيّة، إنّ هذا ما يمكن أن يبشّر بتغيير ما، ويخلق مساحة للحوار والاتّفاق على مرجعيّة ثقافيّة، تترك أثرًا في المستوى السياسيّ والاجتماعيّ.

 

أعتقد أنّه يلزمنا حراك يعيد الانتباه لدور المثقّف؛ ليقوم الأخير بدوره الطليعيّ؛ نحن بحاجة دائمًا إلى مساحة للحوار واعتراف بالآخر؛ فتلك هي الخطوات الأولى للحرّيّة وللخروج عن الصمت، وحين يكون الحوار بنّاء بين الأفراد، يمكنهم أن يرفعوا سقف الوعي، ويمكنهم أن يؤسّسوا موقفًا مشتركًا؛ ينطلقون من خلاله للتغيير في المجتمع، وفي مناحي الحياة.

 

خلاصة القول... كي لا نغرق في الـ "أوف - ريكورد"

سؤال الصمت والخروج عنه سؤال حول دور المثقّف، ودور الأكاديميّ، ودور الإعلاميّ، فإن لم يكن واعيًا بدوره ومضطلعًا به؛ فهل يكون مثقّفًا فعلًا؟

بينما يُعَدّ الشعب الفلسطينيّ الأكثر تعليمًا بين نظرائه العرب، وبينما يُفترض أن يكون الفلسطينيّون الشعب الحرّ عقلًا وقلبًا، وبينما كانت كلمة منهم تهزّ دولًا أيّام الثورة الحقّة؛ بدأ الصمت بالتسلّل والصوت بالتجمّد؛ إلى أن لم يعد لهم صوت يُسمع أو يكاد. لماذا يصمت المثقّفون والأكاديميّون والإعلاميّون؟ وإلى متى؟ إلامَ تحتاج الحالة العامّة كي تتحرّك؟ وإلامَ تحتاج الحالات الخاصّة والثورات الانفعاليّة، الّتي تؤدّي إلى نهوض لحظيّ؛ لكي تصبح عامّة، وذات أثر تراكميّ وتغيير عامّ ودائم؟

لا يقتصر الحراك الثقافيّ على إنتاج المعرفة والفنّ، ولا يقتصر دور المثقّف على التنظير، إن لم يكن الإنتاج المعرفيّ مصحوبًا بفعل غائيّ تراكميّ مستمرّ؛ ينتج عنه تحسين لظروف الحياة والحرّيّات، وتحصيل الحقوق والحفاظ عليها، فستبقى المياه تمشي من تحت قدمينا، ولن ندرك ذلك حتّى نغرق في الـ "أوف - ريكورد".

 

 

نداء عوينة

 

بدأت العمل الصحافيّ وكتابة المحتوى والتحرير عام 2008، نشرت العديد من المقالات في الصحف والمواقع العربيّة والفلسطينيّة. حاصلة على البكالوريوس في اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة، والدبلوم العالي في الإعلام، ودرجة الماجستير في دراسات التواصل الدوليّ، والدكتوراه في نقد الأدب العربيّ المعاصر.

 

 

تعليقات Facebook