عبد اللطيف الطيباوي... "الأستاذ" عاشق "الكتب الصفراء"

جانب من مؤلّفات عبد اللطيف الطيباوي

 

أعادت "لجنة رعاية الإبداع" في مدينة الطيّبة أخيرًا، طباعة بعض أعمال الأكاديميّ الفلسطينيّ البارز الدكتور عبد اللطيف الطيباوي، ابن مدينة الطيّبة، ضمن كتاب خاصّ تحت عنوان "خمسة أعمال عربيّة". وقد أطلقت بلديّة الطيّبة اسم هذا الراحل الكبير على شارع في المدينة، ونظّمت احتفالًا للإشادة بذكراه وإسهاماته العلميّة. وفي هذا، كانت بلديّة الطيّبة رائدة في اهتمامها بالتراث الفكريّ الفلسطينيّ وأعلامه. ولمّا كنت قد شرُفت بتكليف "لجنة رعاية الإبداع" بكتابة مقدّمة هذا الكتاب، وكان قد تعذّر عليّ المشاركة في احتفال التكريم لوجودي خارج البلاد، ارتأيت أن أنشر هذه المقدّمة من أجل التعميم والتعريف بهذه القامة الفلسطينيّة العالية، عساني بذلك أن أؤدّي دوري في واجب الوفاء والعرفان للأجيال السابقة، في ذاكرة المعرفة الفلسطينيّة.

عبد اللطيف الطيباوي

 

نصّ المقدمة

الطيّبة - لندن: ما بين مدينتين

نحتفي بهذا الكتاب بالدكتور عبد اللطيف الطيباوي (29.4.1910 – 16.10.1981)، ونكرّم سيرته على مجمل أعماله العلميّة وإسهاماته الثقافيّة الّتي رفع بها اسم وطنه عاليًا، وكرّس بها نفسه واحدًا من أهمّ القامات الفكريّة الّتي أنجبتها بلادنا فلسطين. نحتفي به بعد أكثر من أربعة عقود من صدور آخر كتاب لتكريم "الأستاذ"، وهو اللقب الّذي دَرَج أصدقاؤه وطلّابه على مناداته به. عام 1977 أصدر "المركز الثقافيّ الإسلاميّ" في لندن كتابًا علميًّا باللغة الإنجليزيّة بعنوان "إكليل غارٍ عربيّ وإسلاميّ: مقالات تاريخيّة وتربويّة وأدبيّة مُقدَّمة لعبد اللطيف الطيباوي من زملاء وأصدقاء وتلاميذ"[1]. اشترك في هذا الكتاب الّذي أُعِدّ لتكريم الطيباوي حينما بلغ سنّ السبعين 31 كاتبًا من 15 بلدًا، وفيهم من الفلسطينيّين الدكتور إبراهيم أبو لُغد وإسحاق موسى الحسيني وطريف الخالدي وغيرهم. قدّم المشاركون في الكتاب 29 ورقة بحثيّة، بالإضافة إلى عرض لسيرة حياة الطيباوي، وإرفاق قائمة مُفصّلة (لكنّها غير كاملة) بمنشوراته وأعماله. يجدر ذكر أنّني لم أجد من هذا الكتاب في البلاد إلّا نسخة واحدة لا غير، في مخازن "المكتبة الوطنيّة" في القدس؛ لذلك من الأهمّيّة بمكان إعادة طباعة هذا الكتاب أو أجزاء منه، من أجل إعداد بيبلوغرافيا كاملة لأعمال الطيباوي.

أربعة عقود مضت، وها نحن نقدّم مجموعة من آثاره من جديد، لكن هذه المرّة في مدينة الطيّبة، مسقط رأسه، لا في لندن، حيث سقط قلبه في غربة الشتات. أربعة عقود مضت منذ صدور ذلك الكتاب، فيها رحل الطيباوي عن عالمنا عام 1981، وفيها اختفى جيل حاول أن يقاوم بالعلم والحفاظ على الذاكرة، وأتى جيل جديد، فيه مَنْ يتذكّر بصعوبة وفيه مَنْ ينسى بسهولة، وفيه مَنْ يقاوم بخجل وفيه مَنْ يستمرئ دونيّته بصلف وجهل.

 

 المثقّف المُنتمي و"الكتب الصفراء"

الصدق أنّنا نقدّم هذا الكتاب وفيه مختارات من مؤلّفات الطيباوي بخجل؛ نظرًا إلى ما يستحقّه "الأستاذ" من واجب التكريم، لنبوغه وطلائعيّته منذ بداياته إلى أن وافته المنيّة. نبَغ الطيباوي منذ جيل مُبكّر، تفوّق في دراسته في "مدرسة طولكرم الأميريّة"، وفاز بالجائرة الأولى في المسابقة الأدبيّة لـ "مجلّة الهلال" عام 1925، وهو لا يزال على مقاعد الدراسة في "الكلّيّة العربيّة" (دار المعلّمين) في القدس، الّتي التحق بها في سنّ 12 عامًا. ونال أيضًا غير جائزة على أبحاث له خلال دراسته في "الجامعة الأمريكيّة" في بيروت، حيث درس التاريخ والأدب العربيّ، ونال شهادة البكالوريوس عام 1929. هذا النبوغ أدّى به إلى منفاه، حيث قدم في أوائل 1948 إلى لندن باحثًا زائرًا لستّة أشهر، لدراسة أنظمة التربية والتعليم في إنجلترا. كان المفروض أن يعود الطيباوي لوطنه ولخدمة بلاده بعد انتهاء منحته الدراسيّة، لكن أحداث نكبة عام 1948 قطعت عليه طريق العودة إلى وطنه؛ فاضطرّ إلى البقاء في لندن، وهناك منحته "جامعة لندن" درجة الدكتوراه، وضمّته إلى طاقمها باحثًا ومحاضرًا في "مؤسّسة التربية" ضمنها.

بدأت معرفتي بكتب الدكتور عبد اللطيف الطيباوي بكتاب له صار "أصفر" اللون، بالنسبة إلى جيلي من الباحثين، هذا الكتاب المرجعيّ هو "التعليم العربيّ في فلسطين في عهد الانتداب"، الصادر عام 1956.

ظلّ الطيباوي طيلة عُمره مشغولًا بهموم بلاده مُنافحًا عن قضاياها، لم يطلب لنفسه منصبًا سياسيًّا، بل فهم بعمق دوره الثقافيّ في مقاومة ادّعاءات الاستعمار والصهيونيّة. فهِم الطيباوي أنّ دوره الأهمّ هو في التحقيق والتأريخ والتحليل، والتنقيب في دور الوثائق والأرشيفات الرسميّة والكتب التراثيّة: "الكتب الصفراء" الّتي أَحبّها.

 

يكتب الطيباوي في الجزء الثاني من "محاضرات عن تاريخ العرب والإسلام" الصادر عام 1966، فصلًا عن فضل "الكتب الصفراء" على "الكتب البيضاء"، وفيه يقارن كتب القدامى التراثيّة بكتب المُحدَثين المعاصرة. يكتب الطيباوي (ص 161 – 162) بعد أن قهر نفسه على أن تُحبّ ما تكره، وانجلت عن صدره رهبة المجهول، وتعوّد أن يقرأ في كتب التراث بالسهولة عينها الّتي يقرأ بها "الكتب البيضاء" الجديدة:

"وتزداد سعادتك في هذه الجنّة، بأنّك تجد ‘الكتب الصفراء‘ كريمة، مُسرفة في كرمها؛ فهي تبذل لك العلم والأدب بذلًا، وأنت تأخذه وتستعمله في شأنك، وقد تُنصِّب نفسك قاضيًا في غياب المُدّعين مُؤلّفيها؛ فتقول إنّ المؤرّخ قد أخطأ، والأديب قد أسَفّ، والمتصوّف قد بالغ، وإنّ الفيلسوف قد أغرَب؛ فلا تجد من مُؤلّفي تلك الكتب مَنْ يحتجّ، ولا تلاقي من مؤلّفاتهم إلّا كلّ ترحيب عند عودتك إليها… هل تجد مثل هذا الودّ من ‘الكتب البيضاء‘ وأصحابها؟ فإنّك إذا قرأت كتابًا منها، وجدت أكثر مادّته على حدّ قول الشاعر ’ما أرانا نقول إلّا معارًا‘، أمّا ما فيه من رأي فهو غالبًا جُهد المُقلّ، أفرط صاحبه في المحافظة على جميع حقوقه فيه؛ من طبع ونقل وترجمة واقتباس. وإن حدّثتك نفسك أن تخالف المؤلّف، فردَّ على قولك بما لا يتّسع لاعتراف بخطأ أو إقرار بنقص، أو شُكر على بيان مَواضع الضعف، أو قابليّات التحسين في كتابته".

شخصيًّا، بدأت معرفتي بكتب الدكتور عبد اللطيف الطيباوي بكتاب له صار "أصفر" اللون، بالنسبة إلى جيلي من الباحثين، هذا الكتاب المرجعيّ هو "التعليم العربيّ في فلسطين في عهد الانتداب"، الصادر عام 1956 [2]، هذا الكتاب يوثّق من خلال مُعطياته الكمّيّة، وتحليله النقديّ لأحوال التعليم في فلسطين التاريخيّة، في ثلاثة عقود تحت إدارة سلطة الانتداب البريطانيّ، الّتي خَبِرها الطيباوي عن قُرب معلّمًا ومفتّشًا وباحثًا. شدّني الكتاب بحرصه على تقديم تفاصيل المشهد التعليميّ في فلسطين وحيثيّاته، في تلك الفترة؛ وهذا ما جعل الكتاب مرجعًا لا غنى عنه في تفنيد ادّعاءات الحركة الصهيونيّة؛ بأنّها مشروع "تنوير" و"حداثة" في أرض "بلا شعب" و"بلا حضارة"؛ فمثلًا يُبيّن الطيباوي أنّه في الفترة 1944 – 1945، عمِلت تحت سلطة الانتداب 478 مدرسة، إضافة إلى 317 مدرسة خاصّة (مدارس إسلاميّة ومسيحيّة). وكذلك الأمر، فقد أضحى الكتاب مرجعًا في تحليل تمظهر السياسات الاستعماريّة في حقل التربية والتعليم، وكيف يُوظَّف هذا الحقل في خدمة علاقات القوّة الّتي تُمليها هذه السياسات، من أجل إعادة إنتاج الضبط والسيطرة وهَرميّة التراتبيّات المختلفة بين المستعمِر والمستعمَر. هذا ومن الأهمّيّة بمكان الإشارة إلى أنّ هذا الادّعاء الأخير، ما زالت وجاهته ترفد أدبيّات الباحثين في شؤون التعليم العربيّ إلى يومنا هذا؛ إذ ما زال الادّعاء المركزيّ في هذه الأدبيّات بأنّ التعليم العربيّ جُنِّد لخدمة أغراض الهيمنة في تفتيت الهويّة الفلسطينيّة الجامعة وإنكار روايتها، والترويج للمشروع الصهيونيّ في فلسطين ولمشروعيّته الأخلاقيّة؛ باختصار، تعليم ما بين المطرقة والسندان: في خدمة المستعمِر من جهة، وفي خدمة حراك السكّان الأصليّين المستعمَرين نحو التنمية والحداثة والتقدّم والتحرّر من جهة أخرى.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الطيباوي، ورغم تضييقات سلطات الانتداب وقيودها الوظيفيّة، دَرَج على نشر المقالات التوعويّة والنهضويّة في المجلّات والصحف الفلسطينيّة والعربيّة، باسمه وبأسماء مستعارة، وهو أمر يستحقّ التقصّي والتوثيق، وسعى إلى تطوير مبادرات تربويّة رائدة في المدارس العربيّة،

كان هذا الكتاب اللافت علامة طريق أخرى في مسيرة "الأستاذ" الوطنيّة، الّتي كرّسته مثقّفًا منتميًا وملتزمًا وفاعلًا، مسيرة تُعلّمنا جميعًا دروسًا ثمينة حول دور المثقّف النضاليّ وغير الوعظيّ في مجتمعه؛ فمنذ بداياته ورغم أنّه موظّف حكوميّ في فترة ما قبل نكبة عام 1948، كتب الطيباوي المقالات الّتي تنتقد السياسات البريطانيّة، وتوضّح المخاطر المُحدقة بمستقبل فلسطين، وقدّم أيضًا إلى "اللجنة الملكيّة البريطانيّة"، الّتي قدمت إلى فلسطين عام 1937، مذكّرتين مهمّتين: الأولى حول مراسلات مكماهون – الحسين، وفيها بَيّن أنّ الوعد البريطانيّ بالاستقلال للعرب يشمل فلسطين، ونُشرت مترجمةً في جريدة "الدفاع" بتوقيع مستعار (كان يُحظَر على الموظّفين في إدارة الانتداب الكتابة للصحف)، والثانية حول عدم مشروعيّة معاهدة فيصل - وايزمن.

هنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الطيباوي، ورغم تضييقات سلطات الانتداب وقيودها الوظيفيّة، دَرَج على نشر المقالات التوعويّة والنهضويّة في المجلّات والصحف الفلسطينيّة والعربيّة، باسمه وبأسماء مستعارة، وهو أمر يستحقّ التقصّي والتوثيق، وسعى إلى تطوير مبادرات تربويّة رائدة في المدارس العربيّة، وهو باب يستحقّ التعمّق والدراسة حول تجربة الطيباوي التربويّة. ولعلّ في هذه التجربة الرائدة في إعادة نشر بعض ما كتبه الطيباوي، عبرة وحافزًا لكلّ المهتمّين بالتراث العلميّ والتربويّ في فلسطين، من أجل تشجيع الكتابة الأكاديميّة والأدبيّة في هذا المجال، والاحتفاء بأعلام فلسطين في التربية والتعليم، مثل خليل السكاكيني، وإسعاف النشاشيبي، وإسحاق موسى الحسيني، وجورج أنطونيوس، ومصطفى مراد الدبّاغ، وسامح الخالدي، وثابت الخالدي، ووصفي عنبتاوي، وحافظ طوقان، وعلي رشيد شعث، وأحمد القاسم، وغيرهم الكثير. ولا يزال التراث التربويّ والفكريّ لهذه الأسماء من المربّين الروّاد أرضًا بِكرًا، من حيث الموادّ والأبحاث المتوفّرة والمُنجزة. تحديدًا، يغيب عن تأهيل المعلّمين العرب في الكلّيّات والجامعات أيّ تعاطٍ جدّيّ مع العطاء الثقافيّ والعلميّ لهؤلاء الروّاد، وقلّما تجد مبادرة أهليّة ومجتمعيّة لإحياء ذكرى هذه الشخصيّات، وتجديد التواصل المعرفيّ مع نتاجاتها. 

 

إضاءة على الإسهام المعرفيّ

تعاطت كتابات الطيباوي في مُجملها مع محورين مركزيّين، هما: 1. دراسة تاريخ القوى الاستعماريّة ومصالحها (Colonialism) في بلاد الشام (سوريا الكبرى) وضمنها فلسطين. 2. دراسة تاريخ الفكر التربويّ الإسلاميّ وأصوله. في الباب الأوّل، أنجز الطيباوي كُتبًا مهمّة حول تاريخ المنطقة[3]، والمصالح البريطانيّة[4] والأمريكيّة[5] والروسيّة[6] في فلسطين، والعلاقات العربيّة ببريطانيا والمسألة الفلسطينيّة[7]. ويتّصل بهذا الباب موضوع نقد الاستعمار؛ إذ كان الطيباوي من أوائل المهتمّين بنقد منطلقات الاستشراق وتحليل تأثيره في الباحثين في تاريخ الإسلام، والموقف من القوميّة العربيّة [8]. وفي كلّ ذلك، كان الطيباوي رائدًا في تحليل عمل نُظم الاستعمار وآليّاته في مجال التربية والتعليم[9] والمؤسّسات الدينيّة والتبشيريّة في المنطقة[10]، وكان طلائعيًّا في نقده للادّعاءات، الّتي أعطت هذه المؤسّسات حجمًا زائدًا وثِقلًا فائضًا في "النهضة العربيّة"[11] وفي دفع قوى "التقدّم والتنوير" في المنطقة. وما يُميّز الطيباوي في هذه الأبحاث هو تنقيبه المنهجيّ في الموادّ الأرشيفيّة، وحرصه على استخدام الوثائق لتدعيم أبحاثه.

اهتمّ بحضور الإسلام في الفكر الغربيّ عمومًا، والحيّز البريطانيّ تحديدًا، ومن ناحية أخرى، أعاد الطيباوي الاهتمام بالتربية الإسلاميّة تاريخًا وفلسفةً، حقلًا معرفيًّا مستقلًّا، لافتًا النظر إلى تحوّلاتها في ظلّ الحداثة وقيام الدولة الوطنيّة.

أمّا في ما يخصّ الدراسات الإسلاميّة عمومًا، والتربية الإسلاميّة خصوصًا؛ فإنّ جهد الطيباوي الموسوعيّ لا يخفى على أحد. ومن ناحية، اهتمّ بحضور الإسلام في الفكر الغربيّ عمومًا، والحيّز البريطانيّ تحديدًا[12]، ومن ناحية أخرى، أعاد الطيباوي الاهتمام بالتربية الإسلاميّة تاريخًا وفلسفةً، حقلًا معرفيًّا مستقلًّا[13]، لافتًا النظر إلى تحوّلاتها في ظلّ الحداثة وقيام الدولة الوطنيّة [14]. وقد أعاد الطيباوي تقديم الفكر التربويّ لدى إخوان الصفا[15]، واهتمّ بالفكر اللاهوتيّ لدى الإمام الغزاليّ[16]. ولم يكُفّ الطيباوي عن النشر باللغة العربيّة في دور النشر العربيّة في القاهرة وبيروت[17]رغم غزارة إنتاجه باللغة الإنجليزيّة، متواصلًا بذلك مع محيطه العربيّ الطبيعيّ، وعمقه الإسلاميّ الّذي غرف منه حتّى ارتوى وأروانا.

 

أحسنَ الله خَاتمتنا

يجد القارئ في كتابة الطيباوي باللغة العربيّة مذاقًا خاصًّا، لِما فيها من جزالة اللفظ وبلاغة المعنى وعُمق التبصّر. تحديدًا، لا يسع القارئ إلّا أن يجد أنّ كثيرًا ممّا كتب الطيباوي ما زال راهنًا وقادرًا على تسليط الضوء على ظلمات واقعنا الاجتماعيّ والسياسيّ. مثلًا، يكتب في الجزء الثاني من "محاضرات عن تاريخ العرب والإسلام" (ص 170 – 171):

"ولكن شرّ المحن ما يُصيب الأمّة في مجموعها؛ فتُمتحن في قدرتها على تحمّل المشاقّ وبذل الجهد والمال، ودفع العدوّ سواء كان وباء أو فيضانًا أو قحطًا أو عدوانًا على الوطن. وامتحان الأمّة في هذا امتحان لأفرادها وجماعاتها ورؤسائها، لا يقتصر في نطاقه على المادّة والعلم، بل هو في أساسه امتحان للأخلاق قبل كلّ شيء آخر؛ فإذا نجح الفرد في الامتحان، كان نجاحه على قوّة خُلقه، من استعداد ومثابرة وضبط نفس، وإذا نجحت المجموعة أو الأمّة في الخروج من محنة تُصاب بها، كان نجاحها دليلًا على قوّة خُلقها في التعاون والصبر والتغلّب على المصاعب. إلّا أنّنا الآن في امتحان أخلاقيّ عصيب؛ فأين نحن من نهايته؟ وكيف تكون هذه النهاية؟".

تعاطت كتابات الطيباوي في مُجملها مع محورين مركزيّين، هما: 1. دراسة تاريخ القوى الاستعماريّة ومصالحها (Colonialism) في بلاد الشام (سوريا الكبرى) وضمنها فلسطين. 2. دراسة تاريخ الفكر التربويّ الإسلاميّ وأصوله.

لو كان "الأستاذ" بيننا لأخبرناه بأنّنا ما زلنا في نفس الامتحان، ما زلنا لا نُجيد تنظيم قِوانا، ولا نُتقن توزيع الواجبات بين القادرين فينا، ما زالت قيادتنا مفكَّكة ومتناحرة ومنقسمة، وتخفق المرّة تلو المرّة في إدارة الدفّة نحو المأمول منها. تحديدًا، ما زالت القيادة السياسيّة لا تعي أنّ دورها الأخلاقيّ قد يكون أهمّ من أيّ دور سياسيّ لها.

لو كان "الأستاذ" بيننا لرأى خيرًا كثيرًا في طموح أبنائنا وبناتنا وإنجازاتهم على الصعيد الشخصيّ، ولكنّه كان سيرى أيضًا أنّ النجاحات الفرديّة لمّا تُحوّلنا بعدُ إلى مجتمع متماسك، ولمّا تؤتِ أُكلها على صعيد الجماعة.

رحم الله "الأستاذ"، وأحسن الله خاتمتنا.

........

إحالات:

[1]Awa, A., Bou-Uata, I., Nadvi, S.,  El-Droubie, R. (Eds.). (1977). Arabic and Islamic garland: historical, educational and literary papers presented to Abdul-Latif Tibawi by colleagues, friends and students.London: The Islamic Cultural Centre.

[2] Tibawi, A. L. (1956). Arab education in Mandatory Palestine: A study of three decades of British administration. Luzac.

[3] Tibawi, A. L. (1969). A modern history of Syria, including Lebanon and Palestine. London: Macmillan; New York: St. Martin's P.

[4]Tibawi, A. L. (1966). American interests in Syria, 1800-1901: a study of educational, literary and religious work.  Oxford :Clarendon

[5] Tibawi, A. L. (1961). British interests in Palestine, 1800-1901: a study of religious and educational enterprise. Oxford University Press;

[6]Tibawi, A. L. (1966). Russian cultural penetration of Syria—Palestine in the nineteenth century (Part I). Journal of the Royal Central Asian Society, 53(2), 166-182; Tibawi, A. L. (1966). Russian cultural penetration of Syria‐Palestine in the nineteenth century (PART II). Journal of the Royal Central Asian Society, 53(3), 309-323.

[7] Tibawi, A. L. (1977). Anglo-Arab relations and the question of Palestine, 1914-1921. Luzac.

[8]Tibawi, A. L. (1965). English-speaking orientalists: A critique of their approach to Islam and Arab nationalism. Geneva: Islamic Centre.

[9] Tibawi, A. L. (1980). English and American Education for Arabs 1900-1931. Arab Studies Quarterly, 203-212; Tibawi, A. L. (1956). Arab education in Mandatory Palestine: A study of three decades of British administration. Luzac; Tibawi, A. L. (1953). The project for a British university in Palestine. Journal of the Royal Central Asian Society, 40(3-4), 224-233.

[10] Tibawi, A. L. (1967). The genesis and early history of the Syrian Protestant College. Middle East Journal, 21(1), 1-15;T ibawi, A. L. (1963). The American Missionaries in Beirut and

Butrus al-Bustani. St. Antony’s Papers 16:137–82

[11] Tibawi, A. L. (1971). Some Misconceptions about the Nahda. Middle East Forum, 47 (1971): 15-22.

[12] Tibawi, A. L. (1981). History of the London Central Mosque and the Islamic Cultural Centre 1910-1980. Die Welt des Islams, (1/4), 193-208.

[13] Tibawi, A. L. (1962). Origin and Character of al-Madrasah. Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 25(2), 225-238; Tibawi, A. L. (1957) Philosophy of Muslim education, in: G. S. Bereday & J. A. Lauwerys (Eds) The yearbook of education. Education and philosophy (London, Evans Brothers), 80–92; Tibawi, A. L. (1954). Muslim education in the golden age of the Caliphate. Islamic Culture, 28(1), 418-438.

[14] Tibawi, A. L. (1972). Islamic education: Its traditions and modernization into the Arab national systems . London: Luzac;

[15] Tibawi, A. L. (1959) Some educational terms in Rasa’il Ikhwan as-Safa, Islamic Quarterly, 5(1/2), 55–60.

[16] Tibawi, A. A. L. (1965). Al-Ghazali's Tract on the Dogmatic theology, ed. tr., annotaed and introduced. Islamic Quarterly, 9, 62-122.

[17] انظر مثلًا  كتب "التصوّف الإسلاميّ العربيّ"، و"تاريخ إخوان الصفا وفلسفتهم، "جماعة إخوان الصفا"، و"محاضرات في تاريخ العرب والإسلام"، وأيضًا كتاب "القدس" المترجم عن الإنجليزيّة.

 

 

تسمية

 

 

حاصل على الدكتوراه من جامعة بنسيلفانيا. محاضر في كلّيّة التربية - جامعة حيفا، ومدير سمينار طلبة الدكتوراه في "مدى الكرمل: المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة".

 

 

 

تعليقات Facebook