الجهاد الرقميّ: من الكلاشينكوف إلى الكيبورد

 

تتعدّد وجوه الفعل النضاليّ/المقاوم الفلسطينيّ، وهو في ذلك يستغلّ كلّ السبل المُتاحة. والنسق النضاليّ يستمرّ في سبر فضاءات جديدة، يعوّل عليها، وتفتح فضاءات أخرى. وهذه العمليّة يقوم بها الفلسطينيّون، في كلّ أماكن وجودهم، وكثير منها يأتي في النسق اليوميّ؛ لتكون المقاومة بذلك جزءًا من السياق الحياتيّ - لا عملًا سياسيًّا مستقلًّا - بتعبير جيمس سكوت وآصف بيات، وفي الحالة الفلسطينيّة، يمكننا استعارة تعبير حميد دباشي: "الفلسطينيّ عندما يتناول المسخَّن، فإنّه يقاوم بذلك".

 

هاكرز للسرديّة

ظهر في الآونة الأخيرة، وبشكل حركة اجتماعيّة، "جيش الهبد الإلكترونيّ"، وهم - حسب تعريف عالم السياسة السويسريّ هانزبيتر كريسي - مجموعة من الناس لهم توجّه صراعيّ/ خلافيّ مع السلطات الحاكمة، ويملكون هويّة جماعيّة ومعتقدات وأهدافًا مشتركة، وثمّة مرجع لأعمالهم وتحرّكاتهم الجماعيّة. هم هاكرز حقيقةً، لكنّهم لا يخترقون أنظمة أجهزة الكمبيوتر، بل السرديّة الإسرائيليّة أينما وُجدت في الفضاء الإلكترونيّ، وأعتقد أنّ اختراق السرديّة لا يقلّ أهمّيّة عن اختراق المواقع/ المنظومات، كونه يؤثّر في الوعي الجمعيّ الّذي يُعيد إنتاج سرديّة فلسطينيّة تضع الحقيقة في مكانها، وتحقّق واحدة من أهداف حركة المقاومة الفلسطينيّة.

 

 

ثمّة شُحّ في الدراسات الّتي تناولت المقاومة الرقميّة الفلسطينيّة، أو النضال من خلال الفضاء الإلكترونيّ/ السيبرانيّ وفاعليّته وتأثيره، وإن كانت تشكّل ظاهرة في حدّ ذاتها، وإن كانت كذلك، فما حدودها؟ وما الطرائق الّتي تتفعّل من خلالها؟

من هنا تأتي أهمّيّة مساهمة إيريك سكاريه*، وأطروحته "الجهاد الرقميّ: المقاومة الفلسطينيّة في العصر الرقميّ" (المتوسّط، 2018)، وهي تقع في 236 صفحة من القطع المتوسّط، وترجمها عن الإنجليزيّة منصور العمري، حيث يدرس سكاريه فيها - بشكل رئيسيّ - الهاكرز الفلسطينيّين، والأفعال الّتي يقومون بها، وتأثيرها، ويبحث إن كان هذا النوع من الفعل يشكّل مقاومة فلسطينيّة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ.

نقدّم في هذه المقالة مراجعة لكتاب سكاريه، الّذي صدر في ثلاثة فصول: "التوجّه إلى المجمع الرقميّ العسكريّ"، و"فلسطين 2.0 والمحاربون السيبرانيّون"، و"عندما تصمت الأسلحة".

يفرّق سكاريه بين النضال الإلكترونيّ والسيبرانيّة التخريبيّة؛ إذ إنّ هدف الثانية لا يتعدّى التشويه الّذي يزول أثره، كالخربشة على الجدران في المجال المادّيّ العامّ، أمّا النضال الإلكترونيّ فعلى العكس، يملك دافعًا سياسيًّا - اجتماعيًّا، ويستخدم المعرفة والتاريخ كأداة، ويستهدف ذاكرة الآخر ووعيه، لا الوسائل الّتي يمتلكها. ويرى أنّ النضال الإلكترونيّ يُعَدّ احتجاجًا سياسيًّا، كالعصيان المدنيّ وحملات المقاطعة، ولا يبقى محصورًا في حدوده الإلكترونيّة؛ فمثلًا قرصنة أنظمة التحكّم بالطائرات، تكون بمنزلة خطفها. ويجد أنّ إسرائيل تعتبر الهجمات الإلكترونيّة عمليّات إرهابيّة، على اعتبار أنّها انتهاك للسيادة، كما ورد في تصريح لنائب وزير الخارجيّة الإسرائيليّ دان أيالون عام 2012، ردًّا على الهجمات الإلكترونيّة الّتي نفّذها الهاكر السعوديّ OxOmar لموقع "تل أبيب للأوراق الماليّة"، وخطوط "إل عال" الجوّيّة الإسرائيليّة.

 

رواية موجزة لطرائق المقاومة الفلسطينيّة

يفرّق سكاريه بين المقاومة والإرهاب، بأنّ الثاني يفتقد الشرعيّة، ويعرِّف المقاومة الفلسطينيّة، على أنّها "الاستخدام الشعبيّ للوسائل العنيفة وغير العنيفة، لإنهاء السياسة القائمة - مثل الاحتلال - أو تغييرها"؛ وهي لا تهدف إلى إنهاء الاحتلال فقط، بل تنبيه المجتمع الدوليّ بأنّ ثَمّة شعبًا فلسطينيًّا فقد وطنه، ويعيش تحت وطأة الاحتلال. ويقرأ تاريخ حركة المقاومة الفلسطينيّة، بدءًا بالفدائيّ، والعنف الرمزيّ، والشهيد، واللاعنف، والاستشهاديّ، وظهور "الجهاد الإلكترونيّ".

اتّخذت المقاومة الفلسطينيّة في البداية شكل الاحتجاجات والمظاهرات والإضرابات والمقاطعة والمقاومة المسلّحة، إلى أن ظهرت عام 1955 وحدات مُقاتِلة شكّلها اللاجئون الفلسطينيّون، كانت تعتمد تكتيك حرب العصابات في هجماتها ضدّ المواقع العسكريّة والمستوطنات الإسرائيليّة، وكانت أيضًا تتبنّى فكرة الصمود، من خلال حصد محاصيل مزارعهم المسلوبة مثلًا. أمّا انطلاقتها، فبشكل رئيسيّ من غزّة ولبنان وسوريا والأردنّ؛ ولأنّ العمليّات كانت تتسبّب بوفاة المُقاتل وتضحيته بنفسه، وُصِف "بالفدائيّ".

وفي الجدل حول لاعُنفيّة رمي الحجارة، ينتقد سكاريه فكرة أنّ اللاعنف يعني المُسالمة، لأنّها موقف أخلاقيّ مُطلَق، ويفرّق بين دعاة المسالمة وأنصار اللاعنف، كون الأخيرين يستخدمون العنف لمنع معاناة أكبر؛ فرمي الحجارة فعل عنيف، لكن لا يمكن اعتباره غير أخلاقيّ

وجاء العنف الرمزيّ ردًّا على السرديّة الصهيونيّة، الّتي عملتْ على نفي وجود شعب اسمه "الفلسطينيّون"؛ فعند إقامة مشروع الدولة الإسرائيليّة، لم يكن العالم يشكّك في شرعيّته؛ فكان من أهداف الفلسطينيّين إثبات وجودهم من خلال تعزيز القوّة الرمزيّة وفرضها، بإنتاج المعرفة حول الصراع الفلسطينيّ - الإسرائيليّ، وفي ذلك قول جورج حبش عام 1970، تعليقًا على اختطاف الطائرات: "كان خطف طائرة يجلب تأثيرًا أكبر ممّا لو قتلنا مئات الإسرائيليّين في معركة... على مدى عقود، لم يكن الرأي العالميّ مع الفلسطينيّين أو ضدّهم، بل تجاهلَنا ببساطة، على الأقلّ، يتحدّث العالم عنّا الآن".

وبعد هزيمة "منظّمة التحرير الفلسطينيّة" في لبنان عام 1982، وتعرُّض المقاومة التقليديّة للعزلة في تونس، انتقل مركز المقاومة لأوّل مرّة منذ عام 1948 إلى الأراضي المحتلّة، وظهرت إلى جانب حركة المقاومة العلمانيّة - المتمثّلة بـ "منظّمة التحرير الفلسطينيّة" - حركات المقاومة الإسلاميّة، كــ "الجهاد الإسلاميّ" (1981)، وحركة "حماس" (1987)، وأدّى هذا الظهور للبنية الدينيّة الفوقيّة، مع اندلاع الانتفاضة الأولى (1987 - 1993)، إلى تغيير في الخطاب المقاوِم؛ فجاء مفهوم الشهيد ذو البُعد الدينيّ، بدل الفدائيّ العلمانيّ. وفي حين انتهجت حركة المقاومة الفلسطينيّة التقليديّة بعد "اتّفاقيّة أوسلو" (1993) التركيز على المجتمع الدوليّ، بدلًا من استخدام الوسائل المسلّحة للتحرير، وقفتِ الأحزاب الإسلاميّة على الضفّة المقابلة، وبدأت بالعمليّات الانتحاريّة؛ وعلى إثرها بدأت الانقسامات في حركة المقاومة الفلسطينيّة، واختلفت العقيدة والتكتيكات المستخدَمة.

وفي الجدل حول لاعُنفيّة رمي الحجارة، ينتقد سكاريه فكرة أنّ اللاعنف يعني المُسالمة، لأنّها موقف أخلاقيّ مُطلَق، ويفرّق بين دعاة المسالمة وأنصار اللاعنف، كون الأخيرين يستخدمون العنف لمنع معاناة أكبر؛ فرمي الحجارة فعل عنيف، لكن لا يمكن اعتباره غير أخلاقيّ، ولهذا هي مقاومة شعبيّة لا مقاومة سلميّة. ويأتي الصمود كذلك ضمن أشكال المقاومة الفلسطينيّة اللاعُنفيّة، وما ينطوي عليه من بقاء واحتفالات وغناء وطنيّ، لما يؤول عنه من الحفاظ على كينونة الجماعة الفلسطينيّة.

وعلى عكس شعبيّة الانتفاضة الأولى ولاعُنفيّتها - ومع موت اتّفاقيّات أوسلو - جرت عسكرة الانتفاضة الثانية (2000 - 2005)، وتحوّل الشهيد إلى استشهاديّ؛ إذ صار هو مَنْ يطلب الشهادة بالعمليّات الانتحاريّة، فأفقد الإسرائيليّين شعورهم بالأمن والطبيعيّة من خلال تفجيرات الحافلات والمطاعم والمقاهي؛ فأصبحوا - كالفلسطينيّين - لا يعرفون موعد القصف القادم.

 

رَقْمَنَة الصراع

يرصد سكاريه التحوّل الإسرائيليّ، من القطاع العسكريّ الصناعيّ إلى ما يسمّيه "المجمع الرقميّ العسكريّ"، من خلال السياسات الإسرائيليّة لتشجيع الاستثمار الأجنبيّ في تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، وهجرة رأس المال البشريّ من جمهوريّات الاتّحاد السوفييتيّ السابق بين عامَي 1990 و2000، وما يملكونه من خبرة في القطاعات العلميّة والتقنيّة، ومن خلال الإنفاق الضخم على التكنولوجيا الفائقة. ويختلف التطوّر التكنولوجيّ في إسرائيل عن غيره من النماذج، لارتباطه بالجيش الإسرائيليّ؛ إذ يُعَدّ الأساس للشبكات ذات التقنيّة الفائقة/ وهو ما يقود الشباب الإسرائيليّ إلى التكنولوجيا من خلال وحدات، مثل "النخبة "8200، و"الفيلق العسكريّ للكمبيوتر"، و"فيلق الإشارة"، وغيرها.

 

إيريك سكاريه*

 

وكما كان الفلسطينيّون يقاتلون جيشًا يفوقهم في السلاح والتكنولوجيا، يناضلون رقميًّا أيضًا في مجال يتفوّق فيه الإسرائيليّون أيضًا. أمّا الفلسطينيّ، فالإنترنت له ليس مجرّد أداة لتجاوز الحدود المادّيّة، بل للنضال من أجل الهيمنة أيضًا، بالسيطرة على الأفكار. وإلى جانب النشاط السياسيّ عبر العالم الافتراضيّ، بمحاولة تغيير السرديّة الإسرائيليّة، ثمّة النضال البرمجيّ، الّذي يعمل على تهكير/ تشويه المواقع الإلكترونيّة الإسرائيليّة، وإيصال الرواية الفلسطينيّة إلى الجمهور الّذي لا يعرفها؛ وبذلك يخلق النضال البرمجيّ الفلسطينيّ فضاءات جديدة للمقاومة، باستخدام مساحات الإسرائيليّ نفسه وأدواته.

برزت ظاهرة "الجهاد الإلكترونيّ" أواخر التسعينات، وقد مهّدت لِما أطلقت عليه إسرائيل "الحرب الإلكترونيّة" عام 2000، وتحوّلت إلى حرب عربيّة إسرائيليّة، لمّا اخترق ناشطون برمجيّون 40 موقعًا إسرائيليًّا، وردّ القراصنة الإسرائيليّون على ذلك، وفي هجماتهم تعرّض موقع لـ "حزب الله" اللبنانيّ للاختراق. وقد اختُرق 548 موقعًا إسرائيليًّا، في الفترة بين تمّوز (يوليو) 1999 نيسان (أبريل) 2000.

وترتفع ذروة الهجمات الإلكترونيّة على إسرائيل كلّما توتّرت الأحداث على أرض الواقع. وظهرت في ما بعد فرق نضال برمجيّ، مثل "فريق هاكر غزّة" (2007)، و"أمن غزّة" (2008)، وفريق "KDMS" (2013)، بالإضافة إلى وحدات الحرب الإلكترونيّة في حركتَي "حماس" و"الجهاد الإسلاميّ".

 

كتائب المقاومة الإلكترونيّة الفلسطينيّة

أُنشئ "فريق هاكر غزّة" عام 2007، وعند حلول عام 2012، كان الفريق قد اخترق آلاف المواقع الإسرائيليّة، منها "حزب كاديما الإسرائيليّ" عام 2008، وحواسيب "الشرطة الإسرائيليّة" عام 2012، و"الإدارة المدنيّة" في يهودا والسامرة عام 2014. يملك الفريق تنظيمًا هرميًّا، فهناك القيادة الّتي تتشكّل من ثلاثة فلسطينيّين، يُقيمون في قطاع غزّة: "Mr.Leon" (السيّد ليون)، و"Casper" (الشبح الودود)، و"Clue" (المخلب).

أمّا "فريق هاكر غزّة"، فيضمّ الأعضاء الفلسطينيّين وآخرين من دول عربيّة مختلفة، ويُقسَّم إلى مجموعات مُتخصّصة؛ فمثلًا ثمّة مجموعة تختصّ باختراق المواقع، وأخرى بقرصنة النظم الحاسوبيّة والبريد الإلكترونيّ. ورغم أنّ أعضاء الفريق يعملون معًا، إلّا أنّهم لا يعرفون بعضهم بعضًا، ويتواصلون من خلال المنتديات وبأسماء وهميّة. والفريق لا يملك أيّ انتماءات حزبيّة أو سياسيّة، ولا يتلقّى الدعم من أيّ جهة، ولا يتعاون مع أيّ فرق أخرى.

يهدف "فريق هاكر غزّة"، إلى إلحاق الضرر الاقتصاديّ بالعدوّ، بشكل مباشر وغير مباشر؛ كون عمليّات اختراق المواقع وتدميرها تكلّف الكثير لتأمين المواقع وسدّ الثغرات، ويعرقل الحياة اليوميّة، فمثلًا اخترق قراصنة مجهولون كاميرات المراقبة لنفق في حيفا عام 2013، فأدّى إلى إغلاقه لمدّة يومين

يهدف "فريق هاكر غزّة"، إلى إلحاق الضرر الاقتصاديّ بالعدوّ، بشكل مباشر وغير مباشر؛ كون عمليّات اختراق المواقع وتدميرها تكلّف الكثير لتأمين المواقع وسدّ الثغرات، ويعرقل الحياة اليوميّة، فمثلًا اخترق قراصنة مجهولون كاميرات المراقبة لنفق في حيفا عام 2013، فأدّى إلى إغلاقه لمدّة يومين، الأمر الّذي قُدّرت خسائره بمئات آلاف الدولارات. وأيضًا تؤثّر هذه الهجمات الإلكترونيّة سلبًا في سُمعة الخوادم والمجالات الإلكترونيّة الإسرائيليّة، ما يخفّض الاستثمارات فيها؛ فتضرّ الاقتصاد الإسرائيليّ بعامّة. ويهدف الفريق أيضًا إلى كسب حرب المعلومات، والحرب النفسيّة، بنشر الوعي والصور بحقيقة ما يحدث في قطاع غزّة، عبر المواقع اليوميّة المستخدَمة من قِبَل الجمهور الإسرائيليّ، وفي ذلك اختراق لشعور الإسرائيليّين بأنّ حياتهم طبيعيّة، لكن - حسب وثيقة المبادئ لـ "فريق هاكر غزّة" - الأهداف الكبرى له من "الجهاد الإلكترونيّ" تمتدّ لتشمل أهدافًا دينيّة: التبشير بالإسلام، والدفاع عن النبيّ محمّد، وفضح الصهيونيّة والخوارج، ويشمل في تعريفهم الشيعة والصوفيّين والملحدين وغيرهم. ويرفض الفريق أيضًا فكرة القوميّة بوصفها مفهومًا علمانيًّا، إنّما يقوم على فكرة الأمّة الإسلاميّة؛ لهذا يستخدم أعضاؤه مصطلح "الجهاد الإلكترونيّ"، بدلًا من "المقاومة الإلكترونيّة".

أسّست "سرايا القدس - الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ"، وحدة إلكترونيّة تحت مسمّى "لواء القدس" عام 2008، وذلك لاستغلال أيّ نوع ممكن من المقاومة، ولا سيّما في ظلّ التقدّم التكنولوجيّ الإسرائيليّ. وتتلخّص أهداف الحرب الإلكترونيّة، وفقًا لرؤية "الجهاد الإسلاميّ" في منع الهجمات الإلكترونيّة الإسرائيليّة في الآتي: منع التجسّس والمراقبة، ونشر القضيّة الفلسطينيّة في العالم، وتجاوزت ذلك في الهجوم على البنية التحتيّة السيبرانيّة الإسرائيليّة. فمثلًا في أثناء عمليّة "عمود السحاب" الإسرائيليّة على قطاع غزّة، قرصنَ "الجهاد الإسلاميّ" موقعًا حكوميًّا إسرائيليًّا، واستطاع من خلاله الحصول على عناوين بريد لجنود إسرائيليّين (قرابة 5000 جنديّ)، وقد تلقّوا رسالة تهديد بالعبريّة، ولا تعلن "حركة الجهاد الإسلاميّ" كلّ هجماتها. وقد طوّرت "حماس" وحدات دفاعيّة وهجوميّة إلكترونيّة، وتلقّوا في ذلك مساعدة من الخارج، لتنمية المحاربين السيبرانيّين في "لواء عزّ الدين القسّام".

 

غياب للضفّة الغربيّة والأحزاب العلمانيّة

وفي مسألة أنّ أغلب الهاكرز الفلسطينيّين من قطاع غزّة، رغم مشاكل الإنترنت وانقطاع التيّار الكهربائيّ، يفسّر سكاريه عدم وجود فِرق قراصنة معروفة في الضفّة الغربيّة، حيث كان فيها فريق وحيد اسمه "غضب فلسطين"، لكنّه لم يستمرّ، لاختلاف وسائل السيطرة الإسرائيليّة المستخدَمة؛ ففي غزّة لا يوجد جنود إسرائيليّون على الأرض، لا حملات مداهمة ولا اعتقالات، وكذلك ما من تعاون أمنيّ بين قطاع غزّة والإسرائيليّين، كالدور الّذي تقوم به السلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، إضافةً إلى أنّ حكومة "حماس" لا تكافح الجريمة الإلكترونيّة.

أمّا في أمر التناقض الفلسطينيّ حول النضال البرمجيّ، فثَمّة إجماع على أنّه أداة من بين عدّة، لكن هناك مَنْ يعتبره تشويهًا لصورة المقاومة، ويجعل العالم ينظر إلى الفلسطينيّين على أنّهم إرهابيّون، ولا يحقّق أيّ أهمّيّة غير رفع المعنويّات، وهو ما أشار إليه عضو في "كتائب شهداء الأقصى"، في مقابلة مع مؤلّف الكتاب.

عندما تصدّر فريق الهاكر الفلسطينيّ "KDMS" الأخبار العالميّة عام 2013، كانت استهدافاته تختلف عن "فريق هاكر غزّة"؛ فغالبيّة المواقع الّتي اخترقها أجنبيّة، مثل واتساب، وأليكسا، وAVG، وغيرها. وبعد الهجمات الّتي تعرّضوا لها من قِبَل الهاكر الأمريكيّ "ذي جيستر"، صار عملهم يتّسم بسِرّيّة أعلى، وتحت أسماء مختلفة.

وقد أشار قياديّ في "الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين" إلى أنّهم ليسوا ضدّ النضال البرمجيّ، لكن لا يمكن أن يحلّ بدلًا من المقاومة المادّيّة على أرض الواقع؛ كونه مجرّد إزعاج للاحتلال. ويستنتج سكاريه من هذا التناقض، أنّ السبب في ذلك يكمن في الانقسام الأيديولوجيّ بين الأحزاب العلمانيّة، والأخرى الدينيّة، علاوة على الاختلاف حول تحديد مادّيّة الفعل، فمثلًا يعتبر عضو "الجبهة الشعبيّة" أنّ "العالم الرقميّ رقميّ"، إلّا أنّ الأحزاب الإسلاميّة ترى أنّ النضال الإلكترونيّ يجعل اللامادّيّ مادّيًّا، من خلال منع التجسّس على المكالمات، وإغلاق المواقع الإسرائيليّة، وإزالة الحدود أمام نشر القضيّة الفلسطينيّة. إضافةً إلى الفاصل الجغرافيّ؛ فإنّ جبهة "كتائب شهداء الأقصى" - مثلًا - ليست موحّدة، فتختلف رؤيتها في الضفّة عن نظيرتها في غزّة.

 

مقاومة شعبيّة أم تخريب إلكترونيّ؟

عندما تصدّر فريق الهاكر الفلسطينيّ "KDMS" الأخبار العالميّة عام 2013، كانت استهدافاته تختلف عن "فريق هاكر غزّة"؛ فغالبيّة المواقع الّتي اخترقها أجنبيّة، مثل واتساب، وأليكسا، وAVG، وغيرها. وبعد الهجمات الّتي تعرّضوا لها من قِبَل الهاكر الأمريكيّ "ذي جيستر"، صار عملهم يتّسم بسِرّيّة أعلى، وتحت أسماء مختلفة. وفي حين أنّ تركيز "فريق هاكر غزّة" على أهداف معيّنة كقضيّة الأسرى، فإنّ فريق "KDMS" يركّز على نشر الوعي بالقضيّة الفلسطينيّة بعامّة.

إنّ النضال الإلكترونيّ للفلسطينيّين واحد من الطرائق المختلفة لمقاومة الاستعمار الإسرائيليّ، في سبيل التغيير الجذريّ للوضع في فلسطين المحتلّة، وهو يعمل من خلال رفع وعي المجتمع الدوليّ بالقضيّة الفلسطينيّة، وإخلال الحياة اليوميّة الإسرائيليّة، ورفع تكاليف وجود الاستعمار؛ وبذلك فالجهاد الإلكترونيّ جزء من المقاومة الشعبيّة، ومع ذلك ثمّة مَنْ يعتبره مكمّلًا للنضال المسلّح، في ظلّ اعتبار الحكومة الإسرائيليّة قضايا التهديد الإلكترونيّ مختصّة بالجيش الإسرائيليّ، وكذلك عسكرة النضال الإلكترونيّ من قِبَل كلٍّ من "حماس" و"الجهاد الإسلاميّ".

ويجادل سكاريه بأنّه "إن كانت هجمات الحرمان من الخدمات تشكّل عسكرةً للإنترنت، عندما تُسْتَخْدَم ضدّ حكومة إسرائيل وشركاتها ووكالاتها، ألا يعني ذلك –بالضرورة - أنّ مظاهرات الاعتصام واللوحات الجداريّة الفلسطينيّة، تشكّل عسكرة الجمهور في المجال المادّيّ؟". وقد استخدم بعض الدارسين مفهوم "تسليح وسائل الإعلام الاجتماعيّة"، إشارةً إلى جهود الدعاية الإلكترونيّة المستخدَمة من قِبَل أطراف الصراع؛ فلا يمكن اعتبار نشاط القرصنة، الّذي يُمارسه ناشطون تقليديّون، لا يمكن اعتباره عسكرة.

وفي سؤال تقييم "الجهاد الإلكترونيّ" الفلسطينيّ، يُجيب سكاريه بأنّه يجب عدم التعامل معه بشكل فرديّ، بل يجب النظر إلى كلّ ما يقوم به الفلسطينيّون ككيان واحد؛ فرمي الحجارة أو المقاطعة مثلًا - إن سُئِل عن جدواها منفصلةً عن سواها - لن يُظهرا الأثر الكبير.

 

* إيريك سكاريه: باحث في قسم الدراسات الثقافيّة واللغات الشرقيّة في "جامعة أوسلو"، ناشط ومحرّر في موقع "Infofada"، صدر له بالنرويجيّة "عن فلسطين: دليل سفر سياسيّ".

 

 

مجد أبو عامر

 

 

شاعر وقاصّ من مواليد غزّة عام 1996. حاصل على بكالوريوس الحقوق من جامعة فلسطين، ويدرس ماجستير العلاقات الدوليّة والعلوم السياسيّة في معهد الدوحة للدراسات العليا. عضو اتّحاد الكتّاب الفلسطينيّين، صدر له المجموعة الشعريّة "مقبرة لم تكتمل"، ويعمل محرّرًا في "مجلّة 28" الغزّيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook