لم نعد ندرس في جامعة دمشق!

.

درست الثانويّة في "مدرسة مسعدة الثانويّة" في الجولان السوريّ المحتلّ، وكان واضحًا لجميع الطلّاب خلال سنواتنا الدراسيّة الثلاث، أنّ طريق الحصول على لقب أكاديميّ ليست معقّدة؛ وهذا بسبب المنحة الثابتة الّتي توفّرت لنا جميعًا قبل الثورة السوريّة، وهي السفر للدراسة في "جامعة دمشق". سمحت لنا هذه المنحة والاعتماد الكبير عليها بترك العنان لطموحاتنا؛ إذ إنّ فلانة لم ترَ رادعًا يوقفها عن أن تكون طبيبة بعد ستّ سنوات، وفلانًا كان يذكّرنا دائمًا بأنّه سيصبح محاميًا ناجحًا قريبًا.

 

الطريق مسدودة

عندما دخلنا عامنا الثالث في الثانويّة، تحديدًا عام 2011، وأصبح جليًّا لنا أنّ طريقنا لتحقيق طموحاتنا غدت مسدودة، على الأقلّ في السنوات القريبة القادمة، سادت أجواء من الإحباط على غالبيّتنا؛ هذا الإحباط لم ينبع فقط من غياب إمكانيّاتنا الأكاديميّة الأكثر ضمانًا، بل بسبب بناء توقّعات عاطفيّة أيضًا حول سنوات الدراسة في عاصمة وطننا سوريا. على مرّ عقود، كان قرار دراسة شباب الجولان في سوريا قرارًا نابعًا من مشاعر شوق، من الفضول، ومن الرغبة في تعرُّف أقطار وطننا الّذي سُلخنا عنه بالقوّة عام 1967، أكثر منه قرارًا يتعلّق بطموحاتنا الأكاديميّة. فلانة، أرادت أن تزور أقاربها في جرمانا، أرادت أن تقوم بالتبضّع من سوق الحميديّة، تذوّق بوظة بكداش، زيارة باب توما، زيارة اللاذقيّة وحلب، والاسترخاء على خرير نافورة الماء في البيوت الدمشقيّة القديمة، أكثر كثيرًا من رغبتها في قضاء 6 سنوات على مقاعد معهد الطبّ في "جامعة دمشق".

نلمس اليوم الأهمّيّة الكبيرة للدراسة الأكاديميّة في دمشق، وتأثيرها في الجولان السوريّ المحتلّ؛ إذ إنّ فقدان ما كان يُعَدّ مفهوم ضمنًا، ترك أثرًا جوهريًّا لا محالة

استمرّ غياب إمكانيّة الدراسة في دمشق لطلّاب الجولان السوريّ المحتلّ، على مدى 8 سنوات، حتّى يومنا هذا. إنّ هذا الانقطاع الطويل الأمد، والأوّل من نوعه منذ ثمانينات القرن الماضي، أدّى بنا إلى التوجّه إلى الدراسة الأكاديميّة في إسرائيل. هذا، مع أخذ عاملين فارقين بعين الاعتبار: تقلّصت أعداد الطلّاب الأكاديميّين كثيرًا مقارنة بالأعداد السنويّة للدارسين في "جامعة دمشق"، واختلفت الرواية السياسيّة جذريًّا عن تلك الّتي تعرّض إليها طلّابنا في سوريا. 

نلمس اليوم الأهمّيّة الكبيرة للدراسة الأكاديميّة في دمشق، وتأثيرها في الجولان السوريّ المحتلّ؛ إذ إنّ فقدان ما كان يُعَدّ مفهوم ضمنًا، ترك أثرًا جوهريًّا لا محالة، وكان هذا على أصعدة عدّة، منها الشخصيّ ومنها الجماعيّ، ما يلقي منه بظلاله على مجتمعنا الجولانيّ ككلّ.

 

نحو التعلّق بإسرائيل اقتصاديًّا

لا يُقَيّم المجتمع بعدد الأكاديميّين فيه، ولا تُقاس الأكاديميّة بالأعداد، بل بالجودة، لكن، لا يمكننا أن نتجاهل الواقع الّذي نعيش فيه، الّذي يربط مباشر بين حيازة الفرد المتوسّط على شهادة جامعيّة وحصوله على وظيفة أو عمل متوسّط الدخل. ومن ثَمّ، فمن منظور اقتصاديّ - نفعيّ، كلّما زاد عدد الأكاديميّين في مجتمع ما، زادت رفاهيّته الاقتصاديّة، وزادت بعد ذلك قدرته الاقتصاديّة على إدارة موارده والاعتماد على نفسه، بدل الاتّكال على عناصر خارجيّة وتسليم موارده لها.

إنّ تقلُّص أعداد الطلّاب الأكاديميّين في الجولان السوريّ المحتلّ، ولا سيّما في السنوات الأولى للثورة السوريّة، أنشأ جيلًا من الشباب لم تكن لديه القدرة على دخول الأكاديميّة الإسرائيليّة أو غيرها، بسبب المتطلّبات الكبيرة من الطالب العربيّ، والّتي تهدف أصلًا إلى إقصائه، وبسبب المتطلّبات المادّيّة المُلقاة على عاتقه، والّتي كانت أقلّ كثيرًا عند الدراسة في جامعات سوريا. بهذا، حُرم هذا الجيل من الامتيازات الّتي حصلت عليها الأجيال الّتي سبقته، وفعليًّا، لم تكن لديه المقدرة على حيازة لقب جامعيّ يمكّنه من الانخراط في الوظائف ذات الدخل المتوسّط أو المرتفع.

غياب فرصة التعليم الأكاديميّ وعدم الثقة بتجدّدها، وغياب فرص العمل في القطاع الخاصّ في وظائف ذات أجر متوسّط أو مرتفع، دفعا جزءًا من شباب الجولان، تحديدًا مَن لم يتّجه إلى التعليم الأكاديميّ، إلى الزيادة من وتيرة "الأسرلة

هذا الجيل، كونه اعتمد خلال سنوات دراسته في المدارس على التوقّع المعقول بالدراسة في سوريا، تفاجأ وصُدم عندما استوعب غياب هذه الإمكانيّة تمامًا له. ومن ثَمّ أدّى انخفاض أعداد الأكاديميّين إلى زيادة حادّة في نسب البطالة لدى الشباب و/ أو في مستوى دخولهم.

نسعى جميعًا - بواسطة الوسائل المتاحة لنا - إلى إيجاد لقمة العيش؛ لهذا، وبسبب هذه الحاجة الإنسانيّة البسيطة، وبسبب البحث عن أيّ وظيفة و/ أو مساعدة و/ أو راتب يساعد الشباب، ولأنّ الجهة الوحيدة الّتي تتيح الانخراط فيها بسرعة هي الهيئات الحكوميّة، اتّجه العديد منهم إلى وظائف حكوميّة كانت مرفوضة سابقًا في مجتمعنا، لمساعدات و/ أو رواتب حكوميّة؛ الأمر الّذي زاد تعلّق الشباب الاقتصاديّ بإسرائيل.

غياب فرصة التعليم الأكاديميّ وعدم الثقة بتجدّدها، وغياب فرص العمل في القطاع الخاصّ في وظائف ذات أجر متوسّط أو مرتفع، دفعا جزءًا من شباب الجولان، تحديدًا مَن لم يتّجه إلى التعليم الأكاديميّ، إلى الزيادة من وتيرة "الأسرلة"، من دون فهم أو تذويت الأمر وتأثيره في مجتمعنا الجولانيّ.

 

الرواية الإسرائيليّة

إنّ أوّل الخطوات الّتي قام بها الحاكم العسكريّ بعد احتلال الجولان عام 1967، إلغاء المنهاج التعليميّ السوريّ، وتطبيق المنهاج التعليميّ المُسَمّى بـ "الدرزيّ" مكانه. كما نعلم، يركّز هذا المنهاج المُقَرّ من قِبَل "وزارة التعليم الإسرائيليّة"، يركّز على صناعة هويّة درزيّة مسلوخة عن الهويّة العربيّة، وتصنيف الدروز كأصحاب إثنيّة مختلفة، غير عربيّة، وإقحام فكرة الخدمة العسكريّة عليهم. إنّ تطبيق هذا المنهاج التعليميّ في الجولان، لم يأتِ بثماره المرجوّة لإسرائيل، وأحد الأسباب الرئيسيّة لذلك الدراسة الجامعيّة لطلّاب الجولان في سوريا.

لقد شكّلت الدراسة في دمشق حاجزًا، تكسر عليه البروباغاندا الإسرائيليّة الظاهرة بشدّة في المنهاج التعليميّ الدرزيّ. سابقًا، كان الطالب الجولانيّ يبلغ سنّ الرشد، وينطلق للدراسة في "جامعة دمشق"، بعد أن تعرّض - مُجبَرًا - إلى الدعاية الإسرائيليّة، ومحاولات تغيير الهويّة العربيّة للدروز في المدارس على مستوياتها كافّة. تبلور غالبيّة الشباب آراء ومبادئ قد ترافق أغلبهم لكلّ الحياة، خلال سنوات دراستهم الجامعيّة؛ ولهذا، تُكسر جميع محاولات الأسرلة المبثوثة في المنهاج الدرزيّ، أمام دراسة الطالب الجولانيّ في دمشق، الّتي تُعيد ترسيخ الهويّة العربيّة - السوريّة فيه، على الرغم من كون الدراسة هناك تحتوي موادّ تمجّد "حزب البعث"، وتخدم النظام الحاليّ بخاصّة، إلّا أنّ شوارع دمشق تتنفّس - إن صحّ القول - الفكر القوميّ السوريّ والعربيّ؛ لذا فمن غير الوارد عدم التعرّض إليه.

كان للّقاء الجولانيّ - الفلسطينيّ في الأكاديميّات الإسرائيليّة، فضل كبير في الحفاظ على الهويّة السوريّة - العربيّة لطلّاب الجولان. وقد شكّل هذا اللقاء ملاذًا آمنًا لطلّاب الجولان

لهذا، مع غياب هذا الحاجز الكبير أمام الدعاية الإسرائيليّة في المنهاج التعليميّ الدرزيّ، بل استمرار البروباغاندا أيضًا عند ذهاب طلّاب الجولان إلى الأكاديميّات الإسرائيليّة، أصبح واقعًا  أنّ بعض شباب الجولان السوريّ المحتلّ، تأثّروا بأفكار تعزلهم عن هويّتهم، أبرزها عزل الهويّة الدرزيّة عن الهويّة السوريّة - العربيّة، الّتي تتماشى مع الطائفيّة المنتشرة في الدول العربيّة المختلفة حاليًّا.

مع هذا، كان للّقاء الجولانيّ - الفلسطينيّ في الأكاديميّات الإسرائيليّة، فضل كبير في الحفاظ على الهويّة السوريّة - العربيّة لطلّاب الجولان. وقد شكّل هذا اللقاء ملاذًا آمنًا لطلّاب الجولان، الّذين غالبيّتهم على اطّلاع على الماضي النضاليّ للجولان السوريّ المحتلّ، وعلى حاضره النضاليّ المستمرّ تباعًا لذلك الماضي، وشكّل اللقاء الجولانيّ - الفلسطينيّ في الأكاديميّات الإسرائيليّة حاجزًا مهمًّا، أمام تفاقم "الأسرلة" في أوساط الشباب الجولانيّين.

 

ختامًا

كنت قد ذكرت في البداية، أهمّيّة العاطفة والمشاعر في اتّخاذ قرار الدراسة في دمشق. هذه الأحاسيس لم تتغيّر ولم تتوانَ؛ فهي لم تولد من عبث، بل هي مترسّخة فينا، ولهذا فإنّ اقتراب انتهاء الحرب الأهليّة السوريّة - وهو واقع بدأ الجميع ينتظره - الّذي قد ترافقه عودة طلّاب الجولان السوريّ المحتلّ للدراسة في وطنهم، سيكون بمنزلة قارب نجاة لهم.

قد يكون الحلّ الأكثر مثاليّة الآن، للحدّ من "نزيف الأسرلة" الّذي يتعرّض إليه الجولان، تعزيز اللقاءات الشبابيّة بين الجولان وفلسطين، وفتح إمكانيّات الدراسة في جامعات الضفّة الغربيّة والأردنّ

لكنّ هذا ليس كافيًا، خاصّة إذا ما عادت كلّ سوريا إلى أيدي النظام الحاليّ. من المؤكّد أنّه سيحدث - في المرحلة الأولى على أدنى تقدير - انتقاء للطلّاب الّذين تُتاح لهم الدراسة في سوريا، وفق مواقفهم أو مواقف أهاليهم من النظام، وقد يكون لهذا الانتقاء أثر سلبيّ في مجتمع صغير كالجولان، يزيد من شروخاته.

لهذا، قد يكون الحلّ الأكثر مثاليّة الآن، للحدّ من "نزيف الأسرلة" الّذي يتعرّض إليه الجولان، تعزيز اللقاءات الشبابيّة بين الجولان وفلسطين، وفتح إمكانيّات الدراسة في جامعات الضفّة الغربيّة والأردنّ، كما هي متوفّرة للفلسطينيّين ممّن يحملون الجنسيّة الإسرائيليّة.

 

 

وسام شرف

 

 

مواليد عام 1993 في قرية عين قنية، الجولان السوريّ المحتلّ. حاصل على البكالوريوس في الحقوق من جامعة حيفا، وناشط حقوقيّ في قضايا الجولان. يعمل محاميًا متدرّبًا في "مركز عدالة"، ومساعدًا بحثيًّا في جامعة حيفا.

 

 

 

تعليقات Facebook