عائد إلى يازور: بيّارات الرعب الّتي صنعها المتسلّلون 1949 - 1953

مسجد الإمام عليّ في يازور، 1929 | عدسة زنكا رتنر

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

مدخل لتخطّي هيمنة الإقطاع والأعيان

في الماضي، وبسلاح الجسد، كسر شباب بعمر الورد ميزان الرعب، وقلبوا موازين الحرب "غير المتكافئة"؛ وهو الأمر الّذي عجزت عن فعله محاور القوى المختلفة في المنطقة. أشعلت قرى فلسطين الأماميّة حرب استنزاف على نمط روبن هود، من عام 1949 إلى 1956. لم تهتمّ "برجوازيّتنا التقدّميّة" بتوثيق هذه المسارات، أمّا إسرائيل فقامت بتوثيقها كحوادث أمنيّة منفصلة، فنزعت عنها سياقها التحرّريّ الاشتباكيّ، وأظهرت الفاعلين كقطّاع طرق، مجانين، أو مصّاصي دماء.

يقرّبنا التاريخ الشفويّ إلى تلك الأساطير، لندرك أنّ أناسًا حقيقيّين عايشوا المتسلّلين، وتناولوا الطعام معهم، وأحيانًا شاركوهم في مهمّاتهم؛ وعلى هذا، تصبح قصّة الإقطاعيّ الوطنيّ هي الأقرب إلى الأسطورة. 

في المقابل، ما زلنا نُلَقَّن بطولات الإقطاعيّين وأعيان المدن، فنسمع منهم عن بطولات نقيّة لا يتخلّلها أيّ شوائب، فمثلًا، عند تناول قصّة أحدهم، نُعَرَّف "ببطولاته" ودوره المؤسّس في بثّ روح الوطنيّة، لكن لا يجري تثقيفنا بأنّه وصل إلى هذه المرحلة بعد نبذه لعمله سمسار عقارات مع إحدى أهمّ الشركات الصهيونيّة العاملة في فلسطين! وحتّى بعض المذكّرات المهمّة المتعلّقة بالثورة العربيّة، تُحْجَب عن الباحثين، وتُتاح لجوقة صغيرة من المسنّين. لذلك، تصبح عمليّة إنتاج المعرفة التاريخيّة عن فلسطين – في كثير من جوانبها - غسيلًا للذاكرة والوعي، مثلها مثل أيّ نشاط ريعيّ آخر: شراء معجّنات لورشة عمل، وكتابة تقارير بيروقراطيّة، واستحداث مناصب إداريّة هجينة، أو التسحيج. وعلى ذاك، تُجَرَّد قصص المتسلّلين من سياقها التاريخيّ، وتصبح قصصهم كقصص الأشباح، أقرب إلى الأساطير.

يقرّبنا التاريخ الشفويّ إلى تلك الأساطير، لندرك أنّ أناسًا حقيقيّين عايشوا المتسلّلين، وتناولوا الطعام معهم، وأحيانًا شاركوهم في مهمّاتهم؛ وعلى هذا، تصبح قصّة الإقطاعيّ الوطنيّ هي الأقرب إلى الأسطورة. 

 

من "كامب بيت نبالا" إلى حياة يافا الليليّة

يقول الراوي: "كنت طالب مدرسة حين عاصرت ثورة 1936، وشاهدت قوّات الإنجليز وهي تقتل بضعة مقاومين، وبعد أن دفنهم الأهل نبش الإنجليز قبورهم. عندما كبرت وأصبحت في الثانية عشرة من العمر، وفي منتصف الأربعينات، عملت في ’كامب بيت نبالا‘، في مصنع ’الزولانديّة‘، الّذي كان يُنتج الصاج الّذي يستخدمه الجيش الإنجليزيّ لتخزين البنزين. استمرّ عملي نحو 3 أعوام، وبعد ذلك عملت في ورشة نجارة، كانت تصنِّع صناديق الخشب الّتي استُخدمت في نقل العتاد الإنجليزيّ إلى مصر، ومن ثَمّ إلى بريطانيا".

يضيف الراوي أنّ أكثر من ربع العمّال في "كامب بيت نبالا" والمناطق المجاورة كانوا من مصر، وأنّه في أثناء عمله في الكامب، حاول "الهستدروت" استقطاب العمّال العرب، لكنّه لم ينجح في ذلك. سألته إن كان قد سمع عن "جمعيّة العمّال العربيّة"، لكنّه نفى ذلك.

تبدأ الذاكرة باسترجاع أسواق يافا وتنتهي الدردشة أحيانًا حول حياة يافا الليليّة؛ وهذا يضفي على التاريخ الشفويّ قدرًا من الحميميّة، والمصداقيّة، وأهمّ شيء التجرّد من هيمنة الخطاب العامّ الّذي يهذّب الذاكرة بأثر رجعيّ

يحدّثنا الراوي عن تحضيره للعمل: "قبل أن أبدأ العمل في ‘كامب بيت نبالا‘، كان مطلوبًا منّي التوجّه إلى يافا لعمل هويّة وختمها من الدوائر الحكوميّة، وعندما وصلت إلى ’دائرة الأحوال المدنيّة‘، شاهدت كثيرًا من صور المطلوبين معلَّقة على الحائط هناك... كانت أوّل مرّة أزور يافا فيها، وأمضيت فيها أسبوعًا، وانبهرت بعمرانها وحياتها المدنيّة. ما سهّل عليّ الإقامة وجود قريب لي يعمل عامل نظافة في إحدى دور السينما فيها... وهو ما أتاح لي مشاهدة فيلم مجّانًا، لكنّني غفوت في أثناء العرض من شدّة التعب. عَمار يافا قبل الـ 48 أشلب من عمار هالأيّام".

سيعود الراوي إلى مشارف يافا المحتلّة بعد بضع سنين، لكن لن يدخلها لخطورة الوضع آنذاك. المدّة الزمنيّة الّتي قضاها الكثيرون ممّن قابلتهم عن يافا لم تتعدّ بضعة أيّام، أسبوعًا، وفي بعض الأحيان شهر، لكنّ صورتها ما زالت منطبعة في أذهانهم بشكل بارز، فباتوا لا يتحدّثون عن مدن أخرى بنفس الشغف، على الرغم من أنّهم قد أمضوا في تلك المدن وقتًا أكثر بحُكم القرب الجغرافيّ. تبدأ الذاكرة باسترجاع أسواق يافا وتنتهي الدردشة أحيانًا حول حياة يافا الليليّة؛ وهذا يضفي على التاريخ الشفويّ قدرًا من الحميميّة، والمصداقيّة، وأهمّ شيء التجرّد من هيمنة الخطاب العامّ الّذي يهذّب الذاكرة بأثر رجعيّ. يقرّبنا التاريخ الشفويّ إلى الحياة العاديّة بكلّ أطيافها، وتبعدنا أرشيفات الحركة الصهيونيّة والبرجوازيّة المحلّيّة عن هذه المسارات.

 

حرب العصابات على النمط الفلسطينيّ

مع بدء الاشتباك بين المقاومين الفلسطينيّين والعصابات الصهيونيّة، بدأت بعض المناوشات في "كامب بيت نبالا" إلى حين تسليم الكامب للعصابات الصهيونيّة. آخر "فورمان" فلسطينيّ كان هناك، وهو مسؤول عن أحد خطوط العمل، وُجدت جثّته مُقْحَمة في أحد الحمّامات، وهو ما يتذكّره الراوي ويقول إنّ ذلك الشخص أبى أن يسلّم المستودعات للعرب، رغم تلقّيه الكثير من التحذيرات، وظلّ ملتزمًا بعمله حتّى غُدِر على أيدي العصابات الصهيونيّة.

بدأ الراوي بالمرابطة مع الجيش العراقيّ ومقاومي "الجهاد المقدّس" في مناطق الاشتباك، وصار يسهر معهم، وبعد ذلك بدأت الهدنة، وأصبح بلد الراوي خطًّا أماميًّا، يقول: "استلم الجيش الأردنيّ، وصرنا 10 شباب من القرية نسهر مع الجيش الأردنيّ. أصبح بلدنا خطًّا أماميًّا، ونقطة تمركز وعبور للعشرات من المتسلّلين، الّذين كانوا في أغلبهم من اللاجئين المسلّحين الّذين صدّوا اجتياحًا للقوّات الصهيونيّة عام 1953". يشدّد الراوي على صلابة اللاجئين وحسّهم القتاليّ العالي، وهو الأمر الّذي انعكس على قدرات القرى الأماميّة في الصدّ والهجوم غير المنظّم؛ وعلى ذلك تصبح نهاية حرب 1948 مفتوحة بسبب زخم التسلّل، ورفض حدود الهدنة، والواقع السياسيّ الّذي أرادت الحركة الصهيونيّة فرضه.

زخم التسلّل كان بعشوائيّته، بارتباطه بصراع بقاء، إضافة إلى توفّر الكثير من الأهداف نظرًا إلى تداخل الجغرافيا، ووصل الموضوع في أحيان قليلة إلى حدّ المبارزة، وهذا ما سرده أحد ضبّاط الجيش الأردنيّ، وقد خدم في محيط منطقة بيت لحم، إذ قال إنّ مسؤول وحدته قنَصَ أحد المستوطنين، ليبرهن لزملائه على دقّته في القنص.

لم يشرّع الفلسطينيّ قدسيّة أمن إسرائيل آنذاك، لذا استمرّت المواجهة؛ وهو الأمر الّذي أجبر الحركة الصهيونيّة على استحداث وحدات قتاليّة خاصّة كوحدة 101 الّتي قادها أرئيل شارون. ولذلك، من الضروريّ التنبّه إلى أنّ تطوّر منظومة الأمن الإسرائيليّة وأذرعها يأتي في سياق فشلها اليوميّ على الضبط. هنا تبرز أهمّيّة عدم الغرق في ما يصدر عن الدراسات الإسرائيليّة الّتي تحاول في العادة الخوض  - إلى حدّ الثمالة - في أدقّ تفاصيل آلة الحرب الإسرائيليّة، بشكل يضخّمها ويجعلها أكثر فتكًا على مستوى الوعي (سلاح الجوّ، الموازنات، فرق النخبة، التحالفات... إلخ).

زخم التسلّل كان بعشوائيّته، بارتباطه بصراع بقاء، إضافة إلى توفّر الكثير من الأهداف نظرًا إلى تداخل الجغرافيا، ووصل الموضوع في أحيان قليلة إلى حدّ المبارزة، وهذا ما سرده أحد ضبّاط الجيش الأردنيّ، وقد خدم في محيط منطقة بيت لحم، إذ قال إنّ مسؤول وحدته قنَصَ أحد المستوطنين، ليبرهن لزملائه على دقّته في القنص.

يسرد الراوي تفاصيل عبوره إلى الأراضي المحتلّة عام 1948، ولوجستيّات العمل هناك: "نزلت أكثر من 50 مرّة إلى فلسطين المحتلّة، والشغلة تحتاج لجرأة وخفّة". لقد بدأ التسلّل لجني محاصيل القمح في قرية بيت نبالا ومحيطها، حيث شاركته نساء بلده في ذلك. وبعد موسم القمح الأخير، تركّز التسلّل على بيّارات الحمضيّات في محيط يافا، وتحديدًا في بيّارات يازور والسافريّة. "كنّا نحمّل الجحش برتكان ونْقُلُّه اطلع، والجحش كان يعرف طريق العودة"، وبعد ذلك بدأ المتسلّلون بالتوغّل أكثر فأكثر، وعندما كان المستوطنون يشاهدونهم كانوا يهربون كما يقول الراوي. كلّ فكرة الاستيطان مرتبطة بالاستقرار، وهو الأمر الّذي أسهم المتسلّلون إلى أرضهم في ضربه؛ إذ خلقوا جغرافيا ممتدّة ككرة نار لا يمكن اختزالها ببكائيّات خرائط القرى والمدن المدمّرة، كما يفعل البعض... يعني كم من خريطة لنشاط المتسلّلين رسمنا؟ وهل يمكن أن تصبح عمليّة إنتاج الخرائط والرسومات تجسيدًا لديناميكيّات الثورة، بدلًا من أن تكون وقودًا للعويل والبكاء على "الفردوس المفقود"؟

 

"سحب رجل" المتسلّلين

كان المتسلّلون ينامون ليلًا، ومع مطلع الصباح يقطفون الحمضيّات، ومن ثَمّ يعودون إلى نقطة الانطلاق. يسرد الراوي قصّة مباغتتهم من قِبَل أحد حرّاس المستعمرات، ويقول إنّ أحد المتسلّلين أرشدهم إلى إحدى بيّارات الليمون الأصفر الناضج (يشدّد الراوي على الوصف، كأنّه وجد كنزًا ثمينًا آنذاك)، وعندما وصلوا هناك اكتشفهم أحد الحرّاس، وأطلق شعلة تحذيريّة في السماء، على إثرها وصلت خليّة من الجنود إلى المنطقة وأسروا 15 شابًّا. هرب الراوي عن طريق وادي كفر عانة، وفي أثناء رحلة العودة قرأ سورة قرآن، ثمّ مرّ على "مطار العبّاسيّة"، حيث شاهد الإنشاءات والتوسعة الحاصلة على "مطار اللدّ" على حساب أراضي قرية العبّاسيّة، وهناك تسلّل من بين مجموعات من الجنود، من غير أن يلاحظوه، واستطاع أن يلوذ بالفرار. يضحك الراوي، ويقول: "الديك الفصيح من البيضة بصيح!".

في اليوم الثاني، وصل خبر اعتقال الشباب إلى قرية الراوي، وعلى إثره توجّهت مجموعة من 70 شابًّا لكي تجلب حمل الحمضيّات الخاصّ بالمعتقلين، وكان الحرس الصهيونيّ بالمرصاد؛ فقد اعتُقل جزء منهم مدّة أسبوع، وبعد فترة، نفت العصابات الصهيونيّة مجموعة منهم إلى برّيّة الخليل، ومنهم شخص صُلِب كان يُدعى "أبو الرحال".

في اليوم الثاني، وصل خبر اعتقال الشباب إلى قرية الراوي، وعلى إثره توجّهت مجموعة من 70 شابًّا لكي تجلب حمل الحمضيّات الخاصّ بالمعتقلين، وكان الحرس الصهيونيّ بالمرصاد؛ فقد اعتُقل جزء منهم مدّة أسبوع، وبعد فترة، نفت العصابات الصهيونيّة مجموعة منهم إلى برّيّة الخليل، ومنهم شخص صُلِب كان يُدعى "أبو الرحال". استطاع أبو الرحال الصمود في الصحراء، والاستدلال إلى إحدى قرى الخليل؛ وقد ساعده أحد الرعيان على العودة بعد أن استضافه 3 ليالٍ، ودفع أجرة العودة عنه. بعد عودة أبو الرحال إلى القرية، حدّث الناس عن مشاهداته، ثمّ اعتكف في المنزل لحفظ القرآن الكريم، وأكّد للراوي عدم وجود أيّ نيّة لممارسة عمله المعتاد في الأراضي المحتلّة، أي التسلّل... حدّثنا الراوي أنّه بعد أيّام عن قَدِمَ بعض قصّاصي الأثر أو الجواسيس من الأراضي المحتلّة، الّذين كانوا يشجّعون بعض المتسلّلين على العودة للإيقاع بهم في شرك العصابات الصهيونيّة، وهو الأمر الّذي حدث مع أبو الرحال، الّذي غادر القرية مع أحد القادمين ولم يَعُد قطّ. تتردّد قصص مشابهة خاصّةً بعد أن أخذ التسلّل طابعًا اشتباكيًّا، وتخلّله وقوع قتلى في المستعمرات وحرسها؛ وهذا ما جعل العصابات "تسحب رِجل" بعض كبار المتسلّلين، لأخذ المعلومات أو للثأر منهم.

 

"ومارتينتك بكفّتك والدنيا ليل، بتحسب حساب لبشر؟"

بدأ الراوي بالتدرّب مع قوّات الحرس الوطنيّ الأردنيّ عام 1951؛ إذ عسكر هو وزملاؤه في موقعَي مستعمرتَي النبي يعقوب وكفار عتصيون المدمّرتَين، وتسلّم بعدها "مسؤول موقع" في قريته، ودرّب الناس على السلاح، وكان يتقاضى دينارين و30 قرشًا آنذاك.

في تلك الفترة، بدأ الراوي بملاحظة تطوّر نوعيّ في عمليّات التسلّل، حيث أصبح المتسلّلون مزوَّدين بأسلحة أكثر من السابق. حدّة انتقام العصابات الصهيونيّة ازدادت، ومن الطبيعيّ أن يحصل ذلك؛ لأنّ إمكانيّات الحصول على ما تبقّى من محاصيل القرى الفلسطينيّة المدمّرة أصبحت معدومة؛ لذلك أصبح على المتسلّل أن يدخل إلى قلب المستعمرات الصهيونيّة لينتزع ما استطاع إليها سبيلًا. من موقعه في النقاط الأماميّة للحرس، سمع الراوي بعض الأخبار عن التهريب بين الخليل وغزّة عبر الصحراء، وهو ما يذكره رواة آخرون من غير توفّر كثير من المعلومات. ويقال إنّ تجارة الزيت بالتهريب بين الخليل وغزّة، قد تكون حملت معها بعض قطع الأسلحة الخفيفة وبعض الأيدولوجيّات.

أسأله: "قلبكم كاين قوي؟"، فيردّ الراوي بأنّ هذا بسبب الفقر والقلّة، "بدأنا بالقمح والشعير، وانتقلنا إلى البرتكان، ومن ثَمّ إلى المهدّات والجواريش والمواسير... ما خلّينا إشي لليهود واليهود اتبهدلوا". ويستذكر قصّة أخيرة رواها له صديق؛ أنّه في إحدى المرّات نظّم المتسلّلون القابعون في أحد السجون عمليّة فرار جماعيّ، وأحد أبناء بلده شارك فيها، ووصل نابلس في النهاية.

 

 

سعد عميرة

 

 

من مواليد القدس، طالب دكتوراه ومحاضر في "جامعة بازل" - سويسرا، باحث في التاريخ الشفويّ والتاريخ الاجتماعيّ المعاصر لفلسطين.

 

 

 

تعليقات Facebook