لجان التحقيق في إسرائيل: باراك والحمقى الثلاثة الآخرون (3/6)

من أرشيف "يديعوت أحرونوت"، في العنوان: اليوم المصيريّ. الصور: باراك، بن عامي، فيلك، رون

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

الحُمْق

أن تتّصف بـ "الحُمْق"، قد يعني الغباء الظاهر للعيان، وقد يعني - بمعانٍ أخرى - اللامسؤوليّة لما يتوجّب أن تكون مسؤولًا عنه، أو أن تكون مؤدّيًا مُطلقًا، بلا أيّ مساءلة ذاتيّة لما تؤدّيه من أفعال ومهامّ، أو أن تكون لامُباليًا، وفي اللامُبالاة يختلف الأمر عن اللامسؤوليّة؛ أن تكون لامسؤولًا يعني أن تكون على غير دراية بما يتوجّب عليك أن تعرفه، وأن تكون لامُباليًا يعني أن تكون لامُباليًا تجاه ما تعرفه أصلًا.

لقد رأت "لجنة أور"، وكذلك "لجنة كاهان" (كما سأبيّن لاحقًا في المقالتين الخامسة والسادسة من هذه السلسلة، المخصّصتين لعمل "لجنة كاهان" وتقريرها بما يتعلّق بمجزرة صبرا وشاتيلا، ومسؤوليّة إسرائيل عن المجزرة)، رأت اللجنتان أنّ تصرّفات المسؤولين الإسرائيليّين، في ما يتعلّق بمجزرة صبرا وشاتيلا، وفي ما يتعلّق بأحداث أكتوبر 2000، الّتي راح ضحيّتها 13 شهيدًا في الأراضي المحتلّة عام 1948، تصرّفات اتّسمت بالحُمق، وباللامُبالاة، وباللامسؤوليّة، وبالأخطاء الكارثيّة، وبعدم الانتباه، بكلّ شيء، عدا أنّها أفعال تتّسق وغايات المنظومة الاستعماريّة الصهيونيّة النهائيّة، وهي الإبادة الجسديّة والثقافيّة، إضافةً إلى السيطرة الأمنيّة والعسكريّة المُطلقة على الأصلانيّين، أي الفلسطينيّين، سواء في أراضي 48، أو في الشتات، أو في الأراضي المحتلّة عام 1967.

 

الحمقى الأربعة

          1. إيهود باراك

وجدت اللجنة أنّ إيهود باراك "لم يكن يقظًا ومنصتًا بما يكفي"، بحكم أنّه رئيس لحكومة إسرائيل، للسيرورات المتشكّلة في "المجتمع العربيّ في إسرائيل"، والّتي خلقت خلال فترة ولايته خشيةً حقيقيّة من اندلاع مواجهات على نطاق واسع. وقد أُثبِتَ أنّ باراك لم يولِ ما يكفي من الأهمّيّة لضرورة التهيُّؤ الملائم في شرطة إسرائيل، استعدادًا لانفجار مواجهات كالمذكورة أعلاه، وأنّه نتيجة لذلك لم يولِ ما يكفي من الأهمّيّة لموضوع ذي أهمّيّة إستراتيجيّة لدولة إسرائيل وسلامة مواطنيها. في مقابل ذلك، فقد رأت اللجنة أنّه لم يثبت أنّ باراك أصدر تعليمات استعدادًا ليوم 2 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2000، بفتح المفارق بكلّ الوسائل، أي بأيّ ثمن... كما أنّه أصدر تعليمات لقوّات الأمن بإظهار إصرار على إبقاء ذلك المفرق ومفارق أخرى مفتوحة. وتقرّر أنّ هذه التعليمات لم تكن غير معقولة، مع الظروف المُعطاة، بما يبرّر نقد باراك[1].

اقرأ الجزء الأوّل من سلسلة المقالات: 

لجان التحقيق في إسرائيل: لجنتا أور وكاهان نموذجًا (1/6)

 

          2. البروفيسور شلومو بن عامي

قرّرت اللجنة أنّه ثبت أنّ شلومو بن عامي، وبصفته وزيرًا للأمن الداخليّ، في الفترة الّتي سبقت أحداث أكتوبر 2000، لم يعمل ما فيه الكفاية من أجل ضمان جاهزيّة الشرطة لمواجهات على نطاق واسع في المجتمع العربيّ، على الرغم من أنّه كان يقظًا للسيرورات الّتي أدّت إلى رفع احتمالات وقوع أحداث من هذا النوع. وقرّرت اللجنة أنّه، ولكونه وزيرًا للأمن الداخليّ، في الفترة الّتي سبقت أكتوبر 2000، وفي الأيّام الأولى للأحداث، لم يُبدِ بن عامي يقظة كافية بشأن الأخطار المتعلّقة بالاستعانة بالرصاص المُغطّى عند تفرقة الإخلال بالنظام، ولم يقم بالخطوات المطلوبة لمنع الاستعانة بمثل هذا النوع من الذخيرة، أو تقييد الاستعانة بها في هذا النوع من الأحداث. كلّ ذلك على الرغم من معرفته، أو على الرغم من وجوب معرفته بذلك؛ بالمخاطر الكبيرة الكامنة في الاستعانة بمثل هذا النوع من الذخيرة. وتُقرّر أيضًا أنّه، وفي فترة ولايته وزيرًا للأمن الداخليّ، لم يُولِ بن عامي الاهتمام الكافي المشتقّ من منصبه، في يومَي 1 و2 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2000، لموضوع جاهزيّة الشرطة، في المناطق الّتي كان من المتوقَّع أن تقع فيها أحداث عنيفة[2].

 

         3. يهودا فيلك

قرّرت اللجنة أنّ فيلك، في أثناء إشغاله منصب المفتّش العامّ لشرطة إسرائيل، لم يهتمّ قبل أحداث أكتوبر 2000 بتزويد الشرطة بوسائل نوعيّة وكمّيّة، تلائم مواجهة عمليّات إخلال بالنظام خطيرة؛ وهو ما أدّى إلى أن يتحوّل الرصاص المُغطّى بالمطّاط إلى الوسيلة المتاحة الأساسيّة بأيدي الشرطة. وثبت أيضًا أنّ فيلك لم يهتمّ في تلك الفترة بتجهيز الشرطة كفاية، عن طريق تدريبات تلائم حوادث خطيرة من الإخلال بالنظام... ولم يهتمّ أيضًا، بصفته المفتّش العامّ للشرطة، بإجراء تحقيقات منظّمة في أسرع وقت، تركّز على الأحداث الّتي جرت. وقرّرت اللجنة أنّ فيلك كان واعيًا لإطلاق القنّاصة الرصاص الحيّ بعد وقوعه، ولم يقم بواجبه بالكشف عن الحقائق المتعلّقة بهذا الأمر للمستوى السياسيّ، ولم يقم بأيّ خطوة من أجل ضمان استخلاص الاستنتاجات المنهجيّة والشخصيّة المطلوبة، حتّى أنّه عبّر عن موافقته لاحقًا على الاستعانة بالقنّاصة وسيلةَ ردع... أوصت اللجنة بألّا يشغل فيلك مستقبلًا مناصب رفيعة في مجال الأمن الداخليّ[3].

 

          4. أليك رون

قرّرت اللجنة أنّه ثبت أنّ أليك رون، وفي أثناء شغله منصب قائد اللواء الشماليّ في شرطة إسرائيل، في الفترة الّتي سبقت اندلاع أحداث أكتوبر 2000، قرّرت أنّ رون لم يأمر ولم يهتمّ بأن تُعطى الأولويّة أثناء تفريق الإخلال بالنظام، للاستعانة بوسائل أقلّ ضررًا بالأجسام والأرواح. وهو لم يُسيّر أيّ رقابة ملائمة على استخدام الرصاص المُغطّى بالمطّاط، في الأحداث الّتي وقعت ضمن اللواء، ومكّن من استعمالٍ واسع النطاق للرصاص المُغطّى بالمطّاط، من دون أيّ مبرّر.

رأت اللجنتان أنّ تصرّفات المسؤولين الإسرائيليّين اتّسمت بالحُمق، وباللامُبالاة، وباللامسؤوليّة، وبالأخطاء الكارثيّة، وبعدم الانتباه، بكلّ شيء، عدا أنّها أفعال تتّسق وغايات المنظومة الاستعماريّة الصهيونيّة النهائيّة

لقد كان كلّ ذلك - حسب اللجنة - على الرغم من إدراك رون، أو وجوب إدراكه، للمخاطر الوخيمة الكامنة في مثل هذا النوع من الذخيرة. وأضافت اللجنة أنّ رون لم يهتمّ بتنفيذ تحقيقات منظّمة حول الأحداث في نطاق اللواء في أسرع وقت، خاصّة تلك الأحداث الّتي جرت فيها مواجهات، أدّت إلى استخدام الرصاص الحيّ أو المُغطّى بالمطّاط، وتلك الأحداث الّتي وقعت فيها إصابات. وفي موضوع مشابه، قرّرت اللجنة أنّ رون لم يهتمّ بتوثيق كافٍ لنشاطات الشرطة ورجالاتها.

وفي مقابل ذلك، قرّرت اللجنة أنّ مجمل الحقائق الّتي أُثبِتَت يدلّ على فشل جوهريّ في أدائه مهامّه، وفي توجيه الطرق والوسائل الملائمة لتحقيق تلك المهامّ. وفي ضوء ما تقدّم، وفي ضوء أنّ رون اعتزل في تاريخ 1 أيّار (مايو) 2003 من الخدمة في الشرطة، أوصت اللجنة بألّا يشغل رون مستقبلًا أيّ وظيفة قياديّة أو إداريّة في مجال الأمن الداخليّ.[4]

 

الحُمق البشريّ هو المسؤول

إذن، وفي نهاية توصيات اللجنة بما يتعلّق بالمسؤولين الإسرائيليّين، نجد أنفسنا نقرأ خطابًا بيروقراطيًّا خالصًا، يَظهر على أنّه محايد وعقلانيّ للغاية، والمخرجات النهائيّة للخطاب تكمن في أنّ "أربعة حمقى"، يتحمّلون مسؤوليّة ما آلت إليه الأمور من جانب الدولة ومؤسّساتها. أربعة حمقى لم يهتمّوا بما فيه الكفاية، لم يُولوا الانتباه الكافي لما كان يحدث، وتكمن مسؤوليّتهم الأساسيّة في أنّه كان يتوجّب عليهم أن يُدركوا ما كان على وشك الوقوع، ما طبيعة الذخيرة الّتي بحوزة عناصر الشرطة؛ وباختصار، ما كان عليهم أن يتركوا أفراد الشرطة في موقف يتوجّب فيه عليهم استخدام الذخيرة – الّتي حسب التقرير، لا يتحمّل عناصر الشرطة في النهاية مسؤوليّة استخدامها؛ لأنّهم لم يعرفوا ضررها النهائيّ، ولم يُهيّئهم جهاز الشرطة للتعامل مع ظروف كهذه، حيث يتوجّب عليهم استخدام الذخيرة الّتي بحوزتهم بالطريقة الوحيدة الّتي يعرفونها، وهي الصرامة والحزم التامّ؛ وهو الأمر الّذي أدّى في نهاية المطاف إلى مقتل 13 مواطنًا عربيًّا.

إلّا أنّ الاستعانة بـ "وسائل فتّاكة" ضدّ المتظاهرين العرب، لم تكن خيارًا فرديًّا من قِبَل أفراد الشرطة الإسرائيليّة كما يوضّح العديد من المصادر؛ إذ صدرت الأوامر للشرطة الإسرائيليّة من قِبَل قيادة الشرطة، وتعليمات قائد الشرطة آنذاك يهودا فيلك، إضافة إلى أوامر مباشرة من رئيس الحكومة الإسرائيليّة آنذاك إيهود باراك، الّتي أصدرها لقيادة الشرطة في اجتماع خاصّ عُقِد في بيته، باشتراك شلومو بن عامي، وزير الأمن الداخليّ آنذاك، في ليلة 01 – 02 تشرين الأوّل (أكتوبر). في ذلك الاجتماع، سمح باراك للشرطة باستعمال "كلّ الوسائل" في التعامل مع المتظاهرين العرب، على الرغم من علمه وعلم كلّ من كانوا في الاجتماع، بسقوط قتلى في صفوف المتظاهرين العرب في منطقة أمّ الفحم؛ نتيجة إطلاق قوّات الشرطة للنار[5].

اقرأ الجزء الثاني من سلسلة المقالات:

لجان التحقيق في إسرائيل: بناء قضية ضد المواطنين العرب عبر "لجنة أور" (2/6)

مع ذلك، فإنّ إجابة سؤال: لماذا قُتِلوا؟ حسب اللجنة، ولو أنّها لم تَكتب هذا صراحةً، أنّ المسؤوليّة تقع على عاتق الحُمق البشريّ؛ فرغم أنّ رون - في نظر اللجنة - قد أدّى مهامّه بإخلاص بصفته لواء منطقة الشمال، إلّا أنّه في النهاية "أحمق"، لم يفعل ما فيه الكفاية لمنع مقتل المواطنين. كذلك فيلك، وكذلك شلومو بن عامي، وكذلك حتّى رئيس الوزراء الإسرائيليّ. كلّهم حمقى في نظر اللجنة، كُسالى، كان عليهم أن يكونوا أكثر تنبّهًا ويقظة لما كان يجري؛ وبسبب ذلك لا أحد فيهم يتحمّل أيّ مسؤوليّة جنائيّة من أيّ نوع، عن مقتل أيّ متظاهر عربيّ، فمقتلهم في النهاية يمكن عزوه إلى "فشل في أداء النظام"، و"انعدام الحساسيّة الكافية" لدى الحكومة في التعامل مع المجتمع العربيّ، كما يظهر في الفقرة التالية:

"كان تعامل الحكومة بالدرجة الأولى مع الوسط العربيّ مهمِلًا ومميِّزًا. المؤسّسة لم تُظهر الحساسيّة اللازمة (Sufficient Sensitivity) لاحتياجات السكّان العرب، ولم تأخذ الإجراءات اللازمة للمساواة في توزيع موارد الدولة"[6].

..........

إحالات:

[1] The official summation of the OR Commission Reoport, Seeds of peace, p. 3.

[2] Or report, p. 4.

[3] Ibid, p. 5-6.

[4] Ibid, p. 6-7.

[5] محمّد حمزة غنايم، "تقرير أور (ملخّص وخلفيّات)"، ترجمة: مدار، سلسلة أوراق إسرائيليّة (17)،  تشرين الأوّل 2003، ص 9.

[6] Or report, p. 1.

 

 

أنس إبراهيم

 

 

كاتب وباحث. حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسيّة من جامعة بيرزيت، والماجستير في برنامج الدراسات الإسرائيليّة في الجامعة نفسها. نشر العديد من المقالات في عدّة منابر محلّيّة وعربيّة في الأدب والسينما.

 

 

 

تعليقات Facebook