عن مشهديّة لجان التحقيق في إسرائيل: لجنتا أور وكاهان نموذجًا (1/5)

غلاف تقرير "لجنة التحقيق للتحقيق في أحداث مخيّمات اللّاجئين في لبنان 1982"

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

سأتناول عبر سلسلة من خمس مقالات، لجان التحقيق وطبيعتها، بصفتها ممارسة سياسيّة في الدولة الاستعماريّة الحديثة،  متناولًا حالة إسرائيل، بالتركيز على "لجنة أور" (أحداث أكتوبر/ تشرين الأوّل 2000) و"لجنة كاهان" (مجزرة صبرا وشاتيلا 1982).

في هذه المقالة، تُبحث اللجنة نظريًّا، بوصفها فعلًا من "أفعال الدولة"، وجزءًا من مشهديّة مَسرَحة العمل السياسيّ في إسرائيل، ودورها في إعادة إنتاج الحقيقة الرسميّة وترميمها عند فشل أجهزة الدولة، أو وقوع "حدث غير اعتياديّ". أمّا بقيّة مقالات السلسلة، فستكون أكثر تخصّصًا في المواضيع الّتي تطرّقت إليها لجان التحقيق.

 

اللجنة بوصفها فعلًا من "أفعال الدولة"

بوصفها "فعلًا دولانيًّا"، تُشكّل اللجنة جزءًا لا يتجزّأ من عمليّات مَسرَحة العمل السياسيّ، أو في أن تكون فعلًا سياسيًّا يُنشئ قواعد آمرة تفرض نفسها على المجتمع كلّه؛ وبذلك تكون إحدى أدوات العمل السياسيّ لتثبيت حقائق رسميّة متتالية، تبقي على التماسك الاجتماعيّ، والاقتناع بالحقيقة الرسميّة والمؤسِّسة داخل المجتمع. تكون وظيفة اللجنة - كما يراها بورديو - إنتاج رؤية رسميّة تفرض نفسها كالرؤية الشرعيّة/ المشروعة؛ أي جعل الرؤية الرسميّة مقبولة حتّى لو كانت مثارًا للسخرية وملفّقة، بذلك تجعل اللجنة الدولة تبدو كأنّها نقطة نظر محايدة، بين العديد من وجهات النظر المتناحرة في ما بينها، وهي هناك - أي الدولة - خارج هذا الصراع، وستتقدّم حين يصدر تقرير اللجنة حول المشكلة العموميّة، لتتبنّى الموقف بين وجهات النظر، لكنّ الموقف الرسميّ لا مندوحة للجميع من الاتّفاق حوله والاعتراف به، لأنّ من ورائه قوّة الرسميّ وسطوته[1]، وفي لحظة ظهور اللجنة على الملأ، تظهر كأنّها النبيّ المناقبيّ.

تُشكّل اللجنة جزءًا لا يتجزّأ من عمليّات مَسرَحة العمل السياسيّ، أو في أن تكون فعلًا سياسيًّا يُنشئ قواعد آمرة تفرض نفسها على المجتمع كلّه؛ وبذلك تكون إحدى أدوات العمل السياسيّ لتثبيت حقائق رسميّة متتالية

"النبيّ المناقبيّ"؛ يُطلق بورديو هذا الوصف على ذلك الّذي سيتكلّم إلى العشيرة، متناولًا الكلمات الّتي تقول بها العشيرة قيمها الأسمى عادة، لكن بإجراء عمل شعريّ على الكلمات أو بتنفيذه. هو عمل على الشكل، لكنّه ضروريّ حتّى تجد الكلمات معناها الأصليّ، وغالبًا ما يكون دور النبيّ العودة إلى الينابيع، أي الصافي النقيّ المحض، ويقابل الصافي هنا الفاسد والروتينيّ ويتضادّ معه، وهو ضروريّ أيضًا لاستخلاص معنًى خفيّ غير ملحوظ، غيّبه الاستخدام العاديّ، لكنّه يُتيح التفكير في وضع طارئ، خارق للمألوف، خارج عن المعتاد[2].

تُمثّل اللجنة دورَ نبيّ بورديو في الأزمة الأخلاقيّة والسياسيّة والاجتماعيّة الّتي تعيشها الدولة في لحظة ما؛ تَظهر على أنّها تتجاوز كتاب تعيينها، لا لخَرقه بل لإعادة تأويله؛ لأنّها بالضرورة، تملك اللغة الّتي لا تمتلكها الحكومة، وهي تملك أيضًا "القيمة" الّتي لا تمتلكها الحكومة، أي تجسيد الشرف الّذي لوّثته أجهزة الدولة الأخرى؛ ولأنّها تجسيد لذلك الشرف، الّذي هو مجموع القيم الّتي يتّفق أفراد المجتمع عليها ولا يملكون مخالفتها، إذ ليس هنالك عداها، لأنّها ذلك التجسيد؛ لأنّها كذلك، فهي تملك السلطة الخطابيّة الّتي تمكّنها من إعادة إنتاج الحقيقة الرسميّة، وتمكّنها في الآن ذاته من تقديم أداء خطابيّ تطهيريّ للمجتمع كاملًا، عبر إعادة إنتاج الحقيقة الرسميّة، وعبر تحمّل أعباء "الأخطاء الأخلاقيّة أو البشريّة" لأجهزة الدولة أو بعض مسؤوليها، بنفيها أو بإظهارها بوصفها "خطأ بشريًّا" بدلًا من كونها أواليّة جوهريّة في عمل أجهزة الدولة الأمنيّة؛ أي عبر نفي منطق الإبادة بصفته منطقًا يحكم علاقة دولة الاستعمار الاستيطانيّ بالأصلانيّين، واستبداله بمنطق الخطأ البشريّ الناجم عن ضعف في الأداء، وانعدام "الحساسيّة" الكافية للعاملين في أجهزة الدولة، أثناء أدائهم مهامّهم الوظيفيّة.

"النبيّ المناقبيّ"؛ يُطلق بورديو هذا الوصف على ذلك الّذي سيتكلّم إلى العشيرة، متناولًا الكلمات الّتي تقول بها العشيرة قيمها الأسمى عادة، لكن بإجراء عمل شعريّ على الكلمات أو بتنفيذه.

تشمل إعادة الإنتاج تلك بيان المُثُل والقيم الّتي خرقها ولوّثها أفراد أو أجهزة الدولة، ومن ثَمّ - وعبر الخطاب الوعظيّ واللائم - السماح للمجتمع نفسه وللدولة بالعودة إلى ما قبل تلك الخروقات، للحفاظ على النظام الاجتماعيّ نفسه، وإنقاذًا له من الفوضى.

ذلك هو مبدأ عمل اللجنة الأساسيّ؛ بأن تكون نبيًّا واعظًا لائمًا مطهِّرًا، لكنّ نبيّ العصر الحديث الّذي تمثّله اللجنة لا يتكلّم الشعر، بل يشتغل على الشكل العقلانيّ الأداتيّ للخطاب الدولانيّ.

 

الخطاب الدولانيّ واحتمال الخطأ البشريّ

في الحالة الإسرائيليّة، فإنّ الاتّجاه النظريّ الّذي يسيطر على الخطاب الرسميّ الإسرائيليّ هو الخطاب الدولانيّ - Statism، الّذي يميّز بشكل خادع بين الدولة ومؤسّساتها من جهة، بصفتها منظومة عقلانيّة، أداتيّة فعّالة، والمجتمع غير العقلانيّ الّذي لا يمكن التنبّؤ بأفعاله من جهة ثانية. يستند هذا التحليل إلى فرضيّة أنّ الحدود القائمة بين "الدولة" و"المجتمع"، ترسم بواسطة الخطاب الدولانيّ - Statism Discourse، بصورة تشكّل آليّة تمكّن السلطة من الاستطراد في الممارسات الدولانيّة؛ إذ إنّ سياسة رسم الحدود تُظهر الدولة باعتبارها نظامًا كونيًّا حديثًا، يستند إلى أسس منظّمة للإدارة الاجتماعيّة وأخلاقيّات النظام العامّ، على أن يُنظر إلى النظام الاجتماعيّ بأنّه مقياس معياريّ طبيعيّ، و"خارج" عن أيّ عمل سياسيّ[3]. وكما يصف بورديو الدولة بأنّها تقدّم نفسها، بصفتها نقطة نظر محايدة بين وجهات نظر متصارعة تمثّل المجتمع، كذلك يصوّر هذا الوضع الدولة على أنّها تعمل خارج الصراعات الأيديولوجيّة، إضافة إلى عدم تأثّرها بأيّ مصالح معيّنة.

في حالة "لجنة كاهان"، انشغل التقرير بمسألة "المسؤوليّة غير المباشرة" لإسرائيل عن المجزرة، وبمسؤوليّة الكتائب المباشرة، إلّا أنّه لم يبحث على الإطلاق الحرب الإسرائيليّة على لبنان، أو أسبابها وسياقاتها

كما يرسّخ هذا التصوّر اختراق بيروقراطيّة الدولة – بصفتها كيانًا محايدًا - مجالات الحياة العامّة الأخلاقيّة والمدنيّة والسياسيّة. وهذا التصوّر الخطابيّ يُحيل إلى ضرورة النظر إلى العلاقة بين "الدولة" و"المجتمع"، على أنّها نتيجة للبناء الثقافيّ للواقع، لتُستخدم وسيلة بلاغيّة في الساحة السياسيّة[4]؛ ذلك يعني أنّ الدولة ولجان التحقيق التابعة لها، تستفيد من هذا الانشقاق المبنيّ على إدارة الصراعات الاجتماعيّة، من دون أن تكون الدولة ظاهريًّا وفي خطابها طرفًا في هذه الصراعات، أو جزءًا منها[5].

في حالة "لجنة كاهان"، انشغل التقرير بمسألة "المسؤوليّة غير المباشرة" لإسرائيل عن المجزرة، وبمسؤوليّة الكتائب المباشرة، إلّا أنّه لم يبحث على الإطلاق الحرب الإسرائيليّة على لبنان، أو أسبابها وسياقاتها، ولم يُعنَ أيضًا باللاجئين الفلسطينيّين، الّذين كانوا موضوعًا للحرب وللمجزرة في الآن ذاته، وموقعهم من الدولة بوصفهم أصلانيّين مُهجَّرين من أراضيهم. تقرير "لجنة كاهان"، ضمن هذا السياق، لم يُعد إنتاج الحقيقة الرسميّة فحسب عن الحسّ الأخلاقيّ المتفوّق للجيش الإسرائيليّ، بل أعاد إنتاج الحقيقة الرسميّة عن الفلسطينيّين في لبنان، وعن موقعهم من دولة إسرائيل، وعن الحرب الإسرائيليّة على لبنان، فقط عبر إهمال هذا كلّه، والتعامل معه بوصفه واقعًا مجرّدًا لا واقعًا تمخّض عن الوجود الاستعماريّ الصهيونيّ، الّذي يستدعي بالتالي التشكيك في الرواية الصهيونيّة بأكملها. كلّ تقرير رسميّ يصدر، يُهمِل أو يتجاهل واقعًا ما خلقته الدولة، هو تقرير رسميّ آخر يُكمِل عمليّة إعادة إنتاج الحقيقة الرسميّة بشكل دائم؛ لذلك يعمد الخطاب الرسميّ إلى أن يكون أداتيًّا عقلانيًّا، يهمل الأيديولوجيا والتاريخ، ويتعامل مع الواقع بوصفه نظامًا اجتماعيًّا ثنائيًّا: الدولة من جهة، والمجتمع وأفراده من جهة أخرى، وأيّ تصدّع في هذه الثنائيّة أو اضطراب، فهو نِتاج "الخطأ البشريّ"، لا نِتاج تاريخ طويل من اضطهاد مجموعة عرقيّة لأخرى، في ظلّ نظام استعماريّ استيطانيّ لم تتوقّف حربه على الأصلانيّين في بلادهم فحسب، بل تعدّتها إلى ملاحقتهم إلى حيث لجؤوا في حالة صبرا وشاتيلا. 

تبدّل "لجنة أور" بهذا كلّه، بحث حالة الاحتجاج العربيّ عبر أدوات بيروقراطيّة، تَدْرُس الواقع بوصفه واقعًا "حدثَ الآن"، تعود أزمته إلى أسباب اقتصاديّة بحتة

أمّا في حالة أحداث تشرين الأوّل (أكتوبر)، فيكون ذلك بإهمال واقع التمييز العنصريّ والعرقيّ، عبر إهمال السياسات الاستيطانيّة التوسّعيّة ومصادرة الأراضي والاعتقالات، والقتل الّذي يتعرّض له الفلسطينيّون في فلسطين المحتلّة. تبدّل "لجنة أور" بهذا كلّه، بحث حالة الاحتجاج العربيّ عبر أدوات بيروقراطيّة، تَدْرُس الواقع بوصفه واقعًا "حدثَ الآن"، تعود أزمته إلى أسباب اقتصاديّة بحتة، لا واقعًا نشأ عن حالة استعماريّة استيطانيّة، حوّلت أصلانيّي البلاد إلى أقلّيّة عرقيّة مهمّشة، ومضطهَدة، ومراقَبة، ومصنَّفة عدوًّا للدولة.

..........

 

الإحالات:

[1] بيار بورديو، عن الدولة، دروس في الكوليج دو فرانس، ترجمة: نصير مروة (الدوحة: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات 2016)، ص 57.

[2] المرجع نفسه، 87-94.

[3] Shenhav, Yehouda, and Nadav Gabay. “Managing Political Conflicts: The Sociology of State Commissions of Inquiry in Israel.” Israel Studies, vol. 6, no. 1, 2001, pp. 126–156

[4] Ibid.

[5] Ibid.

 

 

أنس إبراهيم

 

كاتب وباحث. حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسيّة من جامعة بيرزيت، والماجستير في برنامج الدراسات الإسرائيليّة في الجامعة نفسها. نشر العديد من المقالات في عدّة منابر محلّيّة وعربيّة في الأدب والسينما.

 

 

 

تعليقات Facebook