للقاتل قانون يحميه: كي نحرر جسد المرأة الفلسطينية من ملكية العائلة

المغدورة إسراء غريب

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في رواية "شرفة العار" – وهي رواية تروي قصّة امرأة تقضي ضحيّةً لجريمة "شرف" - يُورد إبراهيم نصر الله على لسان إحدى بطلات الرواية: "سواءٌ كلّهم سواء، تضحّي بعمركِ من أجلهم، ولكنّهم يتعاملون معك كما لو أنّك الدنَس الوحيد في حياتهم". وعلى الرغم من بساطة العبارة السابقة، إلّا أنّ المتأمّل في مضمونها يلاحظ أنّ ما تختزله أكبر كثيرًا ممّا تفصح عنه، وأنّ ما تسكت عنه أكبر كثيرًا ممّا ترويه وتنطق به.

 

عورات ثقافيّة

العبارة السابقة تأتي بما يكشف العورات الثقافيّة والمفاهيميّة في المجتمعات العربيّة بعامّة، وهي عورات متعلّقة بالنظرة إلى المرأة وكيفيّة رؤيتها والتعاطي معها؛ ونقصد هنا النظرة الدونيّة إليها، الّتي تُبيح للرجال ممارسة هيمنتهم عليها، والتعاطي معها ومع جسدها بصفتهما ملكيّةً خاصّة، ومصدرًا أساسيًّا لمفاهيم الشرف والدنَس، فيصبح المساس به كأنّه مساس وتدنيس لشرف الرجال الّذين تربطهم بتلك المرأة علاقة أخوّة أو عمومة أو قرابة.

والمجتمع الفلسطينيّ بخاصّة، واحد من تلك المجتمعات العربيّة الّتي لحقت به تلك العورات وكثرت فيه، وكشفت عن نفسها في كثرة حوادث العنف الموجّه ضدّ النساء، وهو عنف له أشكال عديدة تبلغ أقصاها في جرائم قتل النساء. إنّ جرائم قتل النساء تُصنّف عالميًّا، باعتبارها أخطر أشكال العنف الموجّه ضدّ النساء على المستويات الفرديّة والجماعيّة، وذلك بسبب أنّ تلك الجرائم تأتي بما يمسّ جوهر حقوق الإنسان الأساسيّة، ألا هو حقّه في الحياة[1].

ونقصد هنا النظرة الدونيّة إليها، الّتي تُبيح للرجال ممارسة هيمنتهم عليها، والتعاطي معها ومع جسدها بصفتهما ملكيّةً خاصّة، ومصدرًا أساسيًّا لمفاهيم الشرف والدنَس

انتهاكات بلا صوت

صدرت عن "مركز شؤون المرأة" في غزّة، ورقة حقائق حول جرائم قتل نساء فلسطينيّات وانتحارهنّ، في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، بين عامَي 2015 و2018، وقد رصدت الورقة ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم قتل النساء في المجتمع الفلسطينيّ في السنوات الأخيرة؛ فوفق إحصائيّات "مركز المرأة للإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ" – الّذي نقلت عنه ورقة الحقائق - فإنّه عام 2015 رُصدت 15 حالة قتل وانتحار لنساء في مناطق السلطة الفلسطينيّة، 6 منها في قطاع غزّة، و9 في الضفّة الغربيّة. وعام 2016 رُصدت 23 حالة، 11 منها في قطاع غزّة، و12 في الضفّة الغربيّة. وعام 2017 رُصدت 27 حالة، 16 منها في قطاع غزّة، و10 في الضفّة الغربيّة. وعام 2018 رُصدت 21 حالة، 10 منها في قطاع غزّة، و11 في الضفّة الغربيّة[2]. وهذه الورقة لا توثّق جرائم القتل بحقّ النساء الفلسطينيّات في القدس والأراضي المحتلّة عام 1948، أو ما يُعرف بـ "داخل الخطّ الأخضر".

هذه الإحصاءات وغيرها، ما زالت عاجزة عن التعبير عن حقيقة ظاهرة العنف الممارَس ضدّ المرأة الفلسطينيّة كما هي؛ وذلك بسبب سياسة الإخراس والكتمان الّتي يمارسها المجتمع ضدّ المرأة

وتؤكّد ورقة الحقائق أنّ هذه الإحصاءات وغيرها، ما زالت عاجزة عن التعبير عن حقيقة ظاهرة العنف الممارَس ضدّ المرأة الفلسطينيّة كما هي؛ وذلك بسبب سياسة الإخراس والكتمان الّتي يمارسها المجتمع ضدّ المرأة، إذ يعمل عبر هذه السياسة على مصادرة حقّها في التعبير عن أنواع الانتهاكات الّتي تتعرّض لها، وكلّ ذلك تحت ذرائع اجتماعيّة وثقافيّة وتربويّة، لا تصادر حقّها في التعبير عن أشكال العنف الممارَس ضدّها فقط، بل تأتي عوامل مساعدة على ممارسته وارتكابه، وذلك من أبسط أشكاله إلى أقصاها[3].

 

جسد المرأة... ملكيّة عائليّة

إنّ الارتفاع الملحوظ في جرائم قتل النساء الفلسطينيّات، الّذي تُظهره وتبيّنه مختلف الإحصاءات، إذ يعني ارتفاع العنف الممارَس ضدّ النساء في أقصى أشكاله المعروفة [القتل وحرمان الحقّ في الحياة]، فإنّه يعني أيضًا وجود العديد من الأسباب الّتي تدفع إلى زيادة معدّلاته باستمرار، من غير  توفّر آليّات مواجهة ممكنة تؤدّي إلى تقليصه وتحجيمه والحدّ منه.

ولربّما واحد من أكبر تلك الأسباب طبيعة النظام الأبويّ، الّذي ما زال يحكم بنية المجتمع الفلسطينيّ ويهيمن عليها، على أن تُساق تحت إطارهب

 كلّ الحجج التبريريّة الّتي يحتمي بها مرتكب تلك الجرائم، ليحظى بتعاطف المجتمع والقانون؛ ونقصد هنا تلك الحجّة الجاهزة الّتي أصبحت تُبرّر كلّ جريمة قتل ضدّ النساء، ويكون دافعها الدفاع عن "الشرف".

ففي منطق النظام الأبويّ يكون جسد المرأة ملك للعائلة البطريركيّة كاملة، وعلى تلك العائلة اتّخاذ مجموعة واسعة من الآليّات والميكانيزمات الّتي تحمي وقوع هذا الجسد في المحظور

فالمقصود بالقتل على "خلفيّة الشرف"، شرف الرجل وشرف رجالات العائلة، الّذين يُختزل مفهوم الشرف لديهم في امتلاك جسد المرأة الّذي يرونه مصدر كلّ عورة ودنَس[4]؛ ففي منطق النظام الأبويّ يكون جسد المرأة ملك للعائلة البطريركيّة كاملة، وعلى تلك العائلة اتّخاذ مجموعة واسعة من الآليّات والميكانيزمات الّتي تحمي وقوع هذا الجسد في المحظور [التصرّف الحرّ فيه بعيدًا عن سلطة العائلة البطريركيّة وهيمنتها]، وتجعل منه جسدًا مُحْصَنًا ومحميًّا ومحفوظًا ومستورًا[5]؛ فشرف الجسد الأنثويّ هنا قضيّة الرجال أو العائلة كلّها، وقتل المرأة الّذي يجري على خلفيّة حمايته – حتّى لو كان لمجرّد اشتباه وقوعه في المحظور - لا يأتي عقابًا أو إعدامًا، وإنّما يكاد يشبه طقسًا وثنيًّا لا يُمحى به العار إلّا بالدم؛ وذلك عبر إنهاء مصدره المتمثّل في جسد المرأة[6]! 

 

للقاتل قانون يحميه

ومن الأسباب الّتي تدفع إلى استمراريّة تزايد معدّلات جرائم قتل النساء الفلسطينيّات، على "خلفيّة الشرف" أيضًا، الاستسهال القانونيّ والقضائيّ مع مرتكبي هذه الجرائم في السياق الفلسطينيّ؛ فعلى الرغم من نفاذ التدخّلات التشريعيّة الّتي أجراها الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، بمقتضى المادّة 43 من القانون الأساسيّ المعدّل لسنة 2003، بتعديل القوانين العقابيّة المعمول بها في فلسطين، من أجل الحدّ من انتشار ظاهرة قتل النساء وتزايدها في فلسطين، إلّا أنّ الأحكام القضائيّة الّتي تصدر في مثل هذه الجرائم، تأتي في كثير من الأحيان متّسقة تمامًا مع منطق الأعذار المخفّفة، الّتي كانت سائدة قبل نفاذ تلك التعديلات. وعلى سبيل المثال، في تاريخ 31/5/2016، أصدرت "محكمة جنايات نابلس" حكمًا مخفّفًا على متّهم قتل زوجته، على خلفيّة ما يُسمّى "شرف العائلة"، في إحدى القرى الفلسطينيّة، حيث قضى الحكم بحبسه مدّة سنتين. وحسب جهات حقوقيّة، فإنّ هذه الأحكام وغيرها تمثّل انتكاسة حقيقيّة في المشهد الحقوقيّ الفلسطينيّ، وتعود به إلى وضعيّة بدائيّة أولى، تسبق ما طاله من تعديلات من شأنها - إن عُمِل بها فعلًا - أن تصبح الحامي الأوّل للمرأة ضدّ أيّ "جريمة شرف"، يرتكبها صاحبها من منطلق يُحدّث نفسه فيه، فيقول: "للقاتل قانون يحميه"[7]!

الأحكام القضائيّة الّتي تصدر في مثل هذه الجرائم، تأتي في كثير من الأحيان متّسقة تمامًا مع منطق الأعذار المخفّفة، الّتي كانت سائدة قبل نفاذ تلك التعديلات.

ومن أسباب استمراريّة جرائم الشرف أيضًا، ذلك الاستلاب العقائديّ الّذي يمارسه المجتمع على المرأة الفلسطينيّة؛ إذ يعمل هذا النوع من الاستلاب على جعل المرأة تتبنّى اعتقادات الرجل حولها واتّجاهها، لتقتنع بدونيّتها وتبعيّتها له، وتقرّ أنّ جسدها عورة من حقّ رجل العائلة ممارسة هيمنته عليه، ولو كانت هذه الهيمنة تأتي عبر تعبيرات عنف جسديّ مُلاحَظ، كالضرب وغيره؛ فهذا الاستلاب العقائديّ يجعلها تتعايش مع أصناف العنف والقهر الممارَس ضدّها، فتصمت عليها ولا تلجأ إلى جهات مدنيّة وحقوقيّة من شأنها مساعدتها على التخلّص منها، ويعمل أيضًا على طمس مكامن الوعي داخلها بضرورة التحرّر والرغبة فيه، بما يجعلها حبيسة لفكرة استحقاقها لوضعيّة القهر والاضطهاد الّتي تتعرّض لها، ويقودها بالتالي إلى أن تصبح عدوّة لنفسها والمتواطئة الأولى ضدّ نفسها[8].

 

تأبيد العمل

أخيرًا، فإنّه في كتابه "الهيمنة الذكوريّة"، يُورد عالم الاجتماع الفرنسيّ بيير بورديو عبارة، يقول فيها: "كلّ ما هو أبديّ في التاريخ ليس سوى نتاج عمل تاريخيّ بالتأبيد"[9]، ويقصد بورديو هنا أنّ كلّ تغيير جذريّ حصل في التاريخ، وطاول سياقات اجتماعيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة فيه وصار أبديًّا، لم يكن إلّا نتيجة عمل وجهد منظّم ومخطّط له، قامت به جهات فاعلة في تلك السياقات، واستمرّت في عملها ذاك في فترات زمنيّة تاريخيّة طويلة وممتدّة، حتّى كأنّها تحمل صفة التأبيد.

إنّ القضاء على هذه الظاهرة وإنهاءها يتطلّب نضالًا فلسطينيًّا طويلًا، يعمل فيه الرجال على كسر هيمنة النظام الأبويّ على نمط تفكيرهم، وتعمل فيه النساء على إنهاء حالة الاستلاب العقائديّ وإيقاظ الوعي داخلهنّ

إنّ ظاهرة جرائم الشرف ظاهرة اجتماعيّة، ظهرت وتشكّلت في السياق الفلسطينيّ نتيجةً لتراكم جملة من العوامل التاريخيّة في السياقات الاجتماعيّة والقانونيّة والثقافيّة المختلفة، وإنّ القضاء على هذه الظاهرة وإنهاءها يتطلّب نضالًا فلسطينيًّا طويلًا، يعمل فيه الرجال على كسر هيمنة النظام الأبويّ على نمط تفكيرهم، وتعمل فيه النساء على إنهاء حالة الاستلاب العقائديّ وإيقاظ الوعي داخلهنّ، وتقف فيه الأطر القانونيّة موقف المُنصِف والحامي للضحيّة لا الجاني، وكلّ هذا لا يكون إلّا عبر عمل، وجهد متراكم ومستمرّ يظهر في التاريخ كأنّه يحمل صفة التأبيد، حتّى يترسّخ في قلبه ويصبح أبديًّا.

وربّما تكون قضيّة إسراء غريب، الّتي أثارت الرأي العامّ فلسطينيًّا وعربيًّا ودوليًّا، نقطة تحوّل وانطلاق لعمل فلسطينيّ حقيقيّ، للقضاء على ظاهرة جرائم الشرف، بصفتها أقصى أشكال العنف الممارَس ضدّ النساء وأبشعها، على أن يبدأ العمل عند تلك القضيّة، ويستمرّ في السير في طريق تغيير تأبيديّ طويل، ينتهي بالقضاء الفعليّ على تلك الظاهرة، ويصبح بعدها تغييرًا أبديًّا.

..........

إحالات

[1]  جرائم قتل النساء في فلسطين بين الثقافة السائدة ومتطلّبات التغيير (تقرير تحليليّ حول نتائج رصد قتل النساء وتوثيقها في المجتمع الفلسطينيّ خلال العامين (2014-2015)، مركز المرأة للإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ، 2016، ص 15.

[2]  ورقة حقائق حول جرائم قتل وانتحار النساء في فلسطين 2015-2018  (غزّة: مركز شؤون المرأة)، ص 2.

[3]  المرجع نفسه، ص 1.

[4]  عزمي بشارة، طروحات عن النهضة المعاقة، مح1، ط1 (رياض الريّس للكتب والنشر، )2003، ص121.

[5]  ميسون العتوم، جسد المرأة والدلالات الرمزيّة: دراسة أنثروبولوجيّة بمدينة عمّان (الأردنّ)، مجلة إنسانيّات، عدد 59، مارس 2013، ص20.

[6]  بشارة، المرجع نفسه، ص 121.

[7]  جرائم قتل النساء في فلسطين بين الثقافة السائدة ومتطلّبات التغيير (تقرير تحليليّ حول نتائج رصد قتل النساء وتوثيقها في المجتمع الفلسطينيّ خلال العامَين (2014 – 2015)، مرجع سابق، ص 18.

[8] مصطفى حجازي، التخلّف الاجتماعيّ: مدخل إلى سيكولوجيّة الإنسان المقهور، ط9 (المغرب: المركز الثقافيّ العربيّ، 2005)، ص217-218.

[9] بيير بورديو، الهيمنة الذكوريّة، ترجمة: سلمان قعفراني (بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة، 2009)، ص 129.

 

 

إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook